كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

وجوه لا تفترق (قصة قصيرة) محمد جبر الريفي

وجوه لا تفترق (قصة قصيرة) محمد جبر الريفي

تاريخ النشر: 2017-10-03 | 23:50

انتبهت إلى موقعه الحيوي المتميز في وسط المدينة لكن نسيم البحر المشبع برائحة السمك وعرق الصيادين كانت بعيدة عنه ، لا أستطيع رؤية أفق البحر حين تسقط الشمس فيه فتتدرج لون أمواجه بالحمرة ، كما لا أستطيع رؤية السفوح العليا للجبال والبيوت ذات السقوف القرميدية التي بلون حبات الكرز ، فقط من إحدى شرفاته الواسعة كان يتاح لي رؤية الأشياء في الشارع المكتظ ، الرجال والنساء الذين بذلوا جهداً للمحافظة على أناقتهم وكذلك المقهى المقابل حيث الرجال الذين يتخلون عن أشياء كثيرة في المساء ويهرعون إليه ، يثرثرون ويلعبون الطاولة والورق ويدخنون النارجيلة ويضحكون .. من مقعدي في شرفة فندق الأرز الواسعة كنت شاهداً على أحوال ذلك الشارع ، أنتظر اقتراب المساء فأهرع إلى المقعد وأجلس مستريحاً عليه وأرخي جسدي المتعب مرسلاً نظراتي إلى الأشياء الكثيرة التي تغمرها الأضواء ، منذ أن جئت إلى تلك المدينة العابقة برائحة البحر نزلت في ذلك الفندق الصغير الذي أعادني إلى الماضي .. كانت ساعات الصباح قد مضت في ذلك النهار وأنا في الطريق إليها ، ركبت سيارة الأجرة وكان كل ركابها في اتجاه واحد ، مسافة طويلة وأماكن لم أرها من قبل ، قدمت وثيقة سفري إلى أبي عبدو وكان يجلس وحيداً وراء الطاولة ، هذه أول مرة أراه فيها ، برز لي على الفور قبل أن يسألني وجه جارنا ربيع السمان العريض الممتلئ ،عيناه الواسعتان البراقتان اللتان تبحثان خلف نظارة سميكة عن أشياء بين رفوف البقالة ، كانت عيناه اللامعتان تلك تشخصان أيضاً في كل قادم خاصة الصبية الذين كانوا يتجمعون عند الباب وفي أيديهم النقود ، كل واحد منهم يريد أن يناوله ما يريد من أشياء على عجل .. في البقالة التي كان يملكها ربيع كان يجلس هو وراء الطاولة تماماً مثل أبي عبدو صاحب الفندق خاصة بعد أن تختفي الشمس فيستمتع بالهواء الناعم الذي يتدفق من الشوارع شبه الخالية ، إنها ذات الجلسة وتلك الملابس التي يرتديها كل منهما ، القمباز الأبيض المخطط الشامي والطربوش والشملة العريضة الموشاة بخيوط ملونة يلفها كل منهما على وسطه فوق الجاكيت .. أحدق في وجه أبي عبدو فيطل عليّ وجه ربيع العريض الممتلئ ، الأنف والشارب الأبيض الكث الذي بلون قطعة الرخام والنظارة السميكة والأسنان الفضية المرصوصة التي تجذب الناظر لملاحظتها .. هناك على باب البقالة جلست طويلاً على كرسي القش ، كان يخرج لي ربيع الكرسي بنفسه ويقول لي اجلس ..وفي بعض المرات كان يجلس إلى جواري ويقول لي كان لوالدي في البلد دكان أكبر من هذه وكان بجوارها بيتنا وبه شجرة تين كبيرة ، كان لنا في البلد أرض ودواب ، كل هذه الأشياء تركناها وراءنا وخرجنا عام 48 .. آخر مرة رأيته كان يقفل باب بقالته بالمفتاح الكبير الذي يشبه مفتاح بيتهم في البلد وكان ولده بالقرب منه .. سألني أبو عبدو في الفندق وهو يبتسم إذا كنت بحاجة إلى النوم في غرفة خاصة بي لوحدي أم مع ناس آخرين فقلت له وأنا أشعر بالضيق مع ناس آخرين .. من وراء طاولته كان يراقب كل شيء ، في كل مرة أنزل فيها إلى فندق الأرز تتوثق العلاقة معه ، أجلس بجانبه على الطاولة بعد العصر فيتحدث بشوق ولذة عن أيام زمان ، يتدفق الدم من عروق وجهه وتطفر من عينه دمعة على الماضي ، رأيت فيه الشيء الذي كنت أراه في شخص ربيع صاحب البقالة وكأن جارنا في الحارة الفقيرة يطل في وجهي ويقول لي : إنني أعلن أنا ربيع السمّان موجود أيضاً في بيروت ، لقد رحلت معك في الشتات من بلد إلى بلد .. هكذا كان أبو عبدو ينتشلني كل يوم في ساعة العصر عند اقتراب المساء من بين أوجاعي فأجد اللذة في سماع أيامه الماضية فأسمع صوته الرخيم يتماوج في أذني مع أنسام البحر الباردة المتدفقة عبر الشوارع الزجاجية المليئة بالضجيج وكان لي الحق أن أتحدث مع نفسي وأنا أحدق في وجهه الأبيض الممتلئ " ها أنت يا أبا عبدو تطل على وجهي ضاحكاً مبتسماً فتعيدني إلى دكان ربيع والزقاق الضيق في حارتنا وكرسي القش ، تعرف أنني فلسطيني نازح من قطاع غزة فلا تتجهم كأصحاب الفنادق الآخرين في هذه المدينة ولا تأخذ بأسباب الحيطة والحذر ، لا تخشى أيضاً يا أبا عبدو أن أنهض ذات يوم في الصباح الباكر منصرفاً في هدوء ماشياً على رؤوس أصابع قدمي دون أن أنادي عليك لأحاسبك وأدفع ما علي ّ من نقود فأنت تعرف أنني لا أعمل وأتسكع في ساعات النهار في شوارع المدينة وفي يدي حقيبتي الصغيرة التي بها شهادتي الجامعية وأوراقي الثبوتية باحثاً عن الشغل .."

في فندق الأرز كان أحد العاملين فيه ويدعى معروف يأتي إليّ في الشرفة وفي يده صينية الشاي وحين يتأخر عن موعده بعد العصر أنادي عليه .. معروف .. معروف .. فيجيبني بصوته الناعم ويهرع إليّ ، أتطلع في وجهه وهو يضع صينية الشاي على الطاولة الصغيرة فأتذكر على الفور وجه صديقي في المرحلة الثانوية منصور قلت في إحدى المرات أنت تفكرني يا معروف بمنصور زميلي فيقول لي وهو يبتسم أهنالك هو ما زال في غزة ؟ فأقول له وأنا أمد يدي إلى كأس الشاي لقد استشهد في عدوان 67 ثم وهو يخرج من الشرفة وعلى وجهه علامات التأثر قلت بيني وبين نفسي إن معروف ابن هذه المدينة العربية له نفس الملامح لمنصور الفلسطيني ، العينان والأنف ، والوجه الأسمر المستدير والضحكة الحلوة وحتى سن الذهب الذي يلمع حين تنفرج شفتاه بابتسامة ، وعندما يعود معروف بعد دقائق إلى الشرفة كي يأخذ صينية الشاي يسألني قائلاً ووجهه الطفولي يقترب مني : وهل منصور مات في ميدان المعركة ؟ فأقول له بصوت هادئ وأنا أحدق في وجهه بحدة : نعم منصور كان جندياً في جيش التحرير ، لقد قاتل ببسالة يا معروف مثل باقي جنود الوحدات الفلسطينية التي اشتركت في المعركة وبعد استشهاده بقيت جثته مدفونة لأكثر من ثلاثة شهور وحين هبت رياح الخريف بانت مع جثث شهداء أخرى كثيرة ولم يتعرفوا على وجهه إلا من سن الذهب الذي طالما كان يلمع بين شفتيه .. وهكذا كل يوم بعد العصر بساعة يطل عليّ معروف بكأس الشاي فأرى على الفور وجه صديقي منصور الذي غاب عن نظري من سنين طويلة ، أتخيل وجهه الأسمر في اللحظة الأخيرة من حياته وهو معفر بتراب الوطن ، أقول في نفسي وأنا أنظر في وجه معروف وهو يضع صينية الشاي أمامي على الطاولة أنت معروف أم منصور ؟! يبتعد عني معروف خارجاً بعد أن نظرت إله طويلا ً فأعود إلى النظر إلى الشارع المكتظ ، وجوه كثيرة تمر فيه ولكن ليس فيه وجه واحد أعرفه ، أدخل غرفتي بعد أن يهبط الليل ، أتمدد على السرير ، كل ليلة في الغرفة يزورني وجه جديد ، لا أطمئن إلا بعد أن أراه ينكفئ ويستغرق صاحبه في النوم ، أتفقد حقيبتي الصغيرة في أعماق الليل وأسلم نفسي إلى هاجس الخوف من الوجه القادم ، يسرقني الأرق حتى تباشير الفجر ، وحين يوقظني عامل الفندق معروف لا أجد الوجه الذي لا أعرفه والذي شاركني صاحبه النوم في الغرفة ، لقد استيقظ ذلك الرجل مبكراً ، شرب فنجاناً من القهوة وأشعل لفافته ومضى .. قال صاحب الفندق أبو عبدو وقد رأى الهم والقلق واضحين على إمارات وجهي .. سأحضر لك الليلة القادمة وجهاً آخر لعللك تأنس إليه هذه المرة فقلت له وفي كلماتي نبرة ألم : ولكنك تأتي به إليّ متأخراً بعد منتصف الليل ، تلك الرؤية لتقاسيمه لم تدم إلا للحظات فقط ، يدس كل منا نفسه في فراش السرير وينام .. فيصمت صاحب الفندق لحظة ثم يقول : وماذا تريد بالضبط ؟ فأقول له وقد غالبتني الدموع : أريد أن تحضر لي في الغرفة وجهاً أعرفه ، وجه يحدثني صاحبه طيلة الليل فلا أحس بالغربة عن الوطن .. كانت بيروت في تلك الأيام كعهدها دائماً مدينة الحب والثقافة والجمال لم تكن قد عرفت بعد الميليشيات والحواجز التي اختفت بانتهاء الحرب ، أما مخيم صبرا القريب فقد كان يعيش لحظة الانتظار ، لقد رأيته في ذات يوم ولم أقل في نفسي شيئاً ، فقط شيعته بعين الحزن والألم ، كنت المرة الأولى التي أرى فيها النقيضين وجهاً لوجه ، المدينة الزجاجية والمخيم الفقير ، تركته خلفي ومضيت إلى الفندق .. في الصباح من ذلك اليوم توجهت إلى ذلك المكان بعينين متقدتين ، وقفت هناك أمام السفارة طويلاً ، لقد أحسست بالراحة لأنني رأيتهم ، رأيت وجوههم الذابلة المهمومة التي قسى عليها زمن الشتات والتي تشبه وجهي .. ثم هم أيضاً واجهوني بعيون براقة فيها أمل وطمأنينة ، اتجهت إليهم بحماس وانفرجت شفتاي بابتسامة وقلت لهم : أنتم تريدون مقابلة البعثة ؟ فقال أحدهم وهو يبتسم : أجل نريد مقابلة البعثة .. عندئذٍ وقفت معهم أنتظر ، صرت كل يوم أذهب إلى هناك حيث ينبغي أن أكون بينهم فأجدهم أمامي ينتظرون وصار ممكناً بعد ذلك أن نلتقي في المقهى المقابل لفندق الأرز ، لم أعد أحمل مقعدي وأجلس في الشرفة عصراً منتظراً كأس الشاي الذي يأتي به إليّ معروف ، أخذت أنطلق إلى الفندق الآخر الذي ينزلون به في ذلك الزقاق الضيق المعتم .. في ذلك المساء لم يخطر ببالي إننا سنقيم معاً في غرفة واحدة .. لقد أصبحنا أربعة وجوه متشابهة في مكان واحد .. كل يوم كنا نخرج معاً إلى الشوارع نبحث عن وجوه تشبه وجوهنا .

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط