كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

وصول الحريق السوري إلى أطراف تركيا والسعودية وأمريكا

يقظة متأخرة لدى بعض حكومات دول المنطقة حيال عواقب الإنغماس المبالغ فيه بالأزمة السورية والتقديرات غير الواقعية لتطور مسارها ، لم تعد القاعدة أو داعش أو النصرة خطراً يقتصر على سوريا، أو العراق أو لبنان ، بل إن الأصوات بدأت تعلو من أنقرة والرياض بصورة متزايدة للتحذير من وصول الحريق السوري إلى أطراف التركي والسعودي . 

إعلان تركيا عن قصف تل لـ داعش في سوريا هو أول تحرك عسكري تركي يستهدف التنظيم مباشرة ، ويأتي بعد سلسلة خطوات أقدمت عليها أنقرة ضد أعضاء في القاعدة على أراضيه ا، وأسفرت عن إعتقال قيادي في التنظيم وعدد من عناصره ، كما إتخذت تركيا خطوات أخرى مفاجئة من بينها مصادرة أسلحة ضبطت على الحدود أثناء توجهها إلى سوريا .

تركيا : العدو داخل البيت ويبدو أن تحركات سلطات تركيا تندرج في سياق بداية مراجعة لسياساتها إزاء سوريا ، بعد مراهنة طويلة على سقوط النظام ، وافتتح هذه المراجعة الرئيسُ التركي عبد الله غول بإعلانه أن على تركيا أن تعيد تقييم دبلوماسيتها وسياساتها الأمنية نظراً إلى الوقائع في جنوب البلاد ، مشددا على أن الوضع الحالي يشكل سيناريو خاسراً لكل دولة ونظام وشعب في المنطقة ، وكانت تقارير وشهادات كثيرة قد أفادت أن تركيا تـُعَدّ محطة هامة لوصول المقاتلين الأجانب الى سوريا ، ويبدو أن بنية تحتية أقيمت ، لإستقبال هؤلاء قبل نقلهم إلى الأراضي السورية حيث يتم توزيعهم على جبهة النصرة أو داعش أو سواهما بحسب الجهة التي تستقبلهم ، وكان من اللافت أن ينبري رئيس الوزراء التركي أردوغان إلى تأكيد أن حكومته لا تدعم لا القاعدة ولا جبهة النصرة ، بل على العكس هي ضد كل الجماعات القادمة من خارج سوريا ، مستثنياً ضمناً الجماعات المسلحة التي تحظى برعاية أنقرة ضمن ما يسمى الجبهة الإسلامية ويُنظر إلى هذا التصريح على أنه رد على الإنتقادات التي طالت سياسة غض الطرف التي إتبعتها أنقرة طويلا حيال مرور المقاتلين إلى سوريا ، أما وقد تبين إن القاعدة تفرّخ خلايا في تركيا و في بلدان أخرى في المنطقة ، فإن السلطات التركية تبدو مضطرة إلى نفض يدها من هذا الملف وإعادة تقييم خطره على الأمن في عقر دارها .

وإذا كانت السلطات التركية تبدو أكثر تكتماً في معالجة هذا الملف ، فإنها لا تخفي مخاوف من إنعكاس سيطرة تنظيم داعش على نقاط حدودية سورية وكما تنبئء الكثير من التجارب ، فإن الإرهاب التكفيري ليس عابراً للحدود فحسب بل هو يبحث عن مَوَاطن يحل فيها أينما ذهب ، لقد تبين إن للقاعدة حضوراً في تركيا يقوم على مواطنين أتراك بتواطؤ أو مساندة من جهات محلية تحت عنوانٍ خيري أو غيره ، وقد عمدت السلطات في الأيام الاخيرة إلى إجراء حملة تنقلات واسعة في محافظات تركية محاذية لسوريا.

لكن رئيس المخابرات العسكرية الصهيوني الذي يحتفظ بصلات مع الأجهزة الأمنية التركية ذهب أبعد من ذلك ، إذ قال إن بعض مقاتلي القاعدة الذين يذهبون إلى الحرب في سوريا لديهم قواعد في تركيا المجاورة ويمكنهم الوصول بسهولة إلى أوروبا عن طريقها ، وعرض في مؤتمر أمني في فلسطين المحتلة خريطة للشرق الأوسط مبين عليها ثلاث قواعد لتنظيم القاعدة داخل تركيا ، قيل إنها في أقاليم قرة مان وعثمانية وأورفة جنوب تركيا .

مدير هيئة الإستخبارات الوطنية الأمريكية يتحدث عن أكثر من 26 ألف عنصر إرهابي من بين عشرات الآلاف الذين يقاتلون ضد الحكومة السورية ، ويقول إن 7 آلاف من هؤلاء أجانب جاؤوا من نحو 50 بلدا بينها دول كثيرة في أوروبا والشرق الأوسط ، النقطة الأكثر أهمية التي أراد كلابر أن يلفت الإنتباه إليها أمام لجنة الإستخبارات في مجلس الشيوخ الأميركي هي إن الكثير ممن يدخلون سوريا أسبوعياً لا يبقون هناك ، وإن المجموعات المرتبطة بتنظيم القاعدة ترسل عناصرها إلى سوريا للمشاركة في تدريبات عسكرية قبل العودة إلى دولهم وتنفيذ هجمات فيها ، وهذا يعني أن سوريا باتت ساحة للتدريب ومركزاً لتوزيع المهام القاعديّة على دول أخرى في الشرق الأوسط والعالم ، كما ذكر كلابر جبهة النصرة بالإسم على أنها تسعى لتنفيذ هجمات على الولايات المتحدة ومصالحها ، وهذا المعطى الأخير يشير مجددا إلى أن الأميركيين غير مقتنعين بمحاولات تبذلها جهات عربية وسورية معارضة لتعريب جبهة النصرة وتصويرها على إنها تعمل لأجندة سورية محلية ، برغم أنها تعلن صراحة إرتباطها بالقاعدة ، وتمييزها عن داعش التي باتت مشروعاً قائماً بذاته خرج من عباءة التنظيم العالمي لتجسيد مشروع دولة تدعو لنفسها وتدين بالولاء للبغدادي وليس للظواهري ، ووصفت رئيسة لجنة الإستخبارات السناتور ديان فنشتاين الوضع في سوريا بأنه أبرز تهديد أمني ملحوظ منذ آخر إجتماع للجنة بشأن التهديدات العالمية للأمن الأميركي .

لقد إتهم الأميركيون مراراً في السابق النظام السوري بالتركيز المبالغ فيه على وجود الإرهاب والقاعدة في سوريا ، وقللوا من شأن ذلك إلى حد الإنكار تقريباً ، لكنهم الآن باتوا يعترفون بأن تقديراتهم السابقة لم تكن دقيقة ، وظهر مؤخراً تحول في التعاطي الأميركي تمثل بالضغط على المعارضة للجلوس إلى طاولة الحوار مع النظام لإيجاد مقاربة سياسية – أمنية ، تلافياً لإتساع نطاق المشهد القاعديّ والتشرذم في صفوف المعارضة المسلحة ، وألمح مسؤولون أميركيون في هذا السبيل إلى إنهم لا يودون أن يكونوا مضطرين للإختيار بين النظام والقاعدة .

السعودية : حملة ضد التجنيد في سوريا تشكلُ أكثر المواضيع التي تبعث على الشعور بالصداع في السعودية، وبرغم إن الرياض إنخرطت في مشروع إسقاط النظام في سوريا ، على أمل تحقيق إختراق في الخريطة الإستراتيجية في المنطقة ، فإنها تشعر الآن إن إستثمار مليارات الدولارات ووضع ثقل السياسة السعودية وراء هذا المشروع معرّض للضياع ، على ضوء إعادة العديد من الدول مراجعة سياساتها حيال تطورات هذا البلد ، إضافة الى ذلك ثمة تخبط واسع في داخل المملكة حيال التعامل مع حقيقة تورط الكثير من أبنائها في القتال , فسجال دعاة المؤسسة الدينية المسيطرة حول وجوب أو حرمة الذهاب إلى سوريا للمشاركة في الحرب يشير إلى أن الحكومة بدأت تستشعر الأخطار الأمنية المتأتية من عودة المقاتلين الجهاديين إلى المملكة وما يحمله ذلك من أخطار ، وحتى إن لم يعودوا فإن هؤلاء بمقدورهم عبر وسائل الإتصال ومواقع التواصل الإجتماعي الإلكتروني نقل أفكارهم العنيفة ضد النظام السعودي وكذلك تجنيد شبان جدد ونقل خبراتهم القتالية المكتسبة في سوريا .

لم يعد سراً أن آلاف الشباب السعوديين أصبحوا في قلب الحرب في سوريا ، والمئات منهم قـُتلوا بالفعل ، قيل الكثير عن تغاضي السلطات عن توجه الكثيرين منهم إلى سوريا ، على أمل التخلص من الشغب الذي يثيرونه للسلطات لكن هذه السياسة لم تعد مغرية ، لقد أعطت السلطات الضوء الأخضر للإعلاميين لمهاجمة الدعاة الذين ينظـّرون لمشاركة الشباب السعودي في هذه الحرب ، وبالخصوص في صفوف التنظيمات التي تقاتل إلى جانب فروع القاعدة ، ترتدي الحملة طابع التنفير من داعش تارة ، وطابع الحديث عن إستغلال الشباب السعوديين في حرب تقع في مواطن فتنة ! برغم إن حكومة الرياض لا تزال تصر على التعبئة من أجل تحقيق إنتصار يؤدي إلى قلب النظام السوري .

لقد تعرض المشروع السعودي لضربة قوية بفعل التفاهم الروسي - الأميركي الذي يفضي إلى إزالة السلاح الكيماوي في سوريا والإتفاق الإيراني - الغربي ، ثم تعرض لنكسة أخرى مع فشل هجوم الجماعات المسلحة على جبهتي حلب والغوطة الشرقية ، وعملت السعودية على أفشال جنيف 2 ، والآن يواجه مشكلة جدية بفعل تمكن تنظيم داعش من إستعادة زمام المبادرة في مجابهة الفصائل المنافسة المدعومة من السعودية في ريف حلب وريف أدلب لقد أصبح النقاش حول أحداث داعش والفصائل المنافسة كأنه أمر يخص حدثاً داخل البيت السعودي بين مؤيد لهذا الطرف ومناصر لذاك .

وما يجري من صداع سعودي بشأن سوريا يصح جزء منه في الأردن الذي بات يشعر بأن أمنه يتعرض لتحديات خطيرة في ضوء الخروق المتتالية للحدود وعمليات تهريب السلاح والمسلحين ، إضافة إلى إشتداد سطوة التيار التكفيري المنخرط بقوة في معارك سوريا .

لم تعد الحرب في سوريا ذات مردود مجز ٍ للأنظمة والحكومات التي رعتها ، إنها حرب معقدة ذات أبعاد دولية وإقليمية , بدأ الأمر بحراك مطلبي قبل أن يجري إختطافه وتحويله حرباً بالوكالة لإسقاط النظام السوري بالضربة القاضية ثم تحولت حرب إستنزاف ، والآن تتطور إلى حرب عابرة للحدود يأكل فيها كل طرف خارجي نصيبه من حصاد السم الذي زرعه على مدى السنوات الثلاث الماضية .

بقلم الكاتب جمال أيوب .

 

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط