كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

ياسر عرفات .. أبو الوطنية الفلسطينية ..

ياسر عرفات .. أبو الوطنية الفلسطينية ..

تاريخ النشر: 2020-11-12 | 21:21

نهاد أبو غوش
نهاد أبو غوش

التاريخ لا يصنعه الأفراد أو الأبطال الخارقون، ولكن في المحطات المفصلية للأحداث والأزمنة، تحتشد الظروف الموضوعية والذاتية، وتتكثف، فتلتقي الضرورة العامة مع استعدادات فرد ما ومواصفاته الشخصية، فيكون هذا الشخص هو الجواب على الحاجة التاريخية الملحة.

كان يمكن أن يكون الإنسان/ الشخص محمد عبد الرؤوف عرفات القدوة مهندسا ورجل أعمال ناجحا في ميدان عمله ودراسته، ومؤثرا على محيطه الاجتماعي، لكن الشعب الذي جاء منه محمد عبد الرؤوف كان يتهيّأ لإعادة النهوض من تحت الرماد، وأن ينفض عنه آثار النكبة والهزيمة، وأن يعيد فرض حضوره على خريطة العالم. ولذلك وكما قال عنه درويش ببلاغة قل نظيرها وتليق بالراحل الكبير "وكان اسمه ( ياسر عرفات) أحد أسماء فلسطين الجديدة، الناهضة من رماد النكبة إلى جمرة المقاومة، إلى فكرة الدولة، إلى واقع تأسيسها المتعثر"، فكان أن تحول المهندس الواعد إلى رمز للوطنية الفلسطينية الناهضة، لهوية شعب يأبى الاندثار، ويستعصي على الهزيمة، لزعيم وأب وقائد ورئيس، وصديق شخصي لكل فلسطيني أينما كان.

كلما ابتعدنا عن زمن ياسر عرفات، كلما تكثفت نزعة الأسطرة لشخصه ومكانته، وكلما مررنا بضائقة وطنية أو اجتماعية أو شخصية، تعزز شعورنا بالخسارة والفقدان على حد قول الشاعر " وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر". لكن هذا الابتعاد الزمني يمكن له أن يحرر أدوات التحليل التي نملكها من ضغط السياسة اليومية، ومن حسابات الموالاة والمعارضة العابرة، ما يمكننا من قراءة ورؤية الجوانب المتعددة في شخصية ياسر عرفات التي تداخلت واندمجت بحيث بات من الصعب الفصل بينها، ولكن وإنصافا لياسر عرفات، وللقضية التي عاش من اجلها واستشهد، بات من الضروري التمييز بين جوانب ثلاثة في شخصية القائد التاريخي للفلسطينيين.

عرفات الإنسان

أول ما يدهشك في شخصية ياسر عرفات، هو بساطته المتناهية وتواضعه، قبل أن تلتقيه تتخيل إعصارا أو زلزالا، فإذا هو رجل رقيق لطيف، يداه صغيرتان وناعمتان، بشرته قليلا ما تتعرض للشمس، قامته أميل للقصر، يغمرك بودّه ويرغب في أن يخدم ضيوفه بنفسه، يتناول عشاءه البسيط مع الجنود والمرافقين ومن تصادف وجوده من زواره، ذو ذاكرة مدهشة ومعرفة عميقة بالناس، حاضر البديهة دائما وصاحب نكتة، يحسن الاستماع والإصغاء للآخرين. ولكن حذار حذار من غضبه.. فهو تيار جارف وبخاصة على مساعديه وكبار المسؤولين المحيطين به، ولا يتردد في استخدام كل أدوات غضبه، ولكنه أرقّ من النسمة في التعامل مع العامة والبسطاء والضعفاء وبخاصة مع الأطفال والأمهات، يقبل أيدي الجرحى ورؤوسهم، وكأنه يشعر أنه مدين لهم بنفسه. لا شيء شخصي في حياة ياسر عرفات، ذاته الخاصة مندمجة في ذاته العامة، مظهره المتقشف وذقنه غير الحليقة، وبدلته التي لازمته العمر وكوفيته صارت رموزا لقضيته، مكتبه وغرفة نومه وغرفة عملياته في وجه الحرب، كلها متداخلة ضمن أمتار مربعة قليلة، إذا تجاسر أحد الأشقاء أو الأعداء على المس بشخصه فكأنما مسّ فلسطين كلها.

عرفات القائد

عرفات هنا كان سياسيا براغماتيا بامتياز، فلسطين عنده هي الثابت الوحيد وكل ما عداها متغيرات، كان يؤمن بقوة إرادته الفردية، أكثر مما يؤمن بالمؤسسة ويثق بها، كان قادرا على الجمع الخلاق بين كل المتناقضات، بين فصائل متنافرة، وولاءات إقليمية ودولية متعددة، ومصالح متضاربة، مثل مايسترو حاذق يدير فرقة موسيقية من عشرات العازفين.

لم يقطع شعرة معاوية مع أحد حتى مع أشد خصومه ومنتقديه، عرفات هو التجسيد الأبرز للمعادلة الفذّة " نختلف معه ولا نختلف عليه"، كانت قامته أعلى من كل من حوله ويؤمن أن على الجميع اللحاق به، فهو الشرعية والشرعية هو، وبوصلته واضحة ومعلنة : القدس!.

 لكل ذلك كانت له خصومات كثيرة، لكل مرحلة خصوماتها ومعاركها، الوطنية والإقليمية وحتى الفتحاوية الداخلية، ولذا كان زعيما وقائدا وليس رئيس تنظيم دفعته الصدفة التاريخية إلى موقع قيادة الشعب.

الزعيم التاريخي ذو ا لرؤية

أبرز ما في شخصية عرفات، وذلك على الأغلب هو مكمن سره، هي القدرة في أن يرى أبعد مما يرى الآخرون، عرفات الذي يتجاوز شروط الزمان والمكان، هنا بالضبط جسد الزعيم الخالد رمزية الشعب الناهض من الهزيمة والنكبة إلى آفاق الثورة والحرية، ويكفي أن ندلل على هذه الصفة الاستثنائية ببعض الأمثلة، ولعل من كانوا أقرب إلى ياسر عرفات يعرفون كثيرا من هذه النبوءات الألمعية التي لم تتهيأ لغيره من القادة:

·       حين سئل ياسر عرفات لحظة خروجه من بيروت، إلى اين؟ أجاب بكل ثقة: إلى فلسطين! كان يمكن لسياسي عادي أو محلل أو منظر أن يغرق ويغرق مستمعيه في تفاصيل معركة بيروت وتداعياتها، وخذلان العرب والأصدقاء، ومعادلة الأرض وأصحابها، لكن عرفات اختار الجواب الأكثر بساطة والأكثر حكمة، فقد أجاب من قلبه وليس من التحليلات والمعطيات السياسية الباردة، وكم كان صادقا في جوابه!

·       سئل ياسر عرفات عن خليفته المتوقع، في ظل الضغط الأميركي والدولي لتقليص صلاحياته، والتواطؤ لإزاحته باعتباره "غير ذي صلة" وأصبح مشكلة في طريق الحل، فأجاب: خليفتي هو فارس عودة! الطفل الغزّي الشهيد، الشهير بصورة التصدي للدبابة الإسرائيلية بحجر، فارس عودة كان هو الخيار الكفاحي للشعب الفلسطيني،  البراءة والعنفوان والبطولة والمقاومة واستمرار النضال!

·       حين عرضت على الشهيد عرفات خطة لاقتطاع الحي الأرمني من القدس الشرقية وضمه مع حارة اليهود إلى إسرائيل، قال جملته الشهيرة: أنا اسمي ياسر عرفاتيان! لم يحاجج في مدى انطباق القرار 242 وانتماء الأرمن وتاريخهم في فلسطين، وعدم جواز الاستيلاء على الأرض بالقوة، قال أكثر من كل ذلك بجملة.

·       حين سألت مذيعة ياسر عرفات عن صحته الشخصية، غضب غضبته الشهيرة، وأجاب مستنكرا" تسألينني عن صحتي وشعبي يذبح؟؟"، لم تكن صحته الشخصية تعني له شيئا أمام ما يتعرض له شعبه.

·       حين قال جملته الشهيرة "يريدونني أسيرا أو طريدا أو قتيلا، وأنا أقول بل شهيدا شهيدا شهيدا" وهكذا كان... شهيدا

هذه المواقف وغيرها لا تصدر عن زعيم عادي، بل عمن يرى ما لا يرى!

 

×
أخبار
ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط