كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

يا فصائل فلسطين وسلطتها اتحدوا

الصراعُ على السلطةِ ظاهرةٌ قديمة، عمرها عمرُ الإنسان، وإن بدت وظهرت في المجتمعات الأكثر تنظيماً وتطوراً، بدءاً من العائلة وصولاً إلى أرقى أشكال التنظيم المدني والسياسي المتمثل في الدولة، حيث يبرزُ الوجهاءُ والزعماءُ والقادة، وتكثرُ المصالحُ والمكاسبُ والمنافعُ، وتتناقض الأهواءُ، وتتعارضُ الإراداتُ، وتختلفُ الأهداف، وتنشأ العلاقاتُ الخاصة، وتنمو المصالح الشخصية، ما يخلق حالةً من التنافس والصراع الذي قد يصل إلى الحرب والقتال.

يسعى كلُ طرفٍ للسيطرة والهيمنة، وأحياناً للتفرد والتسلط، وقد يستخدمون في معاركهم مع بعضهم أدواتٍ قذرة، ويلجأون إلى مسالك غير مشروعة، وقد يستعينون بالعدو على الصديق، وقد يتآمرون على حتف الشريك، ويبررون لأنفسهم مختلف الوسائل للوصول إلى السلطة، التي هي غايتهم وهدفهم، غير مبالين بالشعب الذي يتضرر، والمصالح التي تتعطل، والدماء التي تنزف، والطاقات التي تهدر، والاقتصاد الذي يتدهور، والبنى التحية التي تدمر، والحياة التي قد تجمدُ وتصبحُ عصيةً على العيش، مرةً لا تطاق، وبعيدةً لا تُنال، فما يهمهم هو البقاء، وما تشغلهم هي السلطة والمنصب والجاه.

لعل الصراع على السلطة يكون مُبَرَراً في المجتمعات المستقلة، التي تملك قرارها، وتتمتع باستقلالها، ولا تعاني من احتلالٍ ولا من اغتصاب، ولديها اقتصادها الحر، ومصالحها الخاصة، ولا يوجد أخطار تهددها، ولا أعداء يطمعون بها، ولا جيران يتربصون بها، وينتهزون فترات الضعف للانقضاض عليها، وإزاحة وتغيير حدودها، أو السيطرة على قرارها ومقدراتها، ومصادرة حاضرها وشطب مستقبلها.

فمن الطبيعي أن تنشأ في المجتمعات الآمنة المطمئنة كتلٌ وتحالفاتٌ وأحزاب، وأن تظهر برامج ورؤى، وتعلن سياساتٌ ومخططات، قد تكون مختلفةٌ ومتباينة، يساريةٌ أو يمينية، اشتراكيةٌ أو رأسمالية، ولكنها تهدف إلى النهوض بالمجتمع، والاهتمام بالسكان، وتطوير الحياة، وتوفير ما يلزم للمواطنين، وتلبية احتياجاتهم في مجالات الصحة والتعليم والسكن والعمالة والخدمات العامة، ويحق لمن يقدم أكثر، وينجز أفضل، أن يتقدم على غيره، وللشعب وحده الحرية في المفاضلة والاختيار، وهو صاحب الحق والقرار، وما المتنافسون إلا ساعين لرضاهم، وحريصين على قبولهم، وتأييد برامجهم، ودعم سياستهم.

أما وإن فلسطين ما زالت محتلةً، وفاقدةً لاستقلالها، ولا تملك خياراتها، ولا تقوى على فرض هيمنتها، وبسط سلطتها، وتشكو من اعتداء الإسرائيليين وتوغلاتهم، وتقف عاجزةً أمام أعمال القتل والاعتقال والمصادرة والتجريف والتخريب، ولم تتمكن من نيل الاعتراف الدولي بها كدولةٍ مستقلةٍ كاملة السيادة، ولم تحصل على حقوق وامتيازات الدولِ الكاملة، وتحتار أمام الحصار، وتعاني من الإغلاق والعقاب، تارةً يحاصرها الصديق، وكثيراً ما يعاقبها العدو حصاراً ومنعاً ومصادرةً وحجزاً للحقوق والأموال، فلماذا الاختلاف والصراع والتنافس، وعلام الاقتتال والتنابذ، وتبادل الاتهامات والإيغال في الخصومة والمبالغة في العدواة.

لا شئ عندنا يستحق التنافس والصراع، ويوجب الاختلاف والانقسام، فلا كعكة نقتسمها، ولا مكاسب نوزعها، ولا سلطة نتنافسها، بل الأصل أن يكون التنافس بين الفرقاء على المقاومة، وأن يكون السباق على الخدمة، والتمايز على الصمود والثبات، وأن يقدم كل طرفٍ أقصى ما عنده على جبهات المقاومة، وفي سوح النضال والمواجهة، وفي سجون العدو ومعتقلاته، أو في ميادين العون والخدمة والمساعدة، إذ لا مجال في ظل الاحتلال الجاثم على صدرونا جميعاً، وفي ظل جداره العازل، واجتياحه المتواصل، وسجونه المفتوحة، وحصاره الذي لا ينتهي، إلا أن نتفق ونتحد، وأن نضع جانباً خلافاتنا الداخلية، وأن نتوقف عن الصراع على السلطة، والسعي للسيطرة والهيمنة، وتشويه الصورة وتبادل الاتهامات.

أليست مدعاةً للسخرية والتهكم، أن نتصارع على حكم الشعب، ونتحكم في رزقه، ونتسلط عليه في عيشه، ونتنافس في سجنه ومعاقبته وحرمانه وعزله، ونحن ملايين مشتتة، ولاجئون معذبون ومضطهدون، وأرضنا مقسمة، ومزارعنا لا نملكها، ومساجدنا لا يحق لنا أن نصلي فيها، ومدننا وقرانا لا تستطيع أن ندخلها، وحدودنا مغلقة، وشعبنا محاصر، وجوعه قاتل، وفقره مدقع، وحاجته مذلة،

إننا نتنازع السلطة قبل أن تكون، ونقتتل عليها قبل أن تنشأ، ونختلف عليها قبل أن تكون حقيقيةً ذات سيادة، ومع ذلك فإننا نتبارى في بناء الأجهزة الأمنية، وقائية وعسكرية، وجنائية وقومية، وبحرية ومدنية، وشرطة وأمنٍ عامٍ وأمن داخلي وأمنٍ وطني، وغير ذلك من الأجهزة التي فاق عددها تعداد الشعب.

ألا يتنافس المتصارعون على السلطة في العمل على رفع الحصار وتخفيف المعاناة، وفي البحث عن وظائفٍ للمواطنين، وتوفير فرص عملٍ كريمٍ لهم، ومساعدة المتزوجين الشباب والمعيلين الكبار، والمسنين العاجزين، لتأمين مستقبلهم، وحفظ كرامتهم، ومساعدة الشعب، وضمان تعليمهم، وتوفير الطبابة والعلاج لمريضهم، والعمل على تحسين مستوى عيشهم، ورفع رواتبهم، أو تأمين انتظامها، والتأكيد على عدم قطعها.

ألا يتنافس الباحثون عن السلطة في بناء المنازل المهدمة، أو تعمير الشوارع المخربة، أو في جمع القمامة المتراكمة، أو إزالة الركام وبقايا المباني المهدمة، ألا يتسابقون في تنظيم السير، وتحسين وسائل المواصلات، وتقليل عدد الحوادث، ومنع كوارث القتل والدهس، ألا يسعون لتحسين الكهرباء، وزيادة ساعات التغذية، والعمل على ضمان خصولهم عليها خاصةً في ظل شهر الصيف اللاهب الذي يتربص وينتظر.

ألا يسعى المتنافسون على السلطة لتوفير أسباب العيش الكريم للمواطنين، فيوفرون أو يدعمون السلع الغذائية، ويرفعون من مستوى خط الفقر الذي يعاني منه أغلب الفلسطينيين، فلا تعود هناك شكوى، أو بيوتٌ معدمةٌ فقيرة، ولا يقوم مواطنٌ بحرق نفسه وأهله، أو الموت يأساً والانتحار عجزاً، أو نصب خيمةٍ والاعتصام أمام منزلِ أو مكتبِ مسؤولٍ أو وزير، محتجاً على عجزه، وثائراً على فقره، وعدم قدرته على توفير لقمة العيش له ولأسرته، في الوقت الذي لا ترحمه السلطة الحاكمة، ولا تعفيه من الرسوم والضرائب.

لكن الغريب في الأمر أن التنافس الحادث بين الساعين للسلطة، واللاهثين وراءها، إنما هو فيما يكره الشعب ولا يحب، وهو فيما يعيب ويشين ويخزي، فهو إما في تنسيقٍ أمني مقيتٍ مع العدو، وتبادلٍ مخزيٍ للمعلومات معه، تضر بسلامة المواطنين وأمن الوطن، أو في سباقٍ محمومٍ في السجن والاعتقال والتوقيف والاستدعاء والاستجواب، أو في فرضِ المزيد من الضرائب، أو في اقتناص السيارات والتربص بها، وتحرير المخالفات بحق أصحابها، أو حجزها ومنع حركتها إكراهاً لمالكها أن يدفع، أو يبيع ويخلص.

ألا يحق لنا أن نتساءل عن أسباب هذا الصراع ودوافعه، وعن الجهات التي تحركه، وعن سر التمسك بالسلطة، والخوف من فقدانها، رغم أنها عبئٌ ومسؤولية، وأمانةٌ يحاسب القائمون عليها، وقد يأتي يومٌ فيه يحاكمون ويعاقبون، إذ في ظل غياب محددات السلطة، وعلامات السيادة، وأمارات القوة وشروط الدولة، فلا معنى لحاكمٍ، ولا قيمةَ لمسؤول، ولا شأن لرئيسٍ، حتى يكون لنا دولةٌ ووطنٌ، ورايةٌ وسفارةٌ وعلمٌ.

بيروت في 2/5/2015

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

[email protected]

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط