كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

وضوح وغموض الاتفاق الأميركي الإيراني

وضوح وغموض الاتفاق الأميركي الإيراني

تاريخ النشر: 2026-04-13 | 07:22

نبيل فهمي
نبيل فهمي

في لحظة بدت فيها منطقة الشرق الأوسط على حافة انفجار واسع، جاء اتفاق وقف إطلاق النار الأخير بين الولايات المتحدة وإيران، كـ"هدنة اضطرارية" مرحب بها، على أمل أن تستثمر كمدخل إلى مفاوضات مكثفة وجادة لتحويلها إلى اتفاق سلام مستدام، بعدما ابتعدنا ولو موقتاً، عن حافة هاوية خطرة وصدامات غير محكومة العواقب.

وما يعكس صعوبة الموقف أن كلا الطرفين، وعلى أعلى المستويات، أعلن أن ما تحقق يمثل انتصاراً لرؤيته، على رغم التباين الجوهري، بل والتناقض الواضح، بين مواقفهما المعلنة، والتعمق في تفاصيل الاتفاق يكشف عن أنه مثقل بتناقضات عدة بين ما كان كل طرف يطرحه علناً من مطالب، وما قبل به فعلياً في نهاية المطاف، فضلاً عن الاختلافات الواضحة في تفسير بنوده وتوصيف طبيعته، وهو ما يجعله في حاجة ماسة إلى تثبيت وتدعيم سياسي وقانوني لمنع انهياره وضمان استدامته.

على مدى الأشهر الماضية، طرحت واشنطن مجموعة مطالب قاطعة وصارمة: تغيير النظام الإيراني أو ما يثبت تغير سلوكه، ووقف كامل لتخصيب اليورانيوم، وتفكيك البرنامج الصاروخي، وتقليص النفوذ الإقليمي لإيران، وتقديم ضمانات أمنية واضحة لإسرائيل.

 اعتبرت إيران هذه الطلبات خطوطاً حمراء غير قابلة للتفاوض، بوصفها تمس السيادة الوطنية والحقوق الاستراتيجية، ولا يبدو أن "الهدنة" الحالية تتضمن أياً من هذه العناصر بصورة صريحة، وإضافة إلى ذلك يقتصر الاتفاق على وقف موقت للعمليات لمدة أسبوعين دون أي التزامات طويلة الأمد أو آليات تحقق واضحة، حتى في ملف الملاحة، الذي يبدو ظاهرياً إنجازاً أميركياً، فإعادة فتح مضيق هرمز جاءت بشروط إيرانية، من بينها إشرافها العسكري، وسعيها إلى فرض رسوم عبور، وهو ما يتعارض مع مبدأ "حرية الملاحة" الذي دافعت عنه واشنطن لأعوام.

في المقابل، طرحت إيران هي الأخرى شروطاً قصوى تمثلت في رفع كامل للعقوبات، وانسحاب القوات والقواعد الأميركية من المنطقة، والإفراج عن الأصول المجمدة، والحصول على ضمانات بعدم التعرض لهجمات مستقبلية، بل والمطالبة بتعويضات عن الخسائر، غير أن الاتفاق لم يحقق أياً من هذه المطالب بصورة فعلية أو موثقة. فلا يوجد نص واضح على رفع العقوبات، ولا التزام أميركي بالانسحاب العسكري، ولا حتى جدول زمني لمناقشة هذه القضايا، كل ما تحقق هو "وقف موقت للعمليات"، وهو أقل بكثير مما كانت تطمح إليه طهران.

والأهم من ذلك أن إيران، التي كانت ترفض مبدأ التفاوض تحت الضغط العسكري، قبلت عملياً بهذه الهدنة، مما يمثل تراجعاً تكتيكياً عن موقفها المعلن.

 منذ بدء المفاوضات لم تنشر نصوص رسمية مكتملة، وتضمنت بعض التقارير أن الطرح الإيراني، الذي قدم كأساس للتفاوض وفق الرواية الرسمية الإيرانية، يتضمن اعترافاً بحق إيران في تخصيب اليورانيوم، وهو ما يتعارض مباشرة مع الخط الأحمر الذي أعلنته واشنطن، ويتردد أن هذا البند قد جرى تخفيف صياغته أو حذفه في النسخة الإنجليزية المتداولة من إيران، بينما ظل أكثر وضوحاً في النسخة الفارسية، بما يعكس محاولة لإدارة التناقض بين الداخل والخارج، وأخيراً نشر أن أساس المفاوضات القادمة مشروع باكستاني تضمن تعديلات على النقاط الإيرانية وتمت الموافقة عليه في اللحظات الأخيرة قبل انتهاء المهلة التي حددها ترمب.

اقرأ المزيد

تبعات حرب إيران تهيمن على اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين

أسهم الخليج تهبط مع تعثر المحادثات الأميركية - الإيرانية

ورقة ترمب الجديدة: التلويح بحصار بحري على إيران

أرقام ضربات حرب إيران... الأكثر والأقل تضررا

اليورانيوم الإيراني... هل يمكن خفض التخصيب؟

وربما أخطر ما في هذا الاتفاق ليس نصوصه بقدر ما هو اختلاف تفسيره بين واشنطن وطهران، فالولايات المتحدة تعلن أنه "انتصار كامل"، معتبرة أن أهدافها العسكرية تحققت وأن إيران رضخت للضغوط، وأن إعادة فتح مضيق هرمز دليل على النجاح، في المقابل تعرضه إيران باعتباره انعكاساً لصمودها، وتصفه بأنه "وقف مشروط للعمليات" مرتبط بسلوك الطرف الآخر، وليس تنازلاً عن حقوقها، مؤكدة استمرار حقها في التخصيب ونفوذها الإقليمي.

ويمتد التباين إلى تفسير نطاق الاتفاق ذاته، وغياب تعريف موحد حتى لمفهوم "وقف إطلاق النار" نفسه، وتتجلى هذه التناقضات في عدد من الملفات الأساسية ومنها:

- مضيق هرمز: تراه واشنطن مفتوحاً، بينما تعتبره إيران مفتوحاً بشروطها وسيادتها.

- البرنامج النووي: تتحدث واشنطن عن معالجته لاحقاً، بينما تصر إيران على أنه حق سيادي غير قابل للتفاوض.

- العمليات الإقليمية: تفصل إسرائيل، وإلى حد ما الولايات المتحدة، بين الاتفاق وساحات مثل لبنان، وشنت إسرائيل عمليات إجرامية بعد الإعلان بساعات، فيما ترى إيران أن أي تهدئة يجب أن تشمل حلفاءها، وهو ما أكد عليه الوسيط الباكستاني.

- طبيعة الاتفاق: تصفه واشنطن كبداية لمسار سلام، بينما تعتبره إيران مجرد هدنة موقتة قابلة للانهيار، في الوقت نفسه استمرت العمليات الإيرانية الغادرة ضد بعض دول الجوار العربي.

- التعويضات: تطالب إيران بتعويضات أميركية وإسرائيلية، في حين تطالب دول عربية تعرضت لاعتداءات بتعويضات من إيران.

هذه التناقضات ليست مجرد تفاصيل تقنية، بل تعكس غياب "تفاهم مشترك" حول جوهر الاتفاق، فكل طرف يتعامل معه كأداة تكتيكية لتحقيق أهدافه الخاصة، وليس كإطار ملزم ومتفق عليه، وهو ما يفسر هشاشته البنيوية: فعندما يكون هناك اتفاق واحد بتفسيرين مختلفين، ترتفع احتمالات انهياره.

ومن هنا، يتضح أن هذا الاتفاق لا يمثل تسوية حقيقية بقدر ما يعكس "تداخل روايات"، فهو لا يحقق الشروط القصوى لأي من الطرفين، ولا حتى الحد الأدنى منها بصورة واضحة، ويترك القضايا الأساسية معلقة من دون حسم.

 ومع ذلك، تم التوصل إليه لأن الطرفين، الأميركي والإيراني، بلغا درجة من الإرهاق العسكري والاقتصادي والسياسي جعلت الحاجة إلى هدنة أمراً ملحاً لا يمكن تأجيله.

ويمكن القول إن أخطر ما في الاتفاق ليس ما يتضمنه، بل ما يتجاهله: غياب تعريف مشترك لمفاهيم أساسية مثل "وقف إطلاق النار"، و"الحقوق النووية"، و"حرية الملاحة"، لذلك فإن استدامته ستعتمد على القدرة أو الفشل في توحيد تفسيره وبناء أرضية مشتركة ملزمة.

دفع المجتمع الدولي بأكمله والأطراف المتحاربة ثمناً باهظاً للمواجهة، لذا وعلى رغم عدم نجاح الجولة التي استضافتها باكستان وعلى رغم التناقضات والتعقيدات والتباينات فإن هذه الهدنة تظل خطوة أولى ضرورية، نحو مفاوضات تفصيلية وجادة، تستند إلى جهود باكستان وسلطنة عمان ومصر وتركيا والصين، وأفكار طرحت في أوساط دبلوماسية عدة، من بينها ما عرضه وزير الخارجية الإيراني السابق محمد جواد ظريف، بل وما طرحتُه شخصياً على هذا الموقع مع بداية الاشتباكات، وكلها دلائل واضحة على الأهمية البالغة للدبلوماسية، وضرورة حل النزاعات عبر الوسائل السلمية، على أن تكون الاتفاقات حاسمة تنهي النزاعات وترسخ علاقات حسن الجوار.
عن اندبندنت عربية

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط