كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

ونحنُ أيضاً كنّا نمتلك ماكينة خياطة

ونحنُ أيضاً كنّا نمتلك ماكينة خياطة

تاريخ النشر: 2022-11-08 | 06:58

لفتت انتباهي عناوين ثلاث روايات تتخذ من دالّ الخياطة مرتكزا، وعلى ما يبدو أن للسيرة الذاتية حضورا عند هؤلاء الكاتبات؛ اللبنانيتين الشاعرة جمانة حداد في روايتها "بنت الخياطة" والروائية مي منسي وروايتها "ماكينة الخياطة"، والكاتبة الإيطالية بيانكا بيتسورنو.

أظن أن ماكينة الخياطة عند النساء في فترة معينة كانت حلماً. أتذكر أن أمي كان لديها واحدة، وكانت تفاخر بها، كنت أراها في ركن من الغرفة زاهية تلمع. عندما كانت تعمل أمي عليها كان صوتها مميزا. وضعيتها تشبه إلى حد ما جهاز الكمبيوتر (desk top)، إنها حاسوب ذلك الزمن، وإلى حد ما تشبه البيانو، وتشبه دعستها دعسات السيارة، يلزم لذلك مهارة ما للتوافق مع تحريك البكرة التي كانت على اليمين، كنت أتخيل من تعمل عليها كأنها تقود مركبة.

أمي كانت تفضل نوعا محددا من ماكينات الخياطة ماكينة (سيجنر)، وهي ماركة مشهورة، كانت تقول عنه إنها أصلية، كانت أمي كذلك تحسن صيانة هذه الماكينة تزيّتها وتعتني بها. طاولتها ذات تجويف يساعد على ابتلاع الماكينة إلى الداخل. لتصبح الطاولة الصغيرة صالحة لأغرض أخرى.

من كانت تمتلك ماكينة خياطة من النساء في ذلك الزمن كمن كان لديها بقرة حلوب أو "منوحة"، كانت مشروعا اقتصاديا ناجحا، لأن فكرة الملابس الجاهزة لم تكن شائعة شيوعها هذه الأيام. محلات بيع الأقمشة أكثر من محلات الألبسة الجاهزة. كان تفصيل الملابس موضة أهم من الجاهز. كان الأمر موضع فخر في الأعراس والمناسبات، وكان لذلك حضور في الأغاني الشعبية، في كسوة العروس كانوا يحضرون القماش، ويستخدمون مصطلح "قَطْع القماش"، ثم يذهبون إلى الخياطة صاحبة هذه الماكينة تفصّل للعروس كل الملابس وكل ما يلزم من وجوه الفرشات والمخدات والستائر.

يصاحب ذلك أيضا ملاحظة نوع القماش، كان من المهم أن تعرف نوع القماش، ثمة قماش أفضل من غيره. أمي لم تكن تحب نوعا من القماش يقال له (سترتش)، لبست بعض البلاطين المصنوعة من هذا النوع إنها سيئة بالفعل خشنة وتثير الحكة خاصة في الصيف والخريف وكانت تلتصق بأجسادنا فتؤذيها خاصة مع الريح الشرقية (الشراقي)، لم أكن أحب تلك البلاطين، وتصيبني النفرة ويعمني النكد كلما لبست بنطالا من السرتش، كان قماشه رخيصا، كأنه قماش الفقراء. إنه كان للفقراء فعلا.

أتذكر أنواع القماش الآن القطني والصوفي والفوطر والحرير، هذا ما علق من ذهني منذ الطفولة، هذه الأيام لا يدري أحدنا ما نوع القماش المصنوع منه القميص أو البنطال اللذين يرتديهما هو وأولاده.

لا أعتقد أن أمي كانت خياطة تعمل بالأجرة، وتفصّل للآخرين ملابسهم، إنما كانت الماكينة من متطلبات ومستلزمات أي بيت كوجود بابور الكاز، يجب أن يكون في البيت ماكينة خياطة للاستخدام العائلي لتكييف الملابس، أو تصغيرها وتقصيرها، أو رتق فتوقها، أو رقع ما تهرّأ منها.

أمي كانت ترقع لي البلاطين والجرابات باليد، وكانت تقصّرها باليد، وتصلح الأزرار والسحابات وتستبدلها باليد، أمي كانت ماهرة بالعمل اليدوي قبل أن تعجز اليدان والنظر، يشبه عملها عمل ماكينة الخياطة. مثلا لا ترقع الملابس إلا بقطعة من نفس النوع، لا يهمها اللون أولا كان يهمها النوع، لأن ذلك أدعى للملاءمة وشدّ القطعة حتى لا يصيبها الفتق مرة أخرى، وإن توفر اللون من النوع نفسه فذلك من حسن الحظ، أو كما كانت تقول أمي: حظ بيفلق الحجر. لقلة الخيارات الممنوحة في ذلك الوقت. ثمة مثل شعبي كان شائعا للدلالة على إتقان الرتق والرقع، "رقعة في خلق"، دلالة على المناسبة والمواءمة بين أمرين، ويتم استعارة المثل في التطبيب الشعبي، والوصفات الاجتماعية، ومعالجة بعض القضايا الاقتصادية في "التدبير المنزلي".

كانت عادة رقع الملابس عادية وشائعة بيننا نحن الصغار وحتى الكبار، قبل أن تصبح مجالا للخجل أو تنمر الأطفال، بعضهم من بعض، صار ترقيع الملابس نوعا من التدبير المنزلي والعائلي في حياة ريفية فقيرة جدا. الأغنياء كانوا يرمون الملابس أو يتصدقون بها أو يبيعونها، وهي ما زالت جديدة أو في حالة جيدة.

في ذلك الوقت قبل غزونا بالبضاعة الصينية كان شائعا سوق الملابس المستخدمة، رخيصة جدا، أمي لم تكن تحب المستعمل أو تثق به، لذلك كانت ترقع لنا الملابس، وتفضل ذلك على أن نلبس من سوق البالة، كانت أمي تقرف جدا من تلك الملابس، تنفر من رائحتها، وتعدها ناقلة للأمراض أو القمل.

تلك الفترة من حياتنا احتلت ثقافة الملابس والتعامل معها حيزا مهما من أحاديثنا اليومية، لم يعد أحد إليها هذه الأيام؛ لأن الزمان اختلف، وأصبح الجاهز أهم من التفصيل وأغلى، وهو محل المباهاة والمفاخرة. واختفت ماكينات الخياطة من حياة الأسر الريفية والمدنية. وانطوى معها معجم لغوي بمفردات وثقافة كاملة.

من المهم جدا إذاً أن نقرأ عن هذه الفترة بالتفصيل عند هؤلاء الكاتبات في هذه الروايات الاجتماعية ذات البعد الاقتصادي والثقافي، وأن نتعرف على دقائق العمل، وما كان يصنعه من عوالم في الحياة، انتقلت إلى الروايات.

لاحظوا أن النساء هن من كتبن عن مهنة الخياطة وماكينة الخياطة، وليس الرجال، على الرغم من وجود رجال خياطين ومشهورين أكثر من الخياطات، وعندنا في نابلس عائلة الخياط، كما أن الخياطين كانوا مشهورين في العمل مع العائلات الإقطاعية أو المتنفذة، أو مع المختار أو رئيس البلدية أو مع الملك أو مع الرئيس.

كان أمرا في غاية الأهمية وجود الخياط لهؤلاء الناس كالطبيب أو الحلاق والمنجّم الخاص، وكان موضع سر أفراد تلك العائلات ومطلّع على أجسادهم وجمالها وعيوبها، وقصص داخلية كثيرة، لأنه كان يذهب إلى البيوت ليقيس الأكتاف والأرداف والخصر والطول والذراعين. وربما تعامل مع النساء والرجال سواء بسواء، ويعرف ما يلائم كل جسم من ملابس؛ فالجسم النحيل ليس كالسمين، والطويل ليس كالقصير، كما كان خبيرا بمناسبة الألوان للنساء الكبيرات في السنّ، والرجال والفتيات، وما يناسب الأعمار، أو الأفراح والأتراح. كان الخياط مهندسا بدنيا ومهندس إتيكيت أيضا.

كنت ألاحظ الخياطين في طفولتي في محلاتهم في مدينة نابلس كيف كانوا دائما جادّي الملامح، لا يضحكون، ومتأنقين دائما، ويعملون بتركيز وصمت كبيرين، فالأخطاء عندهم شنيعة وذات آثار سلبية على زبائنهم، لذلك كانوا يتمتعون بالدقة والموهبة. ومهنتهم لا يُسمح فيها بالخطأ البسيط، وإن حدثت فأخطاؤهم غير مغفورة وتعد كارثية لأن فيها إفسادا لقطعة القماش، لاسيما إن كانت هذه القطعة غالية الثمن مجلوبة من تاجر معروف من الشام أو مصر أو تركيا العثمانية.

ذلك زمن مرّ كان له جماله وثقافته قبل ثقافة الآيفون والآيباد واللابتوب، وقبل أن تشيع ملابس الخيوط المصنعة من النايلون التي أكلت أجسادنا وأورثتنا أمراضا لا حصر لها، وعرفتنا على المطريات الكيماوية والكريمات والدهونات المتعددة، فانتعش سوق الصيدليات، وانعدم سوق الخياطين والخياطات، وعمت الملابس الجاهزة بكل صنف ولون.

×
أخبار
«واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط