كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

وعد بلفور : ملابسات صدوره وإستراتيجية مواجهته

وعد بلفور : ملابسات صدوره وإستراتيجية مواجهته

تاريخ النشر: 2016-11-01 | 19:26

بعد مرور 99 سنة على ذكرى وعد بلفور يحتاج الأمر لتجديد قراءته حيث تعودنا في كل ذكرى لهذا الوعد أن نصب جام غضبنا على بريطانيا واللورد بلفور ، واعتبرنا واسترحنا إلى تفسير بأن دولة إسرائيل قامت بسبب هذا الوعد ، متجاهلين أسباب الوعد ، والظروف والملابسات التاريخية في النصف الأول من القرن العشرين والتي تزامنت مع صدور الوعد  ، والأهم من ذلك دور العامل أو الشرط اليهودي الذاتي في قيام دولة إسرائيل والتقصير الرسمي العربي والإسلامي في مواجهته .

دولة إسرائيل قامت نتيجة التقاء مصالح حركة صهيونية توراتية صاعدة تؤمن بفكرة الوطني اليهودي في فلسطين مع مصالح استعمارية طامعة في المنطقة العربية ، وقامت دولة إسرائيل وتوسعت نتيجة تخطيط وجهد يهودي صهيوني لا يكل مقابل تخاذل رسمي عربي إن لم يكن تواطؤ .

لا شك أن بريطانيا الانتدابية عملت كل ما من شأنه لتطبيق وعد بلفور ولكن عدم جدية الأنظمة والحركات العربية والإسلامية المتواجدة آنذاك بل وتخاذل بعضها سهل المأمورية على بريطانيا وعلى الحركة الصهيونية للهيمنة على فلسطين ،كما أن استمرار التخاذل العربي بعد صدور الوعد وأثناء حرب 48 وما بعدها جعل دولة إسرائيل ما هي عليه اليوم  .

وعد آرثر بلفور لم يكن الوعد الوحيد الذي منح بمقتضاه من لا يملك لمن لا يستحق ، فقد سبق وعد بلفور وتلاه وعود كثيرة . فإن تجاوزنا خرافة وعد (الرب) لليهود بأن يمنحهم فلسطين ، هناك وعد نابليون بونابرت اليهود بأن يقيم لهم دولتهم الموعودة في فلسطين إن ساعدوه في حملته العسكرية وكان آنذاك يستعد لتوجيه حملة عسكرية للشرق 1798 ، وفي عام 1907 و في مسعى محموم من بريطانيا الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس لتثبيت نفوذها العالمي صدر تقرير كامبل بنرمان وهو رئيس وزراء بريطانيا آنذاك ،حيث أوصى بتقسيم العالم العربي إلى مشرق ومغرب وإسكان اليهود في الجسر الرابط بينهما ، هذا التقرير جاء بعد عشرة أعوام من المؤتمر الصهيوني الأول في بال بسويسرا وقبل عشرة أعوام من وعد بلفور .

عوامل واتفاقات متعددة تزامنت مع صدور وعد بلفور في نوفمبر 1917 وصيرورته دولة بالفعل بعد ثلاثين عاما ، وكلها ذا علاقة بتفاهمات واتفاقات الحرب العالمية الأولى ، وفي هذا السياق وبداية ما كانت تقوم دولة إسرائيل آنذاك لو انهزمت بريطانيا وفرنسا في مواجهة الامبراطورتين العثمانية والألمانية ، أيضا ما كانت تكون دولة إسرائيل لو كانت نتائج الحرب العالمية الثانية معاكسة .

نعتقد أن وعد بلفور الذي أسس لدولة إسرائيل لم يكن فقط الوعد الذي أصدره أرثر بلفور في الثاني من نوفمبر 1917  بل حزمة من الاتفاقات والتفاهمات المرتبطة بهذا الوعد .

1-      وعد بلفور وسايكس – بيكو

لا يمكن أن نفصل وعد بلفور عام 1917 عن اتفاقية سايكس - بيكو 1916 وهي الاتفاقية التي قسمت المناطق العربية التي كانت خاضعة للإمبراطورة العثمانية بين فرنسا وبريطانيا وأوجدت للعرب كيانات سياسية هزيلة خاضعة للاستعمار شغلتهم عن مواجهة الخطر الصهيوني ، وقد صور ساطع الحصري ما آلت إليه الأوضاع العربية بعد سايكس - بيكو  بقوله " فهذا فلسطيني يعتبر الصهيونية أول ما يجب أن يهتم به من مشاكل , وذلك سوري يرى في أطماع فرنسا أكبر الأطماع والأخطار التي تهدد قضيته , وذاك عراقي يقول بوجوب الثورة ضد الإنكليز أولاً ".

2-   وعد بلفور ومحادثات حسين – مكماهون

لم يكن التخاذل والتواطؤ من الاوروبيين فقط بل كان للعرب. فخلال عام 1915 وما بعده جرت محادثات أو تفاهمات بين الشريف حسين والي مكة آنذاك وقائد الثورة العربية على الأتراك من جانب و البريطاني مكماهون في نفس العام . ففي الفترة الأولى من قيام الثورة أوضح الشريف حسين مطالب الحركة القومية العربية في رسالة بعثها إلى السيد هنري مكماهون. ونظراً لسياسة بريطانيا المتسمة بالمماطلة والغموض و المعادية لطموحات العرب , فقد رد مكماهون على مطالب الشريف حسين لبريطانيا بالتعهد باستقلال العرب بالموافقة على شرط استثناء فلسطين , وكان تفسير بريطانيا لذلك , أنه لا يمكن أن يقال أن هذه المنطقة عربية تماماً.

الحركة الصهيونية وبريطانيا فسرتا الاستثناء المشار إليه في مراسلات حسين - مكماهون بأنه موافقة ضمنية من العرب على استثناء فلسطين من المناطق المطالب باستقلالها . أثيرت المسألة من جديد مع تدهور الأوضاع في فلسطين , إثر الصدمات التي وقعت في عام 1929 – انتفاضة البراق – بين شعب فلسطين والحركة الصهيونية , ففي التاسع من كانون الأول / ديسمبر 1929 , وأثناء بحث المسألة الفلسطينية في لندن , أعلن المستر شليز وكيل وزارة المستعمرات أن فلسطين لم تكن مشمولة بالوعد الذي قطعته بريطانيا للشريف حسين.

3-    وعد بلفور واتفاقية فيصل – وايزمان

ما عزز من الرأي الذي يتهم الشريف حسين بالتقصير تجاه شعب فلسطين موقف ابنه فيصل ، ففي أثناء وجود فيصل في باريس 1919 اجتمع في كانون الثاني / يناير من نفس العام مع الصهيوني وايزمان , بوساطة بريطانيا , وحسبما هو ثابت في محاضر اللقاء تعهد فيصل بتوثيق التعاون مع الحركة الصهيونية وفتح باب الهجرة أمام اليهود , واعترافه بوعد بلفور. وفي تصريح لتشرشل في 11/7/1922 -كان آنذاك وزيراً للمستعمرات – أكد أن فلسطين كانت مستثناة من تعهدات الحكومة البريطانية للعرب بالاستقلال وادعى بأن فيصل بن الشريف حسين كان قد اتفق  أثناء مباحثاته مع البريطانيين  عام 1921 على ذلك. وقد حاول فيصل تبرير موقفه هذا بالحالة النفسية التي كان يعيشها وحيداً محاصراً في أوروبا , وبالضغوط التي مارستها عليه بريطانيا , وخداع لورنس له !.

4-    وعد بلفور والانتداب البريطاني

إعلان بريطانيا وفرنسا كدولتين منتدبتين على الأقاليم التي تحتلانها حيث أعلن مجلس السلام الأعلى في نيسان / ابريل عام 1920 هذا القرار دون الرجوع إلى رغبات وأماني الشعوب. وعلى أثر ذلك قامت بريطانيا بممارسة صلاحيتها على فلسطين , وقد ذكر هربرت صموئيل المندوب السامي الذي نصبته بريطانيا في فلسطين أوائل تموز / يوليو 1920 إن مهمته هي " اتخاذ التدابير لضمان إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين بالتدريج ".

5-   العامل الذاتي اليهود في نجاح وعد بلفور

صحيح أن وعد بلفور شجع اليهود على الهجرة إلى فلسطين وخصوصا أن بريطانيا التي وعدت اليهود احتلت فلسطين ، وكلفت عصبة الأمم المتحدة بريطانيا بالانتداب على فلسطين ، وصحيح أن وضع العرب خلال الربع الأول من القرن العشرين لم يكن من القوة بحيث يقف في وجه الهجرة اليهودية والمخططات الاستعمارية بل كان متواطئا أحيانا ، ولكن صحيح ايضا أن اليهود لم يركنوا فقط إلى وعد بلفور بل بذلوا جهودا ذاتية كبيرة ليحققوا حلمهم بقيام دولة إسرائيل ، فالاستيطان بدأ في فلسطين قبل وعد بلفور ، ومنذ العشرينيات نظم اليهود انفسهم وأقاموا مؤسسات مثل المنظمة العمالية اليهودية ( الهستدروت) واقاموا جامعة خاصة بهم عام 1925 ، ونظموا انفسهم في عصابات مسلحة  كمنظمة (شتيرن) و(الهاجاناة) و (الملباخ) ، وقاموا بعمليات إرهابية ضد العرب وحتى ضد الجيش البريطاني ، وبعض قادتهم صدر بحقهم احكام بالإعدام من البريطانيين ، وخلال حرب 1948 دفع اليهود للحرب عددا من المقاتلين أكثر من مجموع السبع جيوش العربية التي ذهبت للقتال في فلسطين ومارسوا عمليات قتل وترويع وإرهاب بحق سكان البلاد الأصليين ، وبعد الحرب وقيام دولة إسرائيل لم يُرهن الإسرائيليون أنفسهم بدولة أجنبية بعينها بل أسسوا جيشا قويا وامتلكوا السلاح النووي وخاضوا عدة حروب عدوانية على الفلسطينيين والدول العربية الخ .

 

إن ما نود الخلاصة إليه أن بريطانيا اخطأت بل وارتكبت جريمة إنسانية دولية بحق الشعب الفلسطيني من خلال وعد بلفور والعمل على تحقيقه على الأرض ، ولكن هناك عوامل أخرى جعلت الوعد قابل للتحقيق . دولة إسرائيل قامت نتيجة وعد بلفور ونتيجة توازنات وقرارات وتفاهمات دولية ولكن أيضا نتيجة جهود صهيونية بدأت قبل أن يصدر الوعد واستمرت بعده ، وبالتالي فإن دولة فلسطين لن تقوم فقط من خلال العمل الدبلوماسي ووعود و قرارات دولية أو بمطالبة بريطانيا بالتراجع عن قرارها أو الاعتذار للشعب الفلسطيني بل تحتاج لجهود ذاتية ونضال متواصل على الأرض يفرض الدولة الفلسطينية .

لم يتوانى الفلسطينيون يوما في مواجهة وعد بلفور فمباشرة بعد االوعد اخذوا ينظموا صفوفهم سياسيا من خلال حركة وطنية واجهت الامنتداب والمستوطنين معا ، فكانت هبة البراق 1929 ثم ثورة القسام 1935 وثورة 1936 والمقاومة التي قادها عبد القادر الحسيني ورفاقه ، وما بعد صدمة هزيمة الجيوش العربية والتي سموها نكبة نظم الفلسطينيون أنفسهم واستنهضوا الحالة الوطنية مجدد من خلال مجموعات صغيرة كشباب الثأر وأبطال العودة وغيرها ألى أن انطلقت الثورة الفلسطينية المعاصرة بقيادة حركة فتح ومنظمة التحرير  لتؤكد عمليا رفض وعد بلفور وحق الفلسطينيين بتحرير بلدهم والعودة إليه .

 كما تحرك الفلسطينيون دبلوماسيا وعلى النطاق الدولي لتفنيد مضمون وعد بلفور وقد نجحوا نسبيا في ذلك من خلال الاعتراف المتزايد لدول العالم بحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم على أرض فلسطين .  وفي هذا السياق استحسنا مطالبة الرئيس أبو مازن يوم الثاني والعشرين من سبتمبر الماضي 2016 من بريطانيا الاعتذار للشعب الفلسطيني عن إصدارها وعد بلفور ، وأن تعترف بالدولة الفلسطينية ، ولاشك أن قيام دولة فلسطينية على أرض فلسطين يشكك بالمنطق والأسس التي قام عليها وعد بلفور ، فقيام دولة فلسطينية على أرض فلسطين يعني إبطال مقولة إن فلسطين وطن قومي لليهود .

العمل الدبلوماسي مهم ويجب استمرار الجهود من أجل تفنيد الرواية والخطاب الصهيوني حول فلسطين ، لكن دعونا نتساءل : ماذا لو اعترفت عشرات الدول بدولة فلسطينية وصدرت عشرات القرارات تدعوا لقيام دولة للفلسطينيين ؟ فهل ستنسحب إسرائيل وتُقام الدولة الفلسطينية تلقائيا ؟ أم سيحتاج الأمر للفعل الذاتي للشعب الفلسطيني متجسدا بكل اشكال المقاومة والمجابهة ؟ .

[email protected]

×
أخبار
تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين!

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط