كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

يسري الغول ينتقد التشرذم الفلسطيني تحت الاحتلال

يسري الغول ينتقد التشرذم الفلسطيني تحت الاحتلال

تاريخ النشر: 2024-02-04 | 11:28

"ملابس تنجو بأعجوبة" هي الرواية الثالثة، بعد "غزّة 87" الصادرة عام 2017، و"مشانق العتمة" الصادرة عام 2021، للقاصّ والروائي الفلسطيني الغزاوي يسري الغول، وقد صدرت عن المؤسّسة العربية للدراسات والنشر في بيروت، وكتبها بين عامي 2021 و2023، وعدّل في بعض أحداثها، بعد اندلاع معركة "طوفان الأقصى" والحرب الإسرائيلية على غزّة، المستمرّة منذ أكثر من أربعة أشهر. ولا بد من الإشارة، في هذا السياق، إلى أنّ الغول، القاصّ والروائي والناشط الفلسطيني الذي صدرت له ستّ مجموعات قصصية وثلاث روايات، هو أحد ضحايا هذه الحرب التي أدّت إلى تدمير بيته، بعد مغادرته ببضعة أيام.

في "ملابس تنجو بأعجوبة"، يخوض الغول في المسكوت عنه في الأدب الفلسطيني، ويقوم بنقدٍ حادٍّ للصراع المعلن والمستتر بين السلطة الفلسطينية وحركة "حماس" محمِّلاً إيّاهما مسؤولية تردّي الواقع القائم، ويحاكم "الفلسطيني، فرداً ومؤسسة، حزباً وجماعة، إسلامياً أو علمانياً أو يسارياً، قبل أن يحاكم إجرام الاحتلال الصهيوني"، على حدّ تعبير الروائي والأكاديمي الفلسطيني حسن القطراوي، على الغلاف الأخير للرواية.

سؤال التوقيت

ولعلّ السؤال البديهي الذي يطرح نفسه، في هذا المجال، يتعلّق بتوقيت المحاكمة ومدى عدالتها، في الوقت الذي يتعرّض فيه المتّهم لحرب إبادة، تشنّها عليه أعتى آلة عسكرية في التاريخ، وسط تواطؤ القوى العظمى، الخفيّ والمعلن، أو صمتها المطبَق، على الأقل. فهل يمكن محاكمة الضحية في الوقت الذي يعيث فيه الجلاّد قتلاً وتدميراً وإبادة؟ غير أنّ مرور عشر سنوات على الأحداث المرصودة في الرواية من شأنه أن يخفّف من وطأة التوقيت المذكور.

رواية غزة (المؤسسة العربية)

تجري أحداث "ملابس تنجو بأعجوبة"، في عام 2014، خلال الحرب التي شنّها الاحتلال على غزّة في 7 يوليو (تموز)، واستمرّت واحداً وخمسين يوماً، أسفرت عن سقوط 2322 شهيداً و11 ألف جريح. وتدور في مدرسة رسمية اتُّخِذت مركز إيواء للنازحين. ففي هذين الفضاءين، الزماني والمكاني، يشخّص الغول الأعطاب التي تعتري الواقع الفلسطيني، ويخوض في المسكوت عنه، من خلال رصده العلاقات بين شخوص الرواية، وردود أفعالهم على العدوان الغاشم، وتفاعلهم في ما بينهم. وهو ما ينخرط فيه، كلٌّ من موقعه، الضابط كاف، الوزير علاّم البكير، الكاتب سعيد رافع، حارس العمارة هادي المفعوص، الشاب المتمرّد مازنجر، وآخرون.

تتموضع الشخوص المذكورة بين سندان المحتلّ الذي يمعن في القصف والقتل من دون رادع، والمحتلّة أرضه الذي يمعن في الانقسام من دون شعور بالمسؤولية. ويتجاذبها حدّان اثنان؛ حدّ الحركة الدينية المتشدّدة التي تحكم غزّة، وحدّ السلطة الرسمية التي تحكم الضفّة الغربية. وبين الحدّين يحتدم الصراع بين شخصية وأخرى، من جهة، وداخل الشخصية الواحدة، من جهة ثانية، مما يعني أنّ أياً منها لا يذهب إلى الأقصى في موقفه وسلوكه، ويترك للصلح مطرحاً، حتى ولو كان أقرب إلى هذا الحدّ أو ذاك. وعليه، نرى أن الضابط كاف أقرب إلى الحركة الدينية، والوزير علّام أقرب إلى السلطة، والشخوص الأخرى تتراوح بين الحدّين.

أعطاب الحركة

في الحدّ الأوّل، يمثّل الضابط كاف الحركة الحاكمة في القطاع، وتُناط به مهمّة بسط النظام في مركز الإيواء. وهو، خلال تنفيذ المهمّة، كثيراً ما يتنازعه الضابط والإنسان. فكاف الضابط لا يتورّع عن إطلاق النار على شابٍّ غاضب في غمرة القصف، واستدعاء رفاقه لضرب أصحاب المواشي الرافضين إخراجها من المركز، وإطلاق النار على هذه الأخيرة، وإعطاء الأمر بضرب حارس العمارة هادي المفعوص وإصابته بكسور في يده ورضوض في جسده، والتحقيق مع رامي/ مازنجر وإطلاق النار على قدمه، وسواها من السلوكيات. أمّا كاف الإنسان فيعترف، في لحظة صدق مع الذات، بداخله الهشّ خلافاً لخارجه الجهم، يكتب الشعر، يرسم، يحبّ الحياة، يرفض القتل ويمتنع عن تنفيذ أوامر القيادة بتصفية المفعوص ومازنجر، يتجاذب أطراف الحديث مع نزلاء المركز، وينخرط في نوبة بكاء بعد استشهاد عددٍ من الأطفال، صبيحة العيد. وهو يدرك أخطاء جماعته وازدواجية شيوخها، ومع هذا، لا يتورّع عن حرق دفاتر الوزير لأنها تفتح الصندوق الأسود للجماعة. وبذلك، يغلّب انتماءه السياسي على جلاء الحقيقة، وهو ما تقوم به سائر الحركات والأحزاب السياسية.

 أعطاب السلطة

 في الحدّ الثاني، يمثّل الوزير علّام البكير السلطة الحاكمة في الضفّة، ويذكر في مذكّراته تقلّبه بين المراحل المختلفة؛ فهو، في شبابه، ينتمي إلى الجماعة المتشدّدة، وينخرط في أنشطتها المشبوهة التي ترفض الرأي الآخر وتكفّر المخالفين وتنكّل بالمعارضين، ويشارك في ضرب النساء والرجال ومهاجمة التجمّعات والمنتجعات السياحية والفنادق وحرق الصيدليات اليسارية والمكتبات، في حملة تجهيل ممنهجة للقطاع، باسم الدين. وإذ يكتشف أنّ الجماعة أداة للتفرقة والانقسام، يخرج منها ويلوذ بمرسمه وريشته وألوانه التي تصالحه مع العالم. وهو، في مرحلة لاحقة، يتقرّب من السلطة ورئيسها، في محاولة للحصول على موقع فيها، وحين يتم له ذلك يستغلّ الموقع للترويج لفنّه ولوحاته، وحين يكون عليه الاختيار بين السلطة والحبّ يختار الأولى، ويعترف بذلك بالقول: "كنت وضيعاً، أنانياً، أريد أن أصنع اسماً يتردّد صداه في كلّ مكان، لم أهتم للأطفال أو خديجة أو هيلين" (ص162). ولعلّ تعرّضه لابتزاز الأجهزة الأمنية التي تستخدم الأساليب القذرة للإيقاع بالوزراء والتشهير بهم يدفعه إلى تشبيه السلطة بالعصابة. لذلك، لا يتورّع، في مذكّراته، عن توجيه نقدٍ حادٍّ لها، كما فعل مع الحركة المتشدّدة. وهو، في مرحلة أخرى، يتوزّع بين زوجته العاقر خديجة وعشيقته الصبية هيلين، حتى إذا ما حملت الثانية منه وعرضت عليه الزواج، يدفعه الخوف على موقعه للتنكّر لها. وحين تأتيه بابنته الصغيرة، يوهم زوجته أنه عثر عليها أمام المسجد، ويقنعها بتبنّيها. وبذلك، تجتمع فيه مجموعة من الأعطاب يحاول التكفير عنها بكتابتها في مذكّراته. ويأتي استشهاده مع زوجته، خلال الحرب، ليمنحه صكّ براءة ممّا ارتكب.

على أن استشهاده في منطقة خاضعة لنفوذ الحركة يدفع إلى الاستنتاج أنّ المحتلّ لا يميّز بين فلسطيني وآخر، بين سلطوي وحَرَكي، فالجميع أهداف له. ومن خلال هاتين الشخصيّتَيْن، يشير الغول مباشرةً إلى أعطاب الواقع الفلسطيني، بقطاعه وضفّته، بسلطته ومعارضته، المتمظهرة في التعصّب ورفض الاختلاف والتكفير والازدواجية والقمع، من جهة، والتسلّط والاستحواذ والأنانية والانتهازية وصرف النفوذ، من جهة ثانية.

 محاكمة وإدانة

إذا كانت الشخصيتان المذكورتان نموذجين للعسكري والسياسي في الواقع الفلسطيني، فإنّ شخصيات أخرى، تتموضع بين الحدّين الأوّل والثاني، تمثّل المثقّف والمسحوق والمتمرّد، في هذا الواقع. ولكلٍّ منها دورها في مجرى الأحداث؛ فسعيد رافع نموذج الكاتب الذي يرصد المدينة بتفاصيلها، ويقوم بتعرية الواقع وتفكيك أعطابه. لذلك، ينزل إلى الميدان، ويجمع نثار حكاياته من بؤس الناس ومعاناتهم، ويقوم بتحويلها إلى قصص وروايات. وهو، إذ يفقد مخطوطاً روائياً ومشاريع قصص في شقّته المهدّمة ويعثر على دفتر مذكّرات جاره في العمارة الوزير علّام، يقرّر كتابة الرواية المفقودة مستفيداً من تلك المذكّرات. وهو، في سلوكه، أمينٌ على وظيفة المثقّف، فيمارس التفكير النقدي للسلطة الحاكمة باسم الدين، من جهة، ويتعاطف مع المسحوقين والفقراء والمتمرّدين، من جهة ثانية.

وهادي المفعوص نموذج للشابّ المُعدَم، يدفعه فقره للعمل حارس عمارة، يراقب الجميع، ويتسقّط الأخبار، ويُسخّف كلّ شيء حوله. ولعلّه يفعل ذلك انتقاماً من ظروفه المادية. وهو شهادة على التناقض الكبير بين ما يطفو على سطح المجتمع من بطولات، وما يعتمل داخله من مآسٍ. غير أنّ نزوعه إلى الثرثرة الدائمة يجعل الممسكين بزمام الأمور يفكّرون في التخلّص منه، فتلفّق له التّهم، ويتمّ التحقيق معه وتعنيفه، حتى إذا ما أوشكت الأمور أن تعود إلى نصابها، يفرّ إلى الضفّة الغربية.

أمّا رامي/ مازنجر فهو نموذج للشابّ الذي تتواطأ عليه الظروف القاسية، المتمثّلة بموت والديه، ووضع عمّه يده على الإرث، وسرقة نصّابٍ محترف ماله القليل، وافتقاره إلى الدعم السياسي، وعدم حصوله على فرصة عمل. غير أنّه يقاوم الظروف بما ملكت يداه، فينشئ كشكاً صغيراً يعتاش منه، وينام في بيت مهجور عند أطراف المخيم، ويتبلور لديه وعيٌ سياسي حاد، فيعلن التمرّد على السلطات، على أنواعها، الدينية والسياسية والعسكرية والاجتماعية، ويمارس حياته ورغباته بلا خوف، ويدفع ثمن هذه الممارسة. غير أنه، حين يبدي شجاعة فائقة في مساعدة الآخرين معرّضاً نفسه للخطر، يتحوّل من منبوذ إلى بطل يخطب ودّه الجميع، حتى أنّ الضابط كاف يعرض عليه الزواج من أخته.

هكذا، ومن خلال هذه الشخصيات وغيرها، يصوّر الغول في روايته حياة النزوح وما يحفّ بها من بؤس وقلق وخوف وشظف عيش وقمع وإذلال وصراع وغيرها من الأعطاب التي تطفو على السطح. وهو، إذا كان في هذا التصوير يحاكم الواقع الفلسطيني، فإنّ هذه المحاكمة تشكّل، بالتأكيد، إدانة صارخة للاحتلال، والقوى العظمى، شاهدة الزور على الجرائم المتمادية.

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط