كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

وحدة وطنية سورية ستفشل خطط التفتيت الإسرائيلية

وحدة وطنية سورية ستفشل خطط التفتيت الإسرائيلية

تاريخ النشر: 2024-12-20 | 06:46

جمال زحالقة
جمال زحالقة

طفت على السطح في الأيام والأسابيع الأخيرة توجهات وخطط ومشاريع إسرائيلية للنيل من وحدة سوريا، لإضعاف وتفتيت الدولة السورية. ويجب أخذ الكلام الإسرائيلي عن هذا الموضوع بجدية، لعدة أسباب لعل أهمها تأثير الدولة الصهيونية على الإدارة الأمريكية، خاصة إدارة ترامب الجديدة، التي قد تتساوق مع مشاريع تقسيم سوريا. وقد بدأت إسرائيل بالترويج إلى ضرورة أن يقوم الغرب بحماية «الأقليات» في سوريا، وصولا إلى دعم وحتى خلق نزعات انفصالية تؤدي إلى تقسيمها إلى دويلات وكانتونات. وكان من غايات القصف الكثيف والموسع على مواقع ومرافق ومقدرات الجيش العربي السوري، إضعاف الحكم المركزي ودفع سوريا نحو هاوية التقسيم والتشرذم والحرب الأهلية. إسرائيل تحاول استغلال مصاعب الفترة الانتقالية، وتسعى للدفع نحو التقسيم، ولكن يمكن ويجب إفشالها وإحباط مؤامراتها كافة، وبمقدور شعب سوريا وعلى العرب أن يدعموه عموما، وفي مواجهة إسرائيل أيضا.

«حلف الأقليات»

لقد تبنت القيادة الصهيونية، وفي مقدمتها دافيد بن غوريون، استراتيجية «حلف الأقليات»، القائمة على بناء تحالفات مع جماعات غير عربية، أو غير مسلمة في الشرق الأوسط، لمواجهة المحيط العربي المعادي لها. وحاولت على الدوام استغلال مخاوف، وفي بعض الأحيان معاناة، هذه المجموعات لدعمها في مواجهة «الأكثرية العربية المسلمة» وفق مبدأ «عدو عدوي صديقي». وهدفت إسرائيل إلى تفكيك التضامن العربي، الذي اعتبرته تهديدا لوجودها ولأمنها، وسعت من خلال هذه الاستراتيجية إلى إضعاف الدول العربية من الداخل وحلمت حتى بتفكيكها.

وعلى سبيل المثال، اقترح دافيد بن غوريون على فرنسا، في خضم التنسيق والتحضير للعدوان الثلاثي على مصر عام 1956، إقامة دولة مسيحية في لبنان تقيم علاقات سلمية مع إسرائيل. ومن المعروف أيضا أن الدولة الصهيونية أقامت شبكة من الاتصالات مع أطراف لبنانية، عبر استغلال التوترات الطائفية والسياسية الداخلية في لبنان، وصلت إلى حد إقامة ميليشيا مسلحة داعمة لإسرائيل ومدعومة منها هي «جيش لبنان الجنوبي». ولم يعد سرّا عمق تدخل إسرائيل في كردستان العراق، ومساهمتها في تسليح وتدريب وتمويل ميليشيات كردية انفصالية. وعلى الرغم من بعد كردستان عنها، اعتبرت إسرائيل ما يحدث فيها مرتبطا بشكل مباشر بأمنها القومي، وكان من غايات التدخل الإسرائيلي تقوية التيار الانفصالي اليميني في كردستان، على حساب التيار اليساري الذي ناضل من أجل تلبية الحقوق الفردية والجماعية في إطار الدولة العراقية. وفي ظل اتفاقيات السلام مع عدد من الدول العربية والعلاقات السرية المتشعّبة مع دول عربية أخرى، قل وزن «استراتيجية حلف الأقليات»، وصار الخطاب الإسرائيلي الطاغي هو «التحالف مع المحور السنّي المعتدل»، ووصل الأمر إلى اعتبار بعض «الأقليات» في المنطقة خطرا على «أمن إسرائيل» وليس ذخرا استراتيجيا لها. ولكن، وبعد سقوط نظام الأسد، وما سببه من ريبة بشأن الذي يحدث، والذي سيحدث في سوريا، طفا مفهوم «حلف الأقليات» على السطح مجددا وتعالت المطالبة بالسعي لأجله ولقيادته.

يستند الخطاب الإسرائيلي بشأن سوريا عموما، وسوريا ما بعد الأسد خصوصا، إلى تغييب تام لمفهوم وكيانية الشعب السوري، وعدم الإقرار بأنّه شعب واحد، يوجد فيه تنوّع وتعددية إثنية ودينية وجهوية، مثل قسم كبير من شعوب الأرض، وينطلق هذا الخطاب من التعامل مع السوريين بوصفهم مجموعات مفككة ومتنافرة من الطوائف والأقليات. وإسرائيل تسعى إلى استغلال الوضع القائم في سوريا ـ كما تفهمه وتشخّصه هي – لمصلحتها ولتحقيق مآربها، وهي تقول ذلك جهارا، وتقوم بممارسات فعلية سعيا للوصول إلى مبتغاها.

مآرب ومؤامرات

توالت التصريحات الإسرائيلية الداعية إلى دعم ما تعتبره إسرائيل أقليات في سوريا، وقال الجنرال المتقاعد يئير غولان، زعيم حزب «الديمقراطيون»، الذي يمثل ما تبقى من اليسار الصهيوني إنّ «إسرائيل ملزمة بالقيام بالمبادرة، واستغلال القنوات العلنية والسرية لدعم الأكراد، لأن منطقة كردية قوية هي أمن لإسرائيل». وتعتبر إسرائيل الإقليم الكردي منطقة عازلة تمنع إدخال أسلحة ومعدات وقوات معادية لها، وتعتبرها أيضا سدّا أمام زحف تركي محتمل، وقال غولان حول ذلك: «على إسرائيل أن تكون قلقة من أمر أساسي واحد: هجوم تركي ضد الأكراد في سوريا، وإذا أخضع الاتراكُ الأكرادَ فمعنى ذلك أنه سيصبح عندنا بدل الإسلام الشيعي المتطرف، تركيا وإسلام سنّي متطرّف». تعكس تصريحات يئير غولان الاتجاه السائد لدى النخب الأمنية والسياسية في إسرائيل، وقد تحوّل هذا إلى سياسة رسمية، أكثر من يعبّر عنها ويحث عليها هو وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعار، الذي دعا سابقا، في عام 2015، إلى تفكيك سوريا إلى أربع دول: سنية وعلوية ودرزية وكردية. وخلال إحاطة صحافية مع المراسلين الأجانب، الأسبوع الماضي، قال ساعار: «من المهم الدفاع عن الأقليات في سوريا: أكراد ودروز ومسيحيون وعلويون. وفي هذا الشأن سنتابع ونراقب الأفعال وليس الأقوال». وأضاف: «يجب وقف الهجوم على الأكراد، يجب أن يكون هناك التزام دولي وخطوات فعلية لحماية الأكراد، الذين حاربوا ببسالة ضد تنظيم الدولة الإسلامية». وأكّد ساعار أن الإدارة الأمريكية ملتزمة بأمن الأكراد في سوريا، في إشارة إلى انسجام بين واشنطن وتل أبيب على هذا الصعيد. ونشرت صحيفة «يسرائيل هيوم» أن القيادة الأمنية الإسرائيلية تبحث موضوع تقسيم سوريا، ونشرت كذلك أن عضو لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست الإسرائيلي عميت هليفي، توجه إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مرتين وطالبه بالعمل بجدية لتقسيم سوريا إلى كانتونات، مضيفا «نحن أمام خطر واضح بأن تتحول سوريا إلى بؤرة مركزية للإسلام المتطرف.. هناك ضرورة ملحة بأن تبادر حكومة إسرائيل إلى مؤتمر دولي لإعادة ترسيم الحدود في سوريا ومع جيرانها». وشدّدت الصحيفة على أن التطورات الدراماتيكية في سوريا قد تؤثّر على الأردن ومصر والسلطة الفلسطينية، وعلى إسرائيل التحرك واستغلال النافذة الزمنية القصيرة، قبل أن يترسّخ نظام «خطير» في دمشق، يمكن أن يشكل نموذجا يتكرر في أماكن أخرى في الشرق الأوسط.

ممارسات عدوانية

تكررت الدعوات الإسرائيلية لتقسيم سوريا، ومنها مباشرة، ومنها غير مباشرة متلحفة بحماية الأقليات، على غرار نظام الامتيازات في نهايات الدولة العثمانية. ولكن إسرائيل لم تكتف بالأقوال، بل قامت بأفعال فظيعة على الأرض لتسهيل «تقسيم وتفتيت سوريا»، وفي مقدمة ذلك الاستهداف الواسع لمقدرات الجيش العربي السوري، بهدف إضعافه ومنعه من التفكير في استرداد الجولان، أو حتى في الدفاع عن سوريا أمام هجمات إسرائيلية مستقبلية. ولكن الهدف الآخر غير المعلن من قبل إسرائيل هو التخريب على مشروع بناء دولة سورية مركزية قوية، ومتماسكة تستطيع بسط سيادتها وسلطتها على أراضيها. وتعتقد إسرائيل أن سلطة مركزية ضعيفة في دمشق تفتح الباب أمام نزعات انفصالية تشجّعها وتستفيد منها إسرائيل.

لقد تعلمت إسرائيل (وغيرها) درسا مهما من تفكيك الجيش العراقي بعد إسقاط نظام صدام حسين، ومن تفكّك الجيش الليبي تبعا للإطاحة بحكم معمر القذافي. في كلتا الحالتين دخلت البلاد في فوضى أمنية وحرب أهلية. وحين تيقنت القيادة الإسرائيلية من أنّ السلطة الجديدة في دمشق لا تنوي حل الجيش العربي السوري، سارعت إلى تنفيذ خطّتها، التي يجري إعدادها منذ حرب أكتوبر 1973، وقامت بتدمير معظم الآليات والقواعد العسكرية البحرية والجوية، وقسم كبير من المقدرات البرية والصناعات الحربية في أنحاء سوريا. في المقابل احتل الجيش الإسرائيلي أراضي سورية جديدة وتوغّل في منطقة جنوب سوريا، معلنا أنه لن يسمح لأحد بالاقتراب من حدوده الجديدة والقديمة. ويبدو أن إسرائيل تسعى إلى ترتيبات في جنوب سوريا مشابهة لتلك التي جرى التوصل إليها في جنوب لبنان. ويبدو أيضا أنها تريد فرض حالة خمسين عاما من الهدوء في الجولان المحتل، مثلما كان الوضع عليه خلال خمسين عاما مضت.

إفشال

من المؤكد أن الشعب السوري قادر على إفشال المشاريع والمؤامرات الإسرائيلية الهادفة للنيل من وحدته وتماسكه، عبر استغلال صراعات داخلية قديمة وجديدة، التي يجب حلّها بالتوافق والتفاهم، وتغليب المصلحة المشتركة العامة لجميع فئات الشعب السوري بلا استثناء. وحين يبني السوريون مؤسسات دولتهم من جديد على أسس ديمقراطية سليمة، وعلى قاعدة الوحدة الوطنية الشاملة والمواطنة المتساوية، فإنهم لن يتركوا لإسرائيل ثغرة تنفذ منها ولا عيبا تتسلل خلاله. وعلينا أن نتذكر ما قاله الشاعر الدمشقي الكبير، نزار قبّاني:

لم يدخل اليهود من حدودنا وإنما تسللوا كالنمل من عيوبنا

وحين تُسد الثغرات وتُصلح العيوب يكون لسوريا جدار حديدي تتحطّم عليه أحلام ومؤامرات إسرائيل، وترتطم به أطماعها التوسعية ومشاريع التخريب والهيمنة الإقليمية التي تسعى إليها. إسرائيل تعمل على تفتيت الدولة السورية، ويجب التصدي لها وتفويت الفرصة عليها وعلى من يشاطرها التآمر.

عن القدس العربي

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط