كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

وصية الجياع: حين يصير الجرح وطنا

وصية الجياع: حين يصير الجرح وطنا

تاريخ النشر: 2026-05-05 | 12:23

قراءة-عجولة-في قصيدة الشاعر العراقي الراحل مظفر النواب*: :أنا أنتمي للجياع..ومَن سَيقاتِل.."

-"علمني وطني أن حروف التاريخ مزورة،حين تكون بدن دماء " ( مظفر النواب)

-"الشعراء كالأوطان..لا يموتون..”

في زمن تهاوت فيه الكلمات على أسوار القهر، وقفت قصيدة مظفر النواب كصخرة تعترض نهر الطغيان. حين يكتب شاعرٌ منفيٌّ بأحشاءٍ ممزقةٍ بين غربة المنفى وجروح الوطن،فإن قصيدته لا تكون مجرد حبر على ورق،بل وصية دماء.والنواب هنا لا يقدم انتماء سياسيا باردا،بل يخلق نسبا روحيا مع كل من حطمته المذابح،مع من رفعوا الخبز فوق الراية،مع الأنبياء الذين صُلبوا مرتين: مرة على الخشب،ومرة على خيانات التابعين. 

هذا النص هو صرخة في دهليز التاريخ،يفتح النواب فيه شرايين الذاكرة العربية،ليخلط دم المسيح المجذف بتربة كربلاء،وعرق علي بن أبي طالب بغبار الثوار.

إنها لحظة يقين مدهشة: أن الجوع ليس عارا،بل أمة،وأن القتال ليس عنفا،بل قداسة.

"أنا أنتمي للجِياعِ ومَنْ سَيُقاتِل ..

أنا أنتمي للمَسيحِ المُجَذِّفِ فوقَ الصَّليبِ

وقد جَرَّحَ الخَلُّ وجهَ الإِلهِ على رِئتيهِ 

وظلَّ به أملٌ .. ويُقاتِل

لِمُحَمَّدَ شَرطَ الدُّخولِ إلى مَكَّةٍ بالسِّلاحِ

لعَليٍّ بغيرِ شروط  

وللرَّبذيِّ يَدُقُّ على قُحفِ كُلِّ غنيٍّ

وما زالَ مِنهُم كثيرونَ حولَ مُعاويةٍ

يضربونَ الصُّنوجَ 

ويَرعوْنَ شأنَ القُرودِ.."

(مظفر النواب)

 

وهكذا،يتركنا مظفر النواب واقفين على حافة هذا السؤال الصعب: كم من الجياع سيبقون جياعا قبل أن يصنعوا تاريخا آخر غير هذا التاريخ؟ القصيدة لا تمنحنا عزاء سهلا،بل ترمينا في وجه الحقيقة: أن معاوية لا يموت،وأن القرود لا تزال ترعى شأنها في ساحاتنا،ولكن-وهذا هو السر-أن الأمل ذاك الذي ظل يضرب على قحف الغنى،لم يمت بعد.إنه يرتدي ثيابا جديدة،يتخفى في صهيل الخيل التي لم تبع بعد،وفي رئة المسيح التي لم تسلم بعد للخل.

النواب يكتب وصيته لنا: لا تصالحوا الجوع بالرضا،ولا تبيعوا السيف للصليب.اقرأوا القصيدة كأنها إنجيل الفقراء،وافهموا أن الانتماء الحقيقي ليس شعارات،بل أن تكون أنت الطين الذي يُصنع منه المجداف حين ينقلب القارب،أو أن تكون أنت وطنا لمن لا وطن له إلا ألمه.

ثم يخفت الصوت،لكن الصدى لا يموت.يظل النواب جالسا هناك،على مقعد المنفى الأبدي،يلفّ وجعه بصبر الأنبياء الذين خذلهم أتباعهم،ويبتسم ابتسامة من يعرف أن الكلمات،حين تكون من نار،لا تطفئها رياح التاريخ.

ونحن الذين نقرأه اليوم،لسنا قراء عابرين،بل نحن مفضوحون به: كل جائع فيه نبضه،وكل مقموع فيه انتقامه،وكل من صلب مرتين يجد في قصيدته خشبة ثالثة ليعلّق عليها خيانته هو لا خيانة غيره.!

مظفر النواب لم يكتب قصيدة،بل كتب مرآة سوداء،حين تنظر فيها ترى وجهك مشوها بأوجاع لم تسمها بعد.فاحذر أن تقرأه وأنت شبعان،لأن الجياع سيأتون ليلا يسألونك: أين كنت حين كان الدم هو اللغة الوحيدة التي يفهمها الطغيان؟! والقصيدة،في النهاية،ليست لكم أيها المتنعمون بقراءته،القصيدة هي وصية للذين لم يولدوا بعد، لتلك الأجيال التي ستثور يوما فتجد النواب واقفا عند أول حجر يُقذف،يهمس في أذن الثائر: "أنا أنتمي لك..فانتم للجوع حتى يشبع،وانتمِ للقتال حتى ينتهي،وانتمِ لمن لا أحد ينتمي لهم إلا الله والقصيدة..

ثم تمر السنون،ويظل النواب وحيدا على مقعد المنفى،لا لأنه نسي،بل لأنه ذُكر كثيرا فلم يُفهم. والقصيدة لم تكن يوما عزاء،بل كانت سكينا في جرح لم يندمل.فمن قرأها ونام،فقد نام على دم لم يغسل.ومن قرأها ونهض،فليعرف أن الطريق لا يبدأ بقصيدة،بل ينتهي بها.والشاعر العراقي الراحل مظفر النواب ليس شاعرا،هو جائع أتقن الصراخ.والباقي عليك: إما أن تكون امتدادا لصرخته،أو تكون ضجيجا يمر.!

على سبيل الخاتمة:

وهكذا، بعد أن دوّنت قراءتي العاشرة لوصية الجياع،تبقى كلمات النواب معلقة في الهواء كراية لم تنزل بعد.وليست هذه القصيدة مجرد نص يُقرأ، بل هي جرح يُعاش.فكل من مرّ بالجوع الحقيقي يعرف أن الخبز لا يُشبع وحده،بل يحتاج إلى كرامة تأكل معه.وكل من ذاق المنفى يدرك أن الوطن ليس خرائط،بل أن تكون أنت الحجر الذي يُلقى في وجه السؤال: لماذا نركع؟!

إن وصية النواب ليست لليائسين،بل للذين ما زالوا يخبئون في جيوبهم الفارغة قبضة تراب من أرض لم تُحرر بعد.ومن قرأ هذه الوصية وخرج إلى الشارع دون أن يغير شيئا،فقد قرأها عبثا.ومن قرأها فبكى وحده،فليعلم أن دموعه لن تروي عطش شهيد.فالقصيدة تنتظر من يجعلها فعلا،لا مجرد أثر.

في النهاية،يبقى مظفر النواب جالسا على مقعده البعيد،يلف سيجارته ببرود اللامبالاة،ويبتسم لتلك الحماقة البشرية التي تظن أن التاريخ يُكتب بالحبر لا بالدم.أما نحن،فوجوهنا مرآة قصيدته: إما أن نكون الجرح الذي يصرخ،أو الندبة التي تنسى. وكلاهما مؤلم،لكن الأول يصنع وطنا،والثاني يصنع مقبرة.

فاختر لنفسك أي المقعدين تشغل: مقعد النواب في العزلة الصاخبة،أم مقعد الجياع في صمتهم الأبدي؟!

 لكن تذكر: الجياع وحدهم من سيرثون الأرض، لأنهم يعرفون أن الجوع ليس غياب الطعام،بل حضور السؤال الذي لا يموت: لماذا؟!

وفي الختام،يظلّ مظفَّر النوّاب أكثر من شاعر،إنَّه ظاهرة وجوديّة ثائرة.لقد صاغ من ألمه الشخصيِّ ووجع أمَّته مادّة شعريّة فريدة،تنفذ كالسّيف، وتستقرّ في الوجدانِ كالحقيقة الأبديّة.كان الاستلاب وقودَه،والمقاومة لغته،والتَّحدِّي مصيره.

*كان مظفر النواب شاعر الثورة والمنفى.حمل في قلقه تمردا ماركسيا واغترابا وجوديا،فتحوَّل ألمه الشخصي إلى صوتٍ جماعي.

بين أقبية السافاك وسجن نقرة السلمان وهروبه الأسطوري،ثم تشرده بين العواصم،صاغ المنفى وجعا دائما: “المنفى يمشي في قلبي”.

فجَّر هذا الألم في شعره-فصيحه وعاميّه-فكان بيانا سياسيا حادًا.وحوَّل الحزن ربابة يغني عليها للثورة،فلم يكن الاستلاب عنده انكسارا،بل وقودا جعل منه شاعر المهمشين والمعذبين في الأرض.

×
أخبار
نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط