كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

وثائق سرية

وثائق سرية

تاريخ النشر: 2023-01-16 | 12:44

تم اكتشاف وثائق، بعضها يحمل درجة سرى، فى مكتب خاص بالرئيس الأمريكى جو بايدن، تعود الوثائق إلى فترة أن كان بايدن نائبًا للرئيس، طوال فترتى رئاسة أوباما، بين عامى 2009- 2017، ثم اكتُشفت وثائق أخرى فى منزل بايدن بولاية ديلاوير، تعود إلى نفس الفترة، الرئيس قال إنه لا يعلم عنها شيئًا، المدعى العام عين محققًا خاصًّا، خصوم بايدن من الجمهوريين، خاصة رئيس مجلس النواب، طالبوا بمحاسبته.

قبل هذه الواقعة بشهور، ذهب محققون من جهاز (إف. بى. آى) إلى مقر إقامة الرئيس السابق دونالد ترامب، وقاموا بالاستيلاء على مجموعة ضخمة من «الوثائق السرية»، خاصة بالدولة، أخذها الرئيس ضمن متعلقاته وهو يغادر البيت الأبيض، بعضها يتعلق بشؤون الدفاع.

سوف نُنحى جانبًا الاستغلال السياسى للحالتين وكذلك ما يمكن أن ينطوى عليه من مكايدة سياسية وحزبية، الأمر المؤكد أن خصوم ترامب وبايدن سوف يحاولون البناء على كل حالة للحيلولة دون ترشح كل منهما للانتخابات الرئاسية القادمة، على الأقل وضع عراقيل أمامه، لا يمكن استبعاد فرضية تعمد إثارة هذه القضية، فى الوقت الذى يستعد فيه بايدن لإعلان قراره خوض المعركة الانتخابية القادمة.

يُحسب لأجهزة الدولة أنها تحركت وسارعت باتخاذ إجراءاتها دون أن تهتز أو تضعف ولا ارتعشت أمام هيبة رئيس سابق، بمقولة ارحموا عزيز قوم، ولا تخوفت من الرئيس الحالى، بل فُتح التحقيق أثناء وجوده بالموقع، كما يُحسب له شخصيًّا أنه أكد تعاون البيت الأبيض مع الجهات المعنية بالتحقيق فى هذا الملف، كما لم يعتبر الأمر تآمرًا عليه ولا إساءة إليه. نحَّى كل ذلك جانبًا ولم يتجاهل أن هناك أوراقًا «وثائق» خاصة بالدولة وُجدت لديه، ما كان ينبغى أن تكون فى المكتب الخاص ولا فى منزله.

يعنينا هنا ملف وثائق الدولة، التى تكون بين يدى المسؤول الرفيع بحكم منصبه وطبيعة عمله، رئيسًا أو نائبًا للرئيس، الواضح أنه فى الدولة العظمى، حيث الديمقراطية الواسعة وكذلك أجهزة المخابرات العديدة والعميقة، فإن الوثائق المهمة يسهل خروجها إلى منزل خاص، وتُوضع فى «المرآب»، أى الجراج، أو فى مكتب خاص، ولا يشعر بفقدانها أحد ولا تحس مؤسسة ما بغيابها، ويتم العثور عليها مصادفة أثناء إخلاء المكتب الخاص لسبب ما، حالة بايدن. أو أن يتطوع أحد أفراد الأسرة ويتقدم إلى المباحث الفيدرالية ويبلغهم الأمر، مدفوعًا لذلك أو غيرة حقيقية على أمن الدولة، حالة ترامب. صحافة النميمة فى الولايات المتحدة وهنا أيضًا شغلت باسم وحقيقة مَن قام بالإبلاغ ودوافعه الشخصية، ولم تتوقف أمام دلالة ذلك فى أن الولاء للدولة وأمنها القومى يعلو على اعتبارات أخرى عديدة.

الرئيس السابق ترامب تساءل بعد ضبط كراتين الوثائق لديه: لماذا هو بالذات؟، وذكر أسماء رؤساء سابقين فعلوا الشىء نفسه، بينهم اثنان على قيد الحياة، جيمى كارتر وبيل كلينتون، (كل منهما ديمقراطى). كان يتحدث ويتصرف بالمنطق السائد لدى بعضنا «إشمعنى؟!».

وبعيدًا عن موقع الرئيس أو نائب الرئيس، هناك مشهد تابعناه جميعًا فى فترة رئاسة ترامب، حين ذهب الرئيس فى عامه الأخير إلى مقر الكونجرس لإلقاء خطاب بحضور أعضاء المجلسين (النواب والشيوخ)، وطبقًا للبروتوكول، يتوجه الرئيس لمصافحة رئيسى المجلسين، مدت السيدة نانسى بيلوسى يدها للمصافحة، لكن الرئيس كان يمقتها بشدة، فتجاهل يدها، فى تصرف مخالف لقواعد وأصول اللياقة، فردت هى بأن أمسكت بنص خطابه الذى أمامه- يُعد وثيقة- ومزقته بغِلّ إلى قطع صغيرة، بالتأكيد كانت مجروحة منه، لكن إلى هذا الحد يمكن الاستهانة بأوراق مهمة، بغض النظر عن الموقف الشعورى من صاحبها؟!.

الشائع فى مجالس النميمة عندنا، وبمنطق جلد الذات وتصور أن كل أوجه القصور لصيقة بنا، أن عدم الجدية فى الحفاظ على الوثائق وتبديدها شأن خاص بدول العالم الثالث، ونحن منها، وفى هذا الصدد هناك الكثير من السرديات عن الدول المتخلفة، التى لا تعرف قيمة الوثيقة والأوراق الخاصة فى مقابل الدول المتقدمة، التى تحتفظ حتى بقائمة طعام وأنواع ملابس المسؤول الكبير، ناهيك عن كل شؤونه، حتى ما هو شديد الخصوصية منها؛ أما نحن- دول العالم الثالث- فلا شىء من ذلك لدينا، يمكن أن نسمع ذلك كثيرًا من بعض أساتذة التاريخ الحديث والمعاصر أكثر، وهناك حكايات عديدة عما كان يسمى «ليلة حرق الأوراق»، مفادها أن المسؤول فى ليلته الأخيرة بالموقع وقبل أن يغادر يعكف على إشعال النيران فى الأوراق التى يمكن أن تحمل أو تثبت تجاوزات ارتكبها، ويبدو لى أنها كانت نوعًا من التشنيع وأنها تحريف لواقعة أخرى، وهى أن بعض التنظيمات السرية كان قادتها يحرقون أو يتخلصون من أوراقهم إذا ما علموا باقتراب رجال الأمن السياسى جدًّا من مداهمتهم، وفى كل الأحوال فُقدت وثائق وملفات عديدة، لكن على المستوى الرسمى فى دولنا، فإن إخراج وثائق أو أوراق مسألة غاية فى الصعوبة، ودونها أهوال سياسية وقانونية.

والحق أننا «دولة الورق»، فى أضابير دار الوثائق وداخل كل مؤسسة سوف تجد كمًّا رهيبًا من الوثائق والأوراق، يتم الاحتفاظ بها وتُعد «عهدة رسمية» لا يجوز المساس بها. فى مارس ٢٠١١، توليت رئاسة مجلس مؤسسة دار الهلال، وعُرضت علىَّ ورقة بخط الفنان العظيم نجيب الريحانى قبل وفاته، كانت إعلانًا عن آخر عمل له، نُشر فى مجلة «الكواكب» ثم توفاه الله، شهر يونيو ١٩٤٩، ولم يتم تحصيل قيمة الإعلان، وظلت هذه الورقة محفوظة وتُعرض على كل رئيس مجلس إدارة، كانت هناك أوراق أخرى، على غرار ورقة الفنان العظيم، وبادرت بطلب مسؤول الجهاز المركزى للمحاسبات لأسمع ما لديه قبل أن أبدأ، وكانت ورقة نجيب الريحانى فاتحة حديثه، ثم تبين لى أن أمر هذه الورقة معلوم لدى جهات أخرى. المهم أن التفريط فى ورقة مثل هذه بالإتلاف أو الضياع يدخل فى باب الجريمة، لذا كانت تُحفظ فى ملف خاص، مع وسائل تأمين وحفظ بالغة.

حدث هذا على مستوى مؤسسة صحفية، وفى شأن قد يبدو بسيطًا وهينًا، فما بالنا بالشؤون الأخرى، فضلًا عن المؤسسات والجهات الحكومية، ناهيك عن تلك التى تسمى «سيادية»؟.

ويعرف المتخصصون فى الوثائق أنه ليست لدينا مشكلة كبيرة فى جمع الوثائق وحفظها، عندنا هواية قديمة اسمها حفظ الأوراق، فى سنة ١٩٩٦، قمت بإجراء تحقيق صحفى لمجلة «المصور» حول مكتبة قصر عابدين، وكان قد تم ترميمه بعد ما تعرض له فى زلزال أكتوبر ١٩٩٢، فى رف صغير بها وجدت كراسات المدرسة الخاصة بالأمير فاروق وشقيقتيه فوزية وفايزة، كانت المدرسة داخل القصر، لم يسمح الوالد، جلالة الملك فؤاد الأول، بدخول أنجاله مدرسة خاصة أو عامة، لم يشأ لهم أن يختلطوا بأحد، ولا حتى بأبناء طبقتهم.

كتبت عن هذه الكراسات ودرجات وملاحظات المعلمين بكل كراسة، كانت الملاحظات بخط الأستاذ مهدى علام، حول الأمير- الملك فيما بعد- بها عدة مآخذ، مثل أن يهتم بتحسين خطه، وكانت الأميرة فايزة الأكثر تفوقًا.

ترتب على هذا التحقيق أن قرر رئيس الديوان وقتها تشكيل لجنة خاصة لدراسة هذه الكراسات وحفظها فى مكان آخر بعيدًا عن المكتبة، خشية أن تمتد يد إليها، نُقلت حيث تُحفظ وثائق القصر، ظل بعدها د. يونان لبيب رزق يعاتبنى أننى كنت السبب فى حرمان الدارسين من الاطلاع عليها.

الحق أن جمع الوثائق وحفظها عندنا قد يكون أفضل، دعنا الآن من وثائق ترامب وبايدن وغيرهما من الرؤساء وكبار المسؤولين، مازلنا نذكر والعالم كذلك حين قام «إدوارد سنودن»، وهو موظف لدى وكالة الأمن القومى الأمريكى، بتسريب ملايين الوثائق فى مختلف القضايا بعضها يتعلق بموضوعات بالغة الحساسية، دعنا الآن من موقفه السياسى وإنسانية ونبل غرضه، لكن حصوله على هذه الوثائق وإخراجها يعنى أن آلية الحفظ وتأمين الوثائق لم تكن محكمة. الرئيس بايدن أكد أنه لا يعرف ما تحويه الوثائق التى وُجدت لديه، ولم يكن يعلم بوجودها أصلًا، ولا يعرف كيف جاءت البيت والمكتب، أما أن توضع فى جراج المنزل، فهذا يعنى أنها فى مرتبة «المهملات» كى لا نقول «نفايات». الواضح أن أمر الوثائق السرية متروك لصغار المساعدين يتصرفون فيها كيفما شاءوا.
المشكلة عندنا هى فى الإتاحة، أى إتاحة الأوراق والوثائق بعد فترة زمنية معينة للاطلاع، أمام الدارسين والصحفيين والباحثين، فضلًا عن عموم المهتمين.
 عن المصري اليوم

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط