كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

وجع الإنسان في مواجهة الطغيان

وجع الإنسان في مواجهة الطغيان

تاريخ النشر: 2019-11-19 | 21:42

في بلادنا ووفق العادة والتقاليد العتيقة، كما المستحدثة، يطلقون على إدارات السلطة اسم دولة، وعلى عمليات الاقتراع "ممارسة ديمقراطية"، من دون أن تتوفر لهذه الممارسة مستلزماتها الضرورية: نضوج كامل شروط المواطنة، وحرية التعبير وطرح البرامج الانتخابية قبل عملية الاختيار والاقتراع، وسط "أعراس" من احتفاء الزعماء من أهل السلطة بـقطعانهم أو "عبيدهم" ممن لا يتمتعون بأدنى حقوق المواطنة، بمعنى أنهم "مكتومو مواطنة" أي "لا مواطنين" يجري استبعادهم وسلخهم عن مواطنيتهم، وتجاهل والاعتداء على كل حق لهم، في وقت قد لا يدرك كثيرون منهم معاني ومباني حقوقهم المفترضة، وأحقيتهم بالمطالبة بتلك الحقوق في ظل دولة مدنية، وفي ظل مواطنة لها ما لها وعليها ما عليها من حقوق يسلبها أهل السلطة، ويقاتلون من أجل استبعادها واستمرار حال الاستبداد والطغيان، وتسييدها رائدة سلطة قهرية، لم تعد تنتمي لعالم الناس العاديين/ البشر الطبيعيين، قدر انتمائها لتغول وحشي، تحاكي فيه ذاك التغول الوحشي لرأسمال متعدد الجنسيات، يتعولم بقوة التواطؤات وتوظيف التدفقات المالية والاستثمارية في إقامة شراكات زبائنية سياسية وتجارية، لا تعرف طريقا للحفاظ على أي قيمة من قيم وأخلاقيات وكرامة الإنسان.
في بلاد الناس، يكبر الوطن بمواطنيه، حين يمنحهم كامل حقوقهم الطبيعية الإنسانية، ويعطيهم كل حقوق المواطنة المتساوية بين أفراد الكل الوطني، لا فرق بين أهل السلطة، مهما علا شأنهم، وبين أهل المجتمع الأهلي على اختلاف طبقاتهم وانتماءاتهم وأطيافهم، لكن في بلادنا يصغر الوطن بتشريعات ومشاريع قوانين "اللا مواطنية" والتحاصصات الطائفية والمذهبية والمناطقية الطاردة لقيم المواطنة من ألفها إلى يائها؛ مواطنة مغيبة بالقسر والإكراه، في وطن منهوب ومنكوب ومركوب سلطويا، في ظل معاناة أهله وتفقيرهم وتجويعهم وحرمانهم من كل حق لهم، يحلو في أعين أهل السلطة، ما يجعلهم يجيرونه لمصالحهم الشخصية والخاصة والزبائنية، وتقاسمه مع أناس لا علاقة لهم بالوطن، بقدر ما يريدون لهذا الوطن أن يكون من تحاصصات نفوذهم ونفوذ داعميهم ومشروعهم الاقليمي.
لهذا كانت وتكون ثورات وجع الإنسان في مواجهة الطغيان، طغيان السلطة والقيم التقليدية الاجتماعية والدينية والسياسية والعائلية/ القبلية والعشائرية والأسرية في أبرز تجليات سلطويتها وطغيانها وعدم رؤية انسان يتوجع، مجتمع مجروح يتألم، بلاد لم تعد أوطانا يعتد بها أصحابها، بقدر ما تحولت على أيدي الطغاة إلى مسرح للعبث بأقدار وحيوات الناس والتحكم بمصائرهم ومصائر أبنائهم ومستقبلهم.
على أن "ديمقراطية" الاستعباد واستبعاد الناس، واستحضارهم مجردين من إنسانيتهم ومجرد عدد قطيعي، استمر للأسف يهيمن ردحا طويلا من الزمن، كونه شكل الممارسة الأرقى لـ "ديمقراطية الاستبداد" الذي أبدعت الزعامات القطيعية في محاولة فرضها وتسييدها في مملكة تحاصصات أرباب الطوائف والمذاهب، وأصحاب المال الحرام؛ الآتي على هودج السلطة القهرية، سلطة استبعاد الناس واستعبادهم عبر "ديمقراطية" الاقتراع للزعيم ومن لف لفه من زبانيته، وتقريره عنهم وصياغة شكل وجوهر وظيفتهم المحددة مسبقا، وبقدرة قادر الزعامة يجري تأليهه، وبرضاهم يساقون نحو عبوديتهم المختارة.
وجع الإنسان في مواجهة الطغيان، استدعى ويستدعي ثورات نقية وعفوية، ولو أنها غير منظمة، لكنها الأكثر تأثيرا، والأكثر انتشارا في عقر دار سلطات القهر وغلبة روح الاستبداد والاستئثار بكل شيء، وبكل الإدارات القائمة بمهمة التسلط ووظيفة السلطة، وما أفرزته وتفرزه من فساد وإفساد عميم، ليس بعيدا منه وعنه شخص الزعيم "قائد القطيع"، وهذا هو حال أنظمة التحاصصات الطائفية والمذهبية، بتشجيع من نظام أو أنظمة إقليمية لها أطماعها ومخططاتها ومشروعاتها غير الخافية على المتابعين السياسيين والإعلاميين، وحتى الناس العاديين.
كان لا بد لنظام التحاصصات الطائفية والمذهبية من الانكشاف، وبدء انتظار سقوطه على أيدي ضحاياه، ضحايا سياسات "هندسته المالية" التي أسقطته بدورها، كنموذج طالما اعتبره هذا النظام رائدا، في منطقة جربت وخربت فيها العديد من نماذج الهندسات السياسية، المطعمة بميراث من تقاليد طائفية، ذهبت في تمذهباتها أبعد من حدود المعقول والمحمول، وتجاوزت فيه حدود المواطنة والوطنية، وتركت تتلاشى بدورها لصالح أدوار خارجية إقليمية، لم ترعوي دول الإقليم عن مراعاة حسابات حلفائهم وتحالفاتهم وأدوارهم الوطنية داخل بلدانهم، وأهمية إبقاء هذه البلدان موحدة، في مواجهة أعداء حقيقيين وجوديا، وما تتطلبه معركة إثبات الوجود والمقاومة الوجودية لهدف بقاء مواطني هذه البلدان، في أوطانهم أحرارا مستقلين، لا عبيدا مرتهنين لداخل يتجاهل كل دور وطني له، وهو يستجيب لأدوار وظيفية ووظائفية، تتحكم بها مرجعيات الخارج الاقليمي، خشية أن يطالها ما طال اليوم لبنان وسوريا والعراق، وقد طالها وسيطولها مع الوقت جراء مواقف الاستعلاء والاستعداء والغلو بتقديس سياسات يزعم أصحابها أنها إلهية.
لهذا يصر أهل السلطة على إلهاب الشارع مجددا، كلما صعد واحدهم إلى المنبر أو ظهر ليتحدث في تصريح هنا أو لقاء هناك، والنتيجة إغلاق أهل السلطة كل طرق الحلول والمعالجات السياسية، في مقابل تصعيد لهجة خطاب الوعي السياسي الوطني في مواجهة خطابات طوائفيي السلطة وأهلها المضروبون بـ "متلازمة عمى السلطة" العاجزة عن ابتداع أي حل لمشكلات الدولة التي أغرقتها كل أطياف السلطة في مآزق لم يعد من السهولة معالجتها دون إطاحة رؤوس كبيرة كثيرة، ذهبوا بداية لإعلان إفلاس الدولة، في مقدمة لإعلان إفلاسهم السياسي والأخلاقي، في عملية تكرار واجترار لعجز هذه السلطة المزمن عن قيادة مهامها المفترض أنها عدة شغلها ومحور أشغالها واشتغالها، وإلا ما الذي جاء بهم إلى السلطة ليفعلوه؛ في الوقت الذي يؤكدون فيه منذ ردح طويل من الزمن أنهم خائبون خيبتهم الكبرى في القيام بوظائفهم المفترض أنها لخدمة كل الناس من أبناء شعبهم، لا بعض أبناء هذا الشعب ممن جرى ويجري تجهيلهم واحتسابهم على انتماء هوياتي ما قبل وطني، في وقت يذهب السلطويون في اتجاهات أثبتوا عبرها إنهم مجيدون الإجادة الكبرى في القيام بخدمة ذواتهم الشخصية والعائلية والأسرية والزبائنية والطوائفية، من دون ما رقابة أو محاسبة أو حسيب؛ وكل هذا يستدعي أكثر من ثورة، ثورة على احتكار السلطة، وشراكاتها وتحاصصاتها، ثورة على طوائفية ومذهبة السلطة، ثورة على التجويع وتفقير الناس، ثورة على حرمان الناس من كل حقوقها الطبيعية والإنسانية، ثورة على أهل السلطة من ناهبي المال العام والتصرف به وكأنه ملكيتهم الخاصة، لا ملكية الشعب والدولة التي احتكروا هيمنتهم عليها، وكسروها قسرا وإكراها على مذبح أطماعهم في الاستيلاء على كل شيء يمكنهم أن يمدوا أياديهم وأرجلهم إليه من أموال وعقارات وأراض. وهذا ليس حال السلطة السائدة هنا، بل هو ذات حال كل السلطات السائدة في بلادنا العربية وفي غيرها من أنظمة مشابهة، من دون استثناء.
في واقع كهذا لا يمكن إنكار ضرورة بلورة وعي شعبي ووطني مضاد، يعمل على إطفاء نيران الغرائز الطائفية التي عمل السلطويون من كل الطوائف والمذاهب على تأجيجها، وإفشائها بين العامة حماية لمصالح لهم لم تستوف أي شرط من شروط الحق والعدل والنزاهة، ولا هي استوفت أو يمكن أن تستوفي شروط حيازة سلطتهم الجائرة لأي مواصفات يمكنها أن ترضي من أرادوا تمثيلهم، وإذ بهم يمثلون عليهم، مستديرين نحو الامتثال فقط لمصالحهم الخاصة، ولمن أرادوهم شركاء لهم في دويلة أو دويلات الزبائنية، التي يجري إحلالها محل الدولة المفترضة، الجمهورية /المدنية، الغائبة والمغيبة لدى سلطات محلية تسلم زمام أمرها لمرجعيات إقليمية كهنوتية أو دولية، تشجع على بث فوضى السلطويين وأدوارهم الوظيفية الفتنوية، واستثمارها فخاخا وألغاما أمام ثورات شعوب العديد من بلداننا، على غرار ما يجري في لبنان والعراق، حيث تجاوز الوعي الشعبي كل المعوقات والسدود التي حالت دون إنضاج كامل مبادىء ومعايير وقيم ذاك الوعي المدني والوطني والإنساني الخلاق، الذي استجلبته ثورات الحراكات الشعبية وهي تسعى للخلاص من ربقة سلطات سياسية وكهنوتية، تتضامن في مسلكياتها التخريبية حد الهوس في عبادة وتقديس "متلازمة عمى السلطة"، أملا في البقاء والاحتفاظ بها، كونها الطريق الوحيد ،إن لم يكن الأوحد، للاحتفاظ بمصالحهم ومواقعهم وأدوارهم ووظائفهم السلطوية.

×
أخبار
«واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط