كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

ياسر عرفات: "في كل واحد منا شيء منه"

ياسر عرفات: "في كل واحد منا شيء منه"

تاريخ النشر: 2016-09-21 | 21:14

.. تفتح عيونها كل صباح على حائط علَّقَت عليه ملصقاً هو صورة رجل يرتدي كوفية فلسطين، حائط غرفتها حيث تعيش وعائلتها في حي المنزه السادس بالعاصمة التونسية، كانت قد ولدت في دمشق، في عام اجتياح بيروت، وحين تعلّمت المشي رحلت إلى تونس قسراً، وبعد أن تمتنت ساقيها وقفزت وركضت، قصفت الطائرات الحربية الاسرائيلية مكتب الرئيس ياسر عرفات وحدثت مجزرة حمام الشط، وحين أصبحت في الصف الأول وتعلّمت القراءة تهجأت اسمه على ذاك الملصق: "أبو عمار"، ومع أواخر الثمانينات اغتيل أبو جهاد، وبعده بسنوات اغتيل أبو إياد وأبو الهول في تونس، حينها علّقت تلك الطفلة بنفسها ثلاثة ملصقات أخرى، لكن هذه المرة لشهداء من أبرز قيادات المشروع التحرري الوطني، وهكذا ظلت تتأمل هذه الشخصيات، تحاول أن تفهم علاقتهم بهويتها التي كانت تجتهد في جمع أجزائها في الغربة، وتتسائل لماذا تحوّل الرمز الحي إلى مُلصق، والرموز الشهداء إلى مُلصقات أيضاً؟!

وفي كل هذا كانت صورة واحدة تمر بين كل الأحداث، وتغزو بصلابة كل أسئلتي عن الوطن البعيد، رائحته وروحه في كل القصص من حولي ومع كل الشخوص الذين كانوا يزورون تونس للقاء القائد الرمز "أبو عمار"، كان يتردد الاسم بسلاسة لامتناهية بين أرجاء البيت، أسمعه وأنا في غرفتي ألعب، وأنا أرافق والدي أحياناً إلى مكتب التعبئة والتنظيم، وأنا على مائدة غداء أقيمت على شرف ضيوف من الأرض المحتلة أو من المنافي.

"فلسطين" و"أبو عمار" اسمان متلاصقان مترادفان وهو أمر أدركَتهُ تلك الطفلة مع الوقت، وفي الحي حيث عاشت وحولها عدد من العائلات الفلسطينية كانت تبحث عن هويتها ووطنها، لم تعرف أنها أقرب ما يكون إلى حارس هويتها، وأبعد ما يكون عن "أرض" هويتها؛ أنا هي تلك الطفلة ابنة قرية عنابة المنكوبة عام 1948، دُعيتُ من قبل الدكتور أحمد يوسف القيادي البارز في حركة المقاومة الاسلامية حماس لأكتب عن القائد الرمز، فوجدت صفحات كتابه لشخصيات عاصرته وفي جعبتها الكثير عنه، أما "أنا" فقد بدأت الكتابة عني فـ: "في كل واحد منا شيءٌ منه"، كما قال الراحل محمود درويش.

أذكر "بيت الصمود" حيث أصدقائي اليتامى ومعظمهم ممن تبناهم القائد لأنهم فقدوا أهاليهم صغاراً في مجزرة صبرا وشاتيلا في لبنان، ورحلوا معه إلى تونس كيف لا وهم يحملون اسمه، هو العائلة وهو الأب، يزورهم دوماً يمضي وقتاً جيداً معهم ويستمع لهم ويحتضنهم ويغدق في تقبيلهم كما يحتاجون. وحين أبرم اتفاق أوسلو غادرنا معه تونس في محاولة عرفاتية للعودة وتقبيل ولو حبة من تراب الوطن، وفي فلسطين التقيته وتنعمت بقبلاته الشهيرة بصدقها وعمقها، وبإغداق يعود ربما لاحساس القائد بأن كل أبناء الوطن يعيشون حالة يُتمٍ ما تحت الاحتلال.

ماذا أكتب عن الشهيد الراحل؟ بين كل ما كتب عنه من المقربين والشعراء؟ وهو الذي لم يرضخ لكل الضغوط الدولية ولم يتنازل عن الثوابت، ولم يترك الكوفية، مقرراً البقاء في المقاطعة ومواجهة الأصعب والذي كان يرسم الطريق نحو غيابه بل وتغييبه بتخطيط اسرائيلي ودولي للنيل من الرمز الذي عرّف العالم بفلسطين، ومن لا يعرف فلسطين فهو بالتأكيد يعرف الختيار، وفي أضعف الإيمان يعرف صورته في زمن لا يعترف بالصورة -قبل انتشار الفضائيات-.

بدأ التخطيط للتخلص منه بسيناريوهات عديدة، أولها تفجير المنطقة وإعادة اجتياح الضفة وقصفها مطلع عام ألفين، وفي إحدى المرات عرفت أن الرئيس أبو عمار يزور المشفى لعيادة الجرحى والاطمئنان عليهم، لم استطع اللحاق به هناك، وعرفت أنه ذاهب لشارع البريد في رام الله حيث تم قصف الغرفة التجارية، انتظرته وانغمست بين الجمع الغفير حوله، وشاهدته يشير إلى فوهة في السقف أحدثها صاروخ، سمعته يتحدث عن الفوهة مع من حوله، وتساءلت ما الذي يستدعي كل هذا الوقوف وهذا الحديث! لم يكن سقفاً عادياً، فقد كان سقفاً يمر عبر سماءه، وسماء فلسطين التي اخترقها الاحتلال الاسرائيلي.

وأثناء فترة تدريبي في أحد التلفزيونات وأنا طالبة سنة أولى إعلام جامعة بيرزيت، كنت انتظر مع مجموعة من الصحفيين في مقر المقاطعة، لا نعرف متى يخرج الرئيس وضيفه ليقول شيئاً للاعلام، وبعد ساعات تحت الحر، خرج الزعيم وتهافت الصحفيين ورفعوا المايكروفونات ليظهر شعار المحطة التي يمثلها كل منا على الكاميرا، وبالتالي على الشاشات، حاولت بدوري أن يظهر شعار تلفزيون "وطن" المحلي، فرفعت يدي كثيراً بين كل الأيادي، أذكر جيداً كيف نظر الرئيس إلى تلك الفتاة التي ربما هي الأصغر بين الموجودين، نظرة عطف لا أنساها تحدث معي متضامناً مع تعبي الواضح، وأشار لمصوره الشخصي طالباً منه مساعدتي، فحمل مايكروفوني ووضعه فوق الجميع، المصور الذي كان يلتقط الصورة معي فوجئ لا يجد تفسيراً. كانت اجابتي سهلة: الرئيس ساعدني! عدنا إلى التلفزيون وأعدنا مشاهدة التسجيل في غرفة المونتاج واستمتعنا برؤية لوجو تلفزيون محلي فوق كل الفضائيات.

وخلال فترة الحصار أعلن الجيش الاسرائيلي أنه سيقصف المقاطعة على من فيها، فخرجنا جميعاً في مسيرة اخترقت منع التجوال والاجتياح والشهداء والموت الشعبي البطيء الذي كان يحاول الاحتلال زجنا فيه، نسينا كل شيء فجأة وخرجنا ليلاً صغاراً وكباراً رافضين المس بالقائد، وكانت مسيرة "العشاء الأخير"؛ آخر مسيرة في حياته. مرض بعدها فجأة، وبقي الصحفيون قرب باب المقاطعة في انتظار معلومة وبصيص أمل عن حالته، كان شهر رمضان، يحل آذان المغرب دون أن ندرك، يحاول أحدهم تذكيرنا بضرورة كسر الصيام بقطرة ماء. وهكذا إلى أن أقلّته المروحية إلى فرنسا وتسمّرنا على شاشات التلفاز، لكن القائد استشهد، وفي جنازته الشعبية في رام الله، شاهدتُ العالمَ بأسرِه، غيابٌ ليسَ بعده غياب، غيابٌ ظالم، غيابٌ جرّدنا من معاني القوة والصبر والصمود، وكأن الكوفية الفلسطينية انسحبت، وكأن السماء أغلقت أبوابها فلا موت بعده، ولا تاريخ بعده! يعزيناً بعض الشيء حياته ورحيله الأسطوري وقول الشاعر درويش: "في كل واحد منا شيء منه"... فيما لا نجد في الواقع شيئاً يعزينا في ظل غياب رمز يوحدنا!

 

-من كتاب للدكتور أحمد يوسف-المستشار السياسي لاسماعيل هنية، بمشاركة مجموعة من الكتاب من مختلف أطياف العمل السياسي والاجتماعي والاعلامي، بعنوان: "ياسر عرفات ذاكرة لا تغيب)

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط