كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

ورشة المنامة: قصة فشل معلن

ورشة المنامة: قصة فشل معلن

تاريخ النشر: 2019-06-25 | 05:55

اختار جاريد كوشنر وفريقه المضي في عقد ورشة المنامة، رغم النجاح الباهت والفشل المؤكد والمؤجل الاعتراف به، كما تدل المؤشرات العديدة إلى أنها لا تملك فرصة حقيقية للنجاح. ولا يعود ذلك إلى الإجماع الفلسطيني الرافض للمشاركة في الورشة انطلاقًا من أن قضية فلسطين ليست للبيع، وأن لا عرس بلا عريس فقط، وإنما لأن ما تحاول الإدارة الأميركية عمله تحت مسمى "صفقة ترامب"، وشقها الاقتصادي، متطرف جدًا في دعمه للمتطرفين الإسرائيليين، وليس "ازدهارًا" من أجل السلام، وإنما محاولة لتحقيق "الازدهار" تحت الاحتلال، وهذا مستحيل.

الشق السياسي لصفقة ترامب واضح تمامًا بعد كل السياسات والإجراءات التي قامت بها الإدارة الأميركية والحكومة الإسرائيلية، وهو إدامة الاحتلال، والسعي لتصفية القضية الفلسطينية مقابل تحسين حياة الفلسطينيين، ودمج إسرائيل في المنطقة العربية لتحقيق الشرق الأوسط الجديد. لذلك أُجّل طرحه المرة وراء الأخرى لاستحالة تسويقه، فضلًا عن إمكانية تأجيل طرحه إلى ما بعد الانتخابات الأميركية الرئاسية القادمة في أواخر العام القادم، وربما عدم طرحه أبدًا.

وإذا طرحت "الصفقة" في الموعد الجديد، أي بعد تشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة في تشرين الثاني 2019، فيكون ذلك بهدف توظيف الرفض الفلسطيني الحتمي لها لتبرير اتخاذ إسرائيل خطوات توسعية واستيطانية وعدوانية جديدة بدعم أميركي، مثل ضم أجزاء من الضفة، لأن هذا من حق إسرائيل كما قال ديفيد فريدمان، السفير الأميركي في إسرائيل، الأمر الذي وافق على روحه، كما صرّح جيسون غرينبلات، عضو الفريق الأميركي.

ومن المؤشرات على الفشل أن معظم الدول العربية التي ستشارك قامت بذلك مضطرة، بدليل أن كوشنر قام بشكل غير لائق بالإعلان عن مشاركتها، ما جعلها تنفي اتخاذها القرار إلى أن قررت المشاركة بتمثيل منخفض، مع طلب بعدم مشاركة إسرائيل بشكل رسمي، وهذا يُضيّع على الحكومة الإسرائيلية ورئيسها بنيامين نتنياهو فرصة ذهبية كان يمكن توظيفها لصالحه في الانتخابات الإسرائيلية القادمة، بالمشاركة مع العرب في عاصمة عربية لبحث أمر فلسطيني رغم معارضة وغضب ومقاطعة الفلسطينيين، شعبًا وقوى وقيادة.

يضاف إلى ذلك أن مسؤولًا أميركيًا قال إن العرب المستهدفين لتمويل "الصفقة" اشترطوا قبل الإقدام على ذلك معرفة الشق السياسي، والتأكد من أنه قادر على إطلاق عملية سياسية لها فرصة جيدة في النجاح، فضلًا عن قول رجل أعمال إسرائيلي مدعو للمشاركة في الورشة: إنه حتى الإدارة الأميركية أدركت أن هناك جدرانًا لا يمكن للعرب تجاوزها في العلاقة مع إسرائيل، وحصل ذلك لأنها كانت تأمل مشاركة عدد كبير من وزراء المالية العرب وغيرهم، لينتهي الأمر بحضور عدد قليل من الموظفين الصغار، ما ينطوي على إهانة للإدارة الأميركية لا تستطيع أن تخفيها بالعناد والإصرار على عقد الورشة.

ولمداراة الفضيحة والإهانة، قامت الإدارة الأميركية بنشر الخطة الاقتصادية على موقعها الإلكتروني، التي تتضمن حوالي 100 صفحة، يستنتج القارئ لها بأن كوشنر وفريقه ليس فقط مبتدئين إلى درجة الجهل وانعدام الخبرة السياسية، بل على قدر لا يقل من السوء في الاقتصاد كذلك.

وتضمنت الخطة أنها ستطبق على مدار عشر سنوات، وأنها تستهدف جمع 50.670 مليار دولار غير مضمون جمعها، وستوزع على النحو الآتي: الضفة الغربية وقطاع غزة 27.813 مليار؛ مصر 9.167 مليار؛ الأردن 7.365 مليار؛ لبنان 6.325 مليار. أما عن تمويل الخطة فسيكون 13.380 مليار منح؛ و25.685 مليار قروض مع فوائد، وإن وجد من سيمول القروض فإن كاهل الفلسطينيين سيثقل بالديون لسنوات طويلة قادمة؛ و11.6 مليار من القطاع الخاص، مع أنه لا يدعم وإنما يستثمر إذا وجد بيئة مناسبة وإمكانية للربح. كما تزعم الخطة أنها ستضاعف الإنتاج المحلي الإجمالي الفلسطيني، وتوفّر مليون فرصة عمل، وتقلّل البطالة إلى أقل من 10%، وستخفّض معدل الفقر بنسبة 50%.

ولم تشر الخطة على الإطلاق إلى الاحتلال الاستعماري الاستيطاني والمشاريع الإسرائيلية التي تهدد بنجاح أي خطة "للازدهار". فمن سيمول في منطقة معرضة للعدوان كما حصل في الضفة الغربية بعد العام 2000، وفي قطاع غزة في أعوام 2008 و2012 و2014 وحتى الآن، إذ دمرت قوات الاحتلال البنى التحتية والمشاريع التي أقيمت منذ تأسيس السلطة.

أما المشاريع في الدول العربية فتهدف إلى رمي قطاع غزة في حضن مصر، ودفع مصر والأردن للموافقة على التوطين، وإقامة مشاريع طرق وسكك حديد تدمج إسرائيل بالمحيط العربي، وتستجيب لاحتياجاتها.

لم تتطرق الخطة إلى السلطة الفلسطينية، ما يؤكد الشروع في تجاوزها، وتمهيد العمل لاستبدالها إن لم تخضع، ولم توضّح من الذي سيقدم المنح أو القروض، ولكن العين على الدول العربية النفطية، وخصوصًا السعودية والإمارات. أما الكويت فأعلنت معارضتها للخطة الاقتصادية، كما أن الصين وروسيا تعارضان "صفقة ترامب"، أما أوروبا واليابان فتميلان لمعارضتها، في حين لا يوجد حماس عند أي طرف لتمويل إدامة الاحتلال، إضافة إلى أن الأموال التي ستصرف والمشاريع التي ستقام ستكون معرضة للدمار بحكم أن الخطة/المؤامرة لن تقود إلى الأمن والاستقرار والسلام والازدهار، وإنما ستضيف أسبابًا جديدة أقوى لاندلاع موجات من المقاومة والانتفاضة.

إن الشعب الفلسطيني الذي يقاوم منذ أكثر من مائة عام لا يمكن أن يبيع القدس والمقدسات واللاجئين، وحقه في تقرير المصير وإنجاز الاستقلال الوطني بمال الدنيا، فكيف بهذا الثمن البخس الذي من المشكوك جدًا التمكن من جمعه، وإذا تم التعهد به فلن يتم الالتزام بذلك كما حصل سابقًا مرارًا وتكرارًا؟!

"تمخضت صفقة ترامب فولدت فأرًا". فالمبلغ المستهدف جمعه في ورشة المنامة حتى إن تم جمعه ليس مغريًا على الإطلاق، وهو محاولة لتطبيق أوسلو (2) بحلة جديدة تعطي شرعية للاحتلال من دون عملية سياسية. فقد موّلت الدول المانحة السلطة الفلسطينية منذ قيامها بأكثر من 35 مليار دولار، وانتهت القصة بتمويل الاحتلال وجعله احتلال خمسة نجوم وموت العملية السياسية.

إذا كانت الخطة الاقتصادية بحاجة إلى موافقة الفلسطينيين حتى تُطبق، وهم معارضون لها، فهذا يضع الإدارة الأميركية أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاعتراف بالفشل وسحب "الصفقة" بشقيها السياسي والاقتصادي من التداول، وتحميل الفلسطينيين المسؤولية عن الفشل، والعودة إلى السياسة الأميركية التقليدية التي تدعم إسرائيل، وإما المضي فيها عبر محاولة تذليل العقبات التي تعترضها، وهذا يعني مواصلة وتصعيد الحرب بكل أنواعها على الفلسطينيين في الضفة والقطاع، لترويض السلطتين، أو الإطاحة بهما، والسعي لاستبدالهما بسلطتين أو سلطات عدة خاضعة لمتطلبات "الصفقة".

لو كان السلام الاقتصادي يمكن أن ينجح لنجح خلال عشرات السنين، فقد حاول تطبيقه موشيه دايان وإسحاق رابين في السبعينيات، وشمعون بيرس في الثمانينيات والتسعينيات، وجون كيري في العام 2014، ويحاول نتنياهو تطبيقه منذ أكثر من عشر سنوات. فجذر الصراع سياسي ووطني، ويتعلق بحقوق الفلسطينيين وتطلعاتهم الوطنية، وسعيهم للحرية والعودة والاستقلال والعدالة والمساواة، ولا يمكن أن يوافقوا على بيع ذلك بأي مبلغ من المال.

كما أن الخبرة الطويلة دللت على أن وعود تحسين مستوى الحياة والازدهار التي رافقت ما سمي "عملية السلام" منذ زيارة الرئيس المصري السابق محمد أنور السادات للقدس، وتوقيع المعاهدة المصرية الإسرائيلية، ثم توقيع اتفاقية أوسلو ومعاهدة وادي عربة، لم تحقق شيئًا، بل أصبحت الأطراف العربية التي شاركت فيها في وضع أسوأ مما كانت عليه بكثير، وهذا مفهوم لأن التوصية التي رفعها عدد من مراكز الأبحاث الإسرائيلية إلى صناع القرار في إسرائيل الذين أخذوا بها، أكدت ضرورة إبقاء العرب، حتى "المعتدلين" والذين وقعوا معاهدات سلام مع إسرائيل، ضعفاء ومشرذمين وتابعين، لأنهم قاموا بذلك نتيجة لضعفهم، وأنهم سيسحبون الاعتراف بإسرائيل ما أن يشعروا بالقوة.

 ما سبق لا يعني أن إدارة ترامب لم تحقق شيئًا، بل تسعى لتطبيع العلاقات الإسرائيلية العربية من دون التوصل إلى حل للقضية الفلسطينية بل على حسابها، واعترفت بالحقائق التي أقامها الاحتلال على الأرض وكرستها، وتحاول تكريس حقائق احتلالية جديدة، وخصوصًا فيما يتعلق بتصفية قضية اللاجئين، وتشريع الاستيطان، وتبني الرواية الصهيونية، وقطع الطريق على الاستقلال الوطني الفلسطيني، ولكنها حقائق لن تغير من واقع الحق الفلسطيني، ولا من تصميم الشعب الفلسطيني على الحفاظ على قضيته حية والكفاح من أجل انتصارها. ولن تتحول إلى واقع سياسي معترف به ومستدام من دون منحه الشرعية الفلسطينية والقبول العربي العلني.

فالصفقة ستفشل في تصفية القضية، ولكنها نجحت في تكريس الحقائق الاحتلالية، وجعلت النضال الفلسطيني أصعب، ما يوجب ردًا فلسطينيًا لا يكتفي بموقف الرفض المعلّق بالهواء، وإنما يبني على الأرض بديلًا متكاملًا سياسيًا جماهيريًا إعلاميًا اقتصاديًا قانونيًا كفاحيًا سيكون قادرًا على إفشال المخططات المعادية، والتقدم على طريق تحقيق الأهداف والحقوق الفلسطينية.

 لن تمر الصفقة من دون غطاء فلسطيني، وستُحبط عاجلًا أم آجلًا. نعم، لقد حققت إدارة ترامب نجاحًا، ولكنه باهت وأقرب للفشل، يتمثل بعقد الورشة بمقاطعة الفلسطينيين وعرب آخرين، وبحضور وتمثيل عربي هزيل، ومضت خطوة صغيرة باتجاه تطبيع العلاقات العربية الإسرائيلية، وسيتم الحكم على مدى الفشل بعد اتضاح ما سيتمخض عنها، مع أن المكتوب يقرأ من عنوانه.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط