كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

وعاء الرسول ووعاء الآلهة:نظرات في فكر الاسلامويين ح7 (النظرية)

عرض في هذه الحلقة في فكر الاسلامويين لنظرية أو فكرة"وعاء الآلهة" ونبدأ حيث"يقول الإمام محمد الغزالي "أنا لا أخشى على الإنسان الذى يفكّر وإن ضلّ، لأنّه سيعود إلى الحق، ولكني أخشي على الإنسان الذي لا يفكّر وإن اهتدى، لأنّه سيكون كالقشة في مهب الريح"

مرت تجربة الفكر الإسلامي بمراحل متعددة، وإن كانت البداية في شأن التعددية قد ارتبطت بالخلاف على السلطة والحكم والسياسة، فإنها سرعان ما مزجت بينها-كتجربة صراع سياسي فكري- وبين العقيدة فيما ينتج عنها الفتنة الكبرى في التاريخ الاسلامي.

ورغم أن التوزّع والاضطراب والاحتراب أصبح سمة المختلفين إلا أنه وبالاتجاه الآخر نشأت مجموعة من الأفكار والصراعات والحوارات التي جعلت من العقل الاسلامي عقلا متحركا مستنيرا لا يقبل بالقليل ولا يرضى بالمسلمات دون نقدها.

كانت فكرة العقيدة وفكرة القِيم وفكرة السياسة تشير في محاولة جادة لمفكري المسلمين لتحقيق الربط بينها الا أن الربط لم يتحقق، إذ سرعان ما أصبح لكل منها أي العقيدة والسياسة والقيم مسارا ليس بالضرورة مرتبطا بالآخر، فحيث أصبحت العقيدة تعني القداسة والمطلق ويتم التعبير عنها بالعبادات والمعاملات وقواعد الإيمان، فان أخلاق التعامل لم تخضع بالضرورة لطبيعة الإيمان.

أما عن الشأن الدنيوي السلطوي السياسي فأبحر في محيط الإستثمار أوالاستغلال للعقيدة أو للقيم بما يوطّد السلطان والحكم إلا من رحم ربي.

توزعت تيارات الأمة الإسلامية على قاعدة الخلافات الثلاثة (العقدية،القيمية/الأخلاقية،السياسية) وما كان بينها من تقاطع أو تنافر أواستغلال، فنشأت الطوائف التي حملت عقيدتها على سيف السلطان (السياسة) وجيّرت (العقيدة) لمصلحة السلطان ، وحاولت أن تتحلى بقيم وأخلاق جاذبة تؤهلها لموقع الإمارة أوالسيادة.

الانشقاق الأول في التاريخ العربي الاسلامي لم يكن سهلا، إذ كانت أصعب فتراته في رحاب الخلافة الراشدة ما أنتج على مدار زمني طويل كل من السنّة والشيعة بفرقها أو مذاهبها المختلفة ، كما أنتج مذاهب أخرى لم يكتب لها الاستمرار مثل الخوارج والمرجئة والقدرية.....

إلا أن الحوار الفكري ظلّ متصلا ولم يتوقف بين الأئمة والمجتهدين والفلاسفة والمفكرين، واستطاعوا أن يحققوا تلاقحا في التجارب والأفكار ما أنتج أفكارا مستنيرة واجتهادات، كان للعقل فيها دور رئيسي حتى أطلت عصور الظلام ببشاعتها على الأمة فحط العقل رِحالهُ ليسود خطاب (الستارة السوداء) ممثلا بتقديس ما لا يمكن الوصول إليه (الفكرة السامية) أو (الدولة/الجماعة/المجتمع النموذجي)،وصيغت بناء على ذالك مجموعة من الافتراضات حُمّلت على عبء الموروث وألصقت بسيرة سيد الخلق أوصحابته أو آله رضوان الله عليهم أجمعين.

ساد التمجيد والتنزيه والتقديس للتاريخ سواء للأفراد أو للمحتوى التاريخي، كما ساد لمجموعة من الوقائع والاستنتاجات التي أصبحت مسلّمات! وصلت في مراحل متعددة لدرجة أنها أعتبرت جزء من الإيمان لا ينفصل عنه مطلقا، مثل أفكار آخر الزمان ، وافتقاد العدالة التي تحتاج لنبي أو "من يحمل عصاه" ليعيدها، في استلاب للآيات القرآنية التي ألقت العبء على الإنسان ليصنع يومه ومستقبله وحضارته بفكر ودعوة الرسالة المحمدية المهدية.

الصراع في الأمة، وما زال حتى اليوم، ينبثق من مدرسة العقل الناقد المجدد والمستنير والمتطور، ومدرسة النقل الماضوية التقديسية النصوصية، وثالثهما مدرسة الإفراط والمغالاة التي أنتجت اليوم العقل الماضوي المتطرف الذي مزج بين الماضوية والتطرف والعنف وكأن هذا يؤدي الى ذالك .

كان يمكن للعقل الماضوي أن يعيش أمجاده في مجتمع منعزل، أوعلى الأقل في بوتقة (إناء) ما يُفكّر به (خيال أو واقع افتراضي) أو في وعاء المنقول النصي دون تمحيص وتطوير عقلي، وحاول هذا العقل أن يجعل من المصالحة الشكلية بين فِكرِهِ المبوتق (المقولب الموضوع في إناء محدد) والفكر السائد حالة من التعايش، ولكن بجدران صنعها، لا تسمح للفكرالسائد في المجتمعات أن يخترقها.

رغم رفض التيارات الماضوية النقليّة للسائد في المجتمع ،إلا أن منطق مصالحتها وتعايشها مع المجتمع بما فيه، لم يكن يعني منها الإقرار للسائد في المجتمع بصحة عقيدته أو ممارساته، وإن شدد على عدم القضاء على الفكر الآخر المختلف (بتكفيره أو قتله) رغم رفضه له.

حديثا ومع ظهور فرصة قوية لخلق "مجتمع موازي" أو مجتمعات أصبحت الأمكانية أفضل لينتقل المجتمع المحلوم به من الواقع الافتراضي لدى التيارات الماضوية إلى الواقع المعاش عبر3 أشكال، الشكل الأول من خلال (العزلة المكانية الجغرافية أوالهجرة) أو من خلال المجتمع الموازي ممثلا (بالجماعة) أو (التنظيم)، أو من خلال (الواقع الالكتروني/الحياة الافتراضية)،.

سعت التنظيمات الإسلاموية منذ القرن العشرين وعلى أثر صدمة سقوط "الخلافة" أو السلطة العثمانية لإعادة مجد الأمة -كما تنظّر لها-، إلا أنها توقفت عن الإشعاع العقلي والعلمي والفكري الثري لتخترع أو تتعامل بدلا من ذلك مع مجموعة من "الأعداء" المفترضين كعامل استقطاب، دون أن تحصّن ذاتها في المسارات الحقيقية للنهضة، وهي العلم والاقتصاد والوحدة.

قادت التنظيمات المتطرفة والفكرالمُغالي عملية ابتدأت برفض المجتمع القائم باعتباره ليس مسلما بشكل كامل (جاهلي)، إلى أن أصبحت التهمة بالرِّدة أو التكفير لازمة عند هذه الجماعات ، وما كان من التبلور لديها لفكرة (الخلافة) أو (المهدوية) الخدّاعة ، أو فكرة "الجهاد" بمعنى القتال الهجومي فقط، أو فكرة الأمة المقدسة إلا برهانا على خروجها في حقيقة الأمر عن سماحة الإسلام ورحابته وحقيقة دعوته للعالمين.

جاء الإسلام الحنيف للعالمين، ولم يأت للمسلمين لوحدهم، فكان أن أصبح سيف السلطان (الخلافة/الإمامة) لدى هذه التيارات بتّارا أكثر من (القيم والاخلاق) والإنسانية السامية التي تمدّد وانتشر لسببها الإسلام العظيم، حيث تنتشر الدعوة بالقلوب والعقول، وتتمدد الامبراطوريات بالحرب والقدرة العسكرية والاقتصادية، والفرق بين قوة الرسالة والإمبراطورية، هو فرق بين البندقية وزراعة الأشجار المثمرة.

 

هوامش

دراسة للكاتب استنادا لفكرة من حلقة خاصة لحوار مع الكاتب في فضائية عودة حول التيارات المتطرفة وتأثيرها على الأمة والقضية ، والرابط التالي للشريط على (يوتيوب)-المعهد الوطني لتدريب الكوادر

https://www.youtube.com/watch?v=3MB6QmEJIcw

الشيخ محمد الغزالي (1917-1996م) عالم ومفكر إسلامي مصري، يعد أحد دعاة الفكر الإسلامي في العصر الحديث، عُرف عنه تجديده في الفكر الإسلامي وكونه من "المناهضين للتشدد والغلو في الدين" كما يقول أبو العلا ماضي-عن الموسوعة الحرة.

حين ذم بعض المتصوفة العقل، أجابهم الإمام أبوحامد الغزالي بأن العقل” نور البصيرة التي بها يعرف الله ويعرف صدق رسله، فكيف يتصور ذمه وقد أثنى الله تعالى عليه. وإن ذم فما الذي بعده يُحمد؟

×
أخبار
مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط