كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

ي‍َ‍ن‍َ‍اب‍ِ‍يعُ بدايات، م‍ُنْحَنَيَاتُ حَيَاةٍ‍، و‍َ‍ م‍َ‍آلات

ي‍َ‍ن‍َ‍اب‍ِ‍يعُ بدايات، م‍ُنْحَنَيَاتُ حَيَاةٍ‍، و‍َ‍ م‍َ‍آلات

تاريخ النشر: 2022-02-12 | 16:15

"بَوحٌ أوَّل" 

I 

"لشدًّةِ ما اشتغلتُ على القناع، وعلى تجلياته في الحياة والأدبِ والفنِ،  

وجَدتني عاجزاً، بتاتاً، عن امتلاكِ ما أُخفيه" 

كانَ ‍الطِّفلُ الذي كُنتُهُ ‍قد أ‍َ‍ك‍ْ‍م‍َ‍ل‍َ، للتَّو‍ِّ‍، مسيرة ص‍ُ‍ع‍ُ‍ودٍ مُر‍ْ‍ه‍ِ‍قٍ صوبَ رأسِ تلَّة رمليَّة تقعُ على حافَّة 

شاطيءٍ لا تكفُ موجاتُ ‍ب‍َ‍حْرهِ ‍عن إرسال ‍الأصوات و‍الإشارات‍ والنَّسائم، فيما ثلاثُ طائرات حربيَّة 

إسرائيليَّة تُحلِّق في السَّماء، على عُلوٍّ مُنخفصٍ، مُرْسِلةً هديرها الصَّاخب في جميع الأرجاء وهي تُلقي 

أوراقاً مُلوَّنةً تبيَّنَ، فيما بعدُ، أنَّها مناشير مكتوبة بلغةٍ عربيَّة ركيكةٍ تدعو النَّاسَ إلى ‍الاستسلام ورفع 

الأعلام البيضاء‍. وعلى الجهة المُقابلة لهذه التَّلَّة، كانَ ثمَّةَ ثلاثُ دبَّاباتٍ تحتلُّ رأسَ تلَّةٍ رمليَّةٍ ت‍َ‍ت‍َ‍وارى 

خَلْفَ "جُمْيَّزة‍ٍ‍" و"توتةٍ" تُواريان خَلْفَ أَغْصَانِهِمَا‍ الكثيفة المُثقلةِ بأوراقٍ خضراءَ، وثمارِ تينٍ شآميٍّ 

أحمرَ وفِرْصَادٍ تميلُ حُمْرتهُ الق‍َ‍انية‍ُ‍ إلى س‍َ‍واد‍ٍ‍، بيتاً صَغِيراً ‍هو بمثابة جزءٍ من طابق أرضيٍّ لبيتٍ 

رماديٍّ كانَ قيدَ‍ الإنشاءِ‍، وقد أُريدَ لهُ أنْ يتكوَّن من طابقين أو أكثر، إلاَّ أنَّ إرساءَ جميع أساساته، 

وتجهيز طابقه الأرضي للسُّكنى لم يَكُونا قد اكْتَمَلا بَعْدُ. 

*** 

يتكوَّن‍ُ الجُزْءُ شِبْه المكتمل‍ِ من ‍الطَّابق الأرضي الذي حُوِّلَ على عجلٍ إلى مَسْكنٍ صغيرٍ لأسرةٍ كبيرةٍ 

تضمُّ أُمَّاً ترمَّلت بفقدِ ربِّ الأسرة قبل نحو عامين، ولمَّا تكن قد تجَاوزت الأربعين من عمرها، وثمانية 

أولاد وبنتين تتراوحُ أعمارهم ما بين الخمسة وعشرين عاماً وأربعة أعوامٍ ونصف العام، يتكوَّنُ هذا 

الجُزْءُ من مُدْخَلٍ مستطيل متوسط المساحة ذي باب حديديٍّ ينفتحُ على شُرفة واسعة تُطلُّ من 

عُلوٍّ يربو على الأربعة أمتارٍ على "شارع النَّصر"، وعلى الجانب الأيمن من هذا المُدخل يَقَعُ سُلَّمٌ 

حجري يقودُ إلى السَّطح العلوي، وممرٌ قصير يُفضي إلى ممرِّ آخر تتوزَّعُ على جانبيه ‍ثلاث غرفٍ‍؛ 

اثنتين للنَّومِ، وواحدة لاستقبال الضُّيوف، وصالة واسعة نسبيَّاً، وحمَّامين تعلوهما سُدَّة‍ٌ ذاتُ باب 

صغير يقعُ في الجزء العلوي من الحائط الأيسر ‍لمطبخ واسع تمَّت تهيئة بتشكيلات متنوِّعة من "

المازيكو" المائل إلى الحُمره و‍ألواح ‍الرُّخام ‍الأرجوانيِّ. وتنفتحُ إحدى غرف النَّوم، وغرفة الاستقبال، 

 

والمطبخ الواسع، والصَّالون العريض الممتدِ باستطالة لافتة والذي هو بمثابة قاعة متعدِّدة 

الأغراض يجري فيها تناول الطَّعام وإكمال الواجب المدرسي إلى جانب حوائجِ عيشٍ أخرى، على أربع 

شُرفات تحيطُ بالبيت من الأمام، ومن اليمين واليسار، مُظَلَّلةً بشجيرات فُلٍّ وياسمين تتسلَّق 

أغصانها ال‍مفعمة‍ُ بالزَّهور اليانعة، بيضاءَ وصفراءَ، أعمدة الشَّرفات عبر شَبَكاتٍ من أخشابٍ رفيعةٍ 

وحبالٍ وأسلاكٍ تتيحُ لها أنْ تتدلَّى على الجدران و‍الشَّب‍اب‍ي‍ك ليتضوَّعَ أريجُ عطرها الشَّآمي في أرجاء 

الحديقة وأنحاء البيت متمازجاً مع أريج "الحنَّاء" و"الفتنة". 

أما الحائطُ الخَلْفِيُّ، المُطلُّ على ‍ح‍َ‍ديقةٍ واسعةٍ تَعْمُرها أشجارُ فواكه وحمضيات وأشجارٌ مثمرةٌ 

أخرى، كالنَّخيل والجوَّافة والسَّفرجل والعنَّاب، وشجيراتُ زهورٍ وورودٍ، وأشتالُ نباتاتٍ، وخضرواتٌ 

متنوِّعة، فيما تتوسَّطُ حيِّزها الشَّمالي الغَربيِّ بركةُ ماءٍ تأخذ شكلَ نجمة ثُمانيَّة ذات نافورات، ‍فقد 

تُرِكَ بلا مَحَارة خارجية تَقِيهِ وتُزَيِّنه، فظلَّتْ أسياخٌ حديديةُ مُدَوَّرة تُطلُّ برؤوسها من ثناياهُ، وكأنَّما 

هي تتهيَّأُ لاستقبال ما سيُدْخ‍َ‍لُ على البيت من إضافاتٍ تُكْمِلُ إنشاءَهُ حينَ مَيْسَرة.  

وعلى بُعدِ ‍بضعة ‍خطواتٍ من بركة الماء، كان ثمَّة "حظيرة" هي أشبهُ ما تكون بكوخٍ خشبيٍّ أو بيتِ 

حياةٍ صَمَّمتهُ الأمُّ، وأشرفت على تنفيذه، وهيَّأته من الدَّاخل ليضمَّ في رحابه الواسعة "بيوت حياة" 

هي ‍أعشاسٌ وأقفاصٌ وأقنانٌ وأشكالٌ أخرى ‍تَعدَّدت تصاميمها‍،‍ وتنوَّعت لوازمها وملحقاتها‍، وتباينت 

مواضعُ وضعها‍،‍ لتُلبِّي حاجات أنواع عديدة من الطيور الدَّاجنة والحيوانات التي ج‍َ‍ع‍َ‍ل‍َ‍ت‍ِ الأمُّ من 

تربيتها وتنميتها هواية مُحبَّبةً من قبل أنْ تتحوَّل هذه الهواية إلى حاجةٍ عمليَّة ماسَّة، أو إلى ‍مهنة 

منزليَّة ‍أملاها العَوزُ المُسَيَّجُ بالكرامة والكبرياء، ومتطلباتُ العيشِ الأساسيَّة التي يحول دون تأمينها "

ضِيقُ ذاتِ يَدٍ" يُمْعنُ في التَّقلُّص والضِّيق! 

أمَّا على الجانب الأيسر من هذا البيت ‍الصَّغير، المُحاط بحديقة تعهَّدتها الأمُّ الفتيَّةُ‍ الواعيِةُ الصَّارمةُ 

بعنايةٍ حثيثةٍ‍، وتنسيقٍ جماليٍّ لافت، والمُشْرِفِ من عُلُوٍّ على "شارع النَّصر"، فقد كانَ ثمَّة بيتٌ 

مكتملُ الإنشاء، مكونٌ من طابقين، ويلي سوره العالي طريقٌ عريضٌ يتجه غرباً باتجاه الشَّاطي، وشرقاً 

باتجاه حيِّ الشِّجاعيَّة وجبل المُنْطَار، مُروراً، بأجزاء من حيِّ الرِّمال، والأماكن والأحياء الأخرى، 

كمدرستي "فلسطين" و "اليرموك" وحارتي "التَّفاح" و"الدَّرج"، و"جامع السيد هاشم" و"قبر شمشون"

، و"مدرسة الزَّهراء"، و"الجامع العمري الكبير"، و"المدرسة الهاشميَّة" التي تقعُ عَلَى تلَّة الزَّهراء 

المُحاذية ‍لحيِّ الشجاعيَّة، الأشهر بين أحياء مدينة غزَّة، والذي هُو مِسْقَطُ رأس كاتب هذه السُّطور.  

وعلى الجَانب الأيمن من البيت، حيثُ تمتدُّ عرائشُ العنب الأحمر والأسود والأخضر والأبيض‍، 

متبوعةً، على امتداد السُّور الحجري، بأشجار برتقال يافاوي وكلمنتينا ومندلينا وخشخاش وليمون 

وزيتون وسفرجلٍ وعِنَّاب، فيمتدُّ شارعٌ صغيرٌ متوسطُ العَرض ينتهي من جهة الغرب بالتَّقاطع مع 

شارع يتحاذى، لمسافة محدودة، مع "مُعَسْكَرٍ للاجئين الفلسطينيين المسيحيين" ويُمتدُّ باتجاه 

شمال مدينة غزَّة في مُحاذاة "مُعَسْكر الشَّاطئ للاجئين الفلسطينيين" اللَّذين أنشأتهُما، في 

خمسينات القرن الماضي، وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، وصولاً إلى بلدة "

جباليا" ثمَّ "بيت لاهيا" التي تقعُ على تخوم الأرض الفلسطينيَّة التي تمَّ احتلالها من قبل العصابات 

الإرهابيَّة الصُّهيونيَّة في حوالي منتصف العام 1948، ليُنشأ عليها كيانٌ ا‍حتلالي استيطانيٍّ بات يُسمَّى

: "دولة إسرائيل"! 

وعلى الجهة الموازية لهذا الشَّارع الصَّغير الذي يمتدُّ لمسافة تربو على خمسة دونمات، أقامت 

الأونروا، على عجلٍ، مدرسةً (ابتدائيَّة) للذُّكور أُطلقت عليها اسم "مدرسة غزة الجديدة"‍، كما 

أقامت على الجانب المُقابل من "شارع النَّصر" الذي تُطلُّ عليه هذه المدرسة من جهة الشَّرق، 

مدرسة (إعداديَّة) أُخرى، بالاسم نفسه وللذكور أيضاً، تُطلُّ عليه من جهة الغرب، ‍فيما كانت 

مدرستان للإناث قد أُقيمتا‍ على حافَّة "مُعسكر الشَّاطيء‍" ل‍ِ‍ت‍ُ‍ط‍ِ‍لَّا على الشَّارع الموازي لشارع النَّصر 

من جهة الغرب، وهو الشارع الذي كان قد أُطلق عليه فيما أذكرُ، الآن، اسم "شارع الشِّفاء"، وما 

ذلك إلا لأنَّهُ يمتدُّ جنوباً حتى يصلُ "مستشفى الشِّفاء" الشَّهير أيضاً، ليتجاوزهُ وصولاُ إلى شارع "

عُمر المُختار" حيثُ يقعُ مبنى "المجلس التشريعي" الذي يرتفعُ أمامه، في نهاية ممر عريض يفصل 

بين اتجاهي الشارع في ما يُشبه حديقة عامَّة، تمثالُ "الجندي المجهول".  

*** 

كان تمثالُ "الجندي المجهول"، الذي لم يكفَّ كاتب هذه السُّطور طوال سنوات طفولته وفتوَّته عن 

مجالسة أصدقائه تحت قدميه، قد بُنِيَ في العام 1957 فوق قبر جنديٍّ فلسطينيٍّ مجهول. وخلال 

حرب حزيران 1967، دمَّرَ جيش الاحتلال الإسرائيلي هذا النُّصب التِّذكاريِّ الذي أمدَّ أهل غزَّة بأملٍ 

ينبعُ من مغزى استمراريَّة وجوده ونُبل دلالته. وفي العام 2000، أعادت السُّلطة الوطنية 

الفلسطينية بناءَهُ، فظلَّ منتصب القامة، مشدود السَّاعد قابضاً على سلاحه الموجَّه صوبَ مُحتلِّي 

فلسطين من اليهود‍ِ المُصَهْيَنينَ المُحَوسَلِينَ ‍الذين جيء بهم إليها من أبعد بعيد، إلى أنَّ قصفته 

الطائرات الحربية الإسرائيلية في كانون الأول (ديسمبر) 2005 فلم يُدَمَّر تماماً، غير أنَّه تعرَّض 

للقصف، مرَّة ثانية، أو ربَّما للتَّفجير من قبل عناصر حركة إسلامويَّة مُتزمِّتة ‍آ‍يديولوجيَّاً، في 

حزيران (يونيو) 2007، فنهضت بلدية غزَّة بإعادة بنائه من جديد بوصفه مَعْلماً لا تكتملُ صورة 

غزَّة إلا بانتصاب قامته العالية وسطَ أجمل ميادينها، وأكثرها بهاءً، وعُلوَّ شأنٍ، وقيمةٍ، ومغزى 

وجود.   

(يتبع) 

×
أخبار
تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط