كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

وليد دقة.. أيقونة الصمود والتحدي

وليد دقة.. أيقونة الصمود والتحدي

تاريخ النشر: 2017-03-20 | 08:59

لم يكن السّجن يوما في المفهوم الإسرائيلي أداة لتطبيق العدالة المجرّدة، أو وسيلة للعقاب، أو مكانا لإعادة تأهيل المواطنين وإصلاحهم، واحترام إنسانيّتهم وتوفير احتياجاتهم الخاصّة- كما تطالب المنظّمات الحقوقيّة- وإنّما جعل الاحتلال منه مكانا لقمع الأسرى وردعهم والتّأثير على أفكارهم ومعتقداتهم، ومؤسّسة لإعادة صهر الوعي لجيل من المناضلين. وجعل منه أيضا أداة لقتل الأسرى معنويّا وتصفيتهم جسديّا، وإلحاق الأذى المتعمّد بأوضاعهم الصّحّية وتحويلهم إلى جثث مؤجّلة الدّفن، ممّا جعل من السجن الإسرائيلي –كما يصفه الأسير وليد دقة- نموذجاً تتجلى فيه الحالة الأسوأ في الاحتلال، على مدار التاريخ، لأن أهدافه العقابية والتعذيبية لا حدود مكتوبة لها، فهي تطال الجسد والروح، كما تطال الفرد والمجتمع. وما ذاك إلا لأنها ترى في الفلسطينيين أعداء لها، ويجب التخلص منهم أو على الأقل ردعهم، بمن فيهم أولئك الفلسطينيون ممن تسميهم (مواطنيها) الذين يقطنون داخل "الخط الأخضر"، وهي الأراضي الفلسطينية التي قامت عليها دولة الاحتلال على إثر النكبة في العام 1948.

هكذا نشأ مصطلح "أسرى الداخل" وهكذا حُفرت أسماء فلسطينية من أرض فلسطينية ــ غيّروا اسمها إلى إسرائيل ــ عميقا في سجل النضال الوطني الفلسطيني وفي سجل الحركة الوطنية الأسيرة. وهكذا صرنا نرى معنا في السجون شبانا غير لاجئين، وولدوا بعد النكبة، ومع ذلك فهم ينتسبون إلى حيفا ويافا واللد والناصرة وعكا والطيرة والمثلث وعارة وعرعرة وباقة الغربية، وأم الفحم... وغيرها من الأسماء المنقوشة عميقا، ومنذ وقت مبكر، في الذاكرة الجمعية الفلسطينية.

وهكذا حفظنا أسماء الشهداء منهم عن ظهر قلب، وردّدت الألسن بفخر وعزّة أسماء آخرين، شكَّلوا نماذج مشرقة، للحركة الأسيرة عبر كافّة المراحل والأزمنة. وهكذا نُقشت أسماء العشرات منهم ضمن قوائم عمداء الأسرى وجنرالات الصّبر، ممّن أمضوا ربع قرن، بل وأكثر من ثلاثين عاما في السّجون الإسرائيلية. ولئن عانى الأسرى الفلسطينيّون من الضفة وغزة والقدس، في السجون الإسرائيلية، من سوء المعاملة وقسوة ظروف الاحتجاز؛ فلقد عانى "وليد" وأمثاله من الأسرى الفلسطينيين - الذين يحملون "الجنسية الإسرائيلية" - من تمييز سوء معاملة مضاعف؛ وبذا فقد دفع "وليد" ورفاقه من "أسرى الداخل" ثمنا باهظا لهويتهم، جراء هذا الازدواج القسري للجنسية.

ولد الأسير "وليد نمر أسعد دقّة" في الأول من كانون ثاني/يناير عام 1961، لأسرة فلسطينية تتكوّن من ستّة أشقّاء وثلاث شقيقات، داخل الأراضي المحتلّة عام 1948، وتسكن في مدينة "باقة الغربية" في منطقة المثلث شمال فلسطين، وهو واحد من أولئك الفلسطينيين الذين نُطلق عليهم "أسرى الداخل".

تعلّم "وليد" في مدارس المدينة، وأنهى دراسته الثانوية في باقة الغربية، ولمّا لم يحالفه التوفيق في إكمال تعليمه والالتحاق بالجامعة، انتقل الى العمل في إحدى محطات تسويق المحروقات، وفي الخامس والعشرين من آذار/مارس 1986 اعتقلته سلطات الاحتلال إثر انتمائه للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وانتسابه لخلية اختطفت جنديا صهيونيّا وقتلته، بهدف مبادلته بأسرى فلسطينيين، بالإضافة إلى حيازة أسلحة ومتفجّرات بطريقة غير قانونيّة واتهامه بالقيام بأعمال فدائية داخل الخط الأخضر، ومن ثم أدانته إحدى المحاكم الإسرائيلية بالتهم المذكورة وأصدرت بحقه حكما بالسجن المؤبد، ليبدأ مرحلة جديدة من الحياة، ورحلة طويلة داخل السّجن امتدت لأكثر من واحد وثلاثين عاما، ومازالت مستمرة.

اعتقل "وليد" عام 1986 وهو في الخامسة والعشرين من عمره، واليوم قد بلغ من العمر (56)عاما، ليكون بذلك قد قضى من السنوات في السجن ما يزيد عن واحد وثلاثين عاما، وهي تفوق ما أمضاه في الحياة بست سنوات.!

واحد وثلاثون عاما، أمضاها "وليد" في السجن وما يزال، تعرض خلالها لأبشع صنوف التعذيب، الجسدي والنفسي، ولأشكال كثيرة من القهر والحرمان، وتنقل خلال تلك السنوات الطويلة للعيش بين جدران سجون متعددة، لتزداد معاناته وتتدهور حالته الصحية سوءا. فالسجن وكما يصفه "وليد" في إحدى كتاباته "مكان سيّئ، وهو أحقر اختراع صنعته الإنسانيّة لمعاقبة الإنسان. والسّجن، كمؤسّسة شموليّة، لا يستهدف السّجين بصورة عامة، وإنما الإنسان الفرد، كتفاصيل حياة ومعالم ومميّزات شخصيّة"وبالرغم ممّا مُورس بحقه، والاجراءات القاسية التي أُتّخذت ضده، والتمييز العنصري الذي تعرض له، إلا أنه واجه كل ذلك بإرادة فولاذية ومواقف بطولية، وحافظ على جوهره كإنسان، ومكانته كمناضل، وعزز من قيمته بين المجموع، وتأثيره في المجتمع الفلسطيني من خلال عشرات الآلاف من الأسرى الذين عايشوه بين الجدران الشاهقة وخلف الأبواب الموصدة، ليبرز دوره النضالي والاعتقالي داخل السجون كأحد أبرز قيادات الحركة الأسيرة، وواحد من أبرز مثقفيها، والمؤثرين فيها.

كما برز "وليد" كشخص سياسي مثقف وواحد من أبرز من كتبوا داخل السجون حول الحالة الفلسطينية، ولعله الأبرز على الإطلاق في وصفه لحال السجون والمعتقلات الصّهيونيّة وواقعها بجرأة عالية وموضوعية غير مسبوقة عبر لقاءاته وكتاباته ورسائله المهرّبة من خلف القضبان. فهو يمتاز بقدرة إبداع فنية وأدبية في رسم حياة الأسرى ويومياتهم خلف الشمس.

لم يتوقف نشاطه على القراءة والمطالعة والتعلم، ولم يكتف بدور المثقف وتثقيف الآخرين ونقل التجربة، وإنما تعدى الأمر ذلك، ليشارك إخوانه ورفاقه في تفاصيل الحياة اليومية ولينسج علاقات وطنية صادقة مع الجميع، ويشارك في كافة أشكال المواجهة مع السّجّان بما فيها الإضرابات المفتوحة عن الطعام، ذودا عن كرامة الأسرى ودفاعا عن حقوقهم وتمسكا بإنجازات الحركة الأسيرة ومكتسباتها. ونتيجة لدوره اللاّفت وحضوره المؤثّر وثقافته المتميّزة والكاريزما العالية التي يتمتّع بها، ظل في دائرة الاستهداف الإسرائيلي، لتُقدم مؤخّرا إدارة السجون على عزله في زنزانة انفرادية بهدف كسر إرادته والتأثير السّلبي عليه، والحد من تأثيره الإيجابي على الأسرى، في إطار سياستها الهادفة لصهر الوعي لجيل من المناضلين

واصل "وليد" تعلمه وزيادة معارفه العلمية، فأنهى دراسته الجامعيّة في السّجن، وحصل على درجة الماجستير في الدّيمقراطية السّياسيّة، من خلال الانتساب عن بعد إلى الجامعة العبريّة المفتوحة، ولكن الوعي والتأثير الفكري –كما يقول وليد- تصنعه أطر أوسع من الجامعة أو المدرسة والأسرة.

لقد كتب الكثير من المقالات، وبعث العديد من الرّسائل، وأجريت معه عشرات اللقاءات الصّحفية، وكلّما قرأت له شيئا كتبه أو قاله، ازددت إعجابا به واحتراما وتقديرا له، وما زلت أحرص على قراءة ما يكتبه وما يصدر عنه، فهو من أحسن القول وأجاد الوصف وأصاب في تحليله، وتمعّنوا هنا أيها السادة بما قاله في إحدى لقاءاته عن الانقسام (لا أبالغ إن قلت إنه، ورغم أن من يغلّق عليّ باب الزنزانة هو سجّان صهيوني، لكن الذي يصنع له مزيدًا من الأقفال هو الانقسام الفلسطيني. تأمّل المسألة جيدًا، فهذه ليست بلاغة لغوية، وإنما هي حقيقة يجب أن نصرخها في وجه من ضلّوا الطريق نحو الحريّة في زقاق ومزاريب سلطة وهميّة).

"وليد".. اسم تردّد على مسامعي بفخر وعزّة منذ أن اعتقل، وقبل أن أتحوّل أنا الآخر إلى أسير، فحرصت على الدوام على متابعة أخباره، وبين الفينة والأخرى كنت أتواصل مع أسرته، وما زلت أتابع وأقرأ ما يرتبط به من أخبار وكلمات، فهو قيمة عالية وقامة رفيعة بحجم السّنديان شموخا، وكنز من المعلومات القيّمة.

وإن كنت هنا أسجّل تقديري العالي لشخصه - وهذا أقل واجب علينا- فإن الواجب يتطلب كذلك أن أسجّل فخري واعتزازي بوالدته الصامدة، الصابرة، المناضلة، الحاجة فريدة. كما وأسجل اعجابي بزوجته المناضلة والأسيرة المحرّرة "سناء سلامة" التي ارتبطت به عام 1999، وربطت مصيرها معه، وهي كانت على يقين بأنها ستنتظر طويلاً. فما أعظم تلك المرأة التي تمتلك من الخصال ما يؤهلها لأن تقف بشموخ بجانب خطيبها الأسير، وتصبر طواعية على بعده، وبقناعة تامة تسانده في محنته وتحمل معه الهموم في مواجهة السجان. ومازالت على العهد باقية

"وليد" هو واحد من الأسرى القدامى، ويُعتبر سادس أقدم أسير فلسطيني في السجون، وهو واحد من ثلاثين أسيرا معتقلين منذ ما قبل اتفاق السلام في أوسلو وصفقة "وفاء الأحرار"، فلا "السلام" نجح في تحقيق حلمهم بالحرية والعيش بسلام بين أهلهم وشعبهم، ولا المقاومة استطاعت كسر قيدهم وفرض شروطها على المحتل.  فيما كان من المفترض الافراج عنهم كدفعة رابعة وأخيرة في 30 آذار/مارس2014 في اطار التفاهمات الفلسطينية-الإسرائيلية برعاية امريكية، إلا ان الاحتلال وكعادته نكث بالوعود وتنصّل من الاتفاقيات وتراجع عن إطلاق سراحهم وأبقاهم رهينة في سجونه ومعتقلاته.

ويبقى "وليد دقة" كما عرفناه وكما هو دائما، اسما لمناضل عنيد وصلب محفور في الذاكرة الفلسطينية، وثائر يحفظ اسمه كل أبناء شعبه عن ظهر قلب. وقائد وطني ينتسب الى "باقة الغربية" وأسير شكّل على الدوام نموذجا للآخرين وقاسما مشتركا فيما بين الجميع، فغدا منارة ومفخرة للكل الفلسطيني. فهو وأسرى الدّاخل عموما جزء أصيل من شعبنا ومن تاريخ عريق سجّلته الحركة الوطنية الأسيرة خلف قضبان سجون الاحتلال.

وسيبقى اسمك يا "وليد" أيقونة الصمود والتحدي، يصدح في الآذان سمفونية العظمة

 

 

 

.

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط