كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

يوميات مواطن عادي (69) نتائج الانتخابات... والنقد الذاتي

يوميات مواطن عادي (69) نتائج الانتخابات... والنقد الذاتي

تاريخ النشر: 2017-05-16 | 09:04

قد تبدو عبارة (النقد الذاتي والنقد) غريبة الى حد ما في أيامنا هذه، لكنها كانت واحدة من اهم أبجديات العمل النضالي الثوري في سبعينات وثمانينات القرن الماضي. حين عرفت العبارة لأول مرة خلال فترة اعتقالي منتصف ثمانينات القرن الماضي كثيراً ما كنت اقرأها وأَنطقها بصورة مقلوبة (النقد والنقد الذاتي) خلال الحلقات التوعية والتثقيف الوطنية والحزبية التي كان قدامى المعتقلين وقيادات العمل الوطني من مختلف الحركات والاحزاب داخل المعتقلات يحرصون على انتظام عقدها، خاصة بالنسبة للمعتقلين الجدد وصغار السن. وكانوا يهتمون بأدق التفاصيل لبناء وعي الشباب وعلى أسس متينة، وحتى في كيفية استخدام العبارات، وشرح معانيها وأهميتها في السياق التنظيمي الداخلي والوطني، ونهج العمل الذي يجري السير عليه والتقيد به بصورة حازمة وصارمة.

كان قائد الجلسة سرعان ما يتدخل للتصحيح في كل مرة أَنطق العبارة بصورتها الأكثر سلاسة بالنسبة للنطق (النقد والنقد الذاتي) ويطلب مني بإصرار قراءتها (النقد الذاتي والنقد)، ويمعن في شرح أهمية قيام الحزب الثوري بممارسة اسلوب النقد الداخلي، والمراجعة المستمرة لخططه وإنجازاته وطريقة أدائه وعلاقاته الداخلية ومع جماهير الشعب. وكان يصر على هذا الترتيب للعبارة من الناحية النظرية. اما عملياً فكان يحرص دائماً عند وصولنا هذا البند من جدول اعمال حلقة النقاش الاسبوعية للأوضاع التنظيمية الداخلية على أن يتناول كل منا النقد بدءاً من نفسه أولاً وأمام الآخرين، وبعد الانتهاء من ذلك ندور في دوره أخرى لتوجيه النقد للآخرين بصورة مباشرة وصريحة. وكان يسهب في شرح المعنى والأهمية التي يكتسبها موضوع قيام الانسان نفسه بمراجعة سلوكه وعمله اولاً وقبل أن يراجعه وينتقده الآخرين، وكذلك الحال بالنسبة للحزب قبل ان تنتقده الجماهير. كان دائما يكرر ان هذا هو أحد أهم مفاتيح بناء وتطور شخصية الانسان الفرد، وبناء الاحزاب والحركات الثورية وقدرتها على التعبير عن جماهيرها وقيادتها نحو التغيير.

بدون الغوص أكثر في المعنى والتفاصيل فإن القارئ والمدقق في التاريخ البشري يكتشف أن لهذه العبارة ومضامينها مفعول "السحر" في المحطات المفصلية في تاريخ الشعوب والحركات والقوى التي تركت بصمات واضحة في هذا التاريخ. صحيح أن استخدام المفهوم والمعنى شاع على يد الأحزاب اليسارية، خاصة بعد ثورة اكتوبر الاشتراكية عام 1917، إلا أننا قد نجد معنى ومضمون مشابه لها في تاريخ حركات وأحزاب وقوى كثيرة على مدار التاريخ، تحضرني الآن على سبيل المثال لا الحصر العبارة الشهيرة التي قالها عمر بن الخطاب "لو عثرت دابة في العراق، لخفت أن يسألني الله عنها".

ممارسة النقد الذاتي على أرض الواقع، أسهم دوماً في زيادة شعبية القادة وحركاتهم واحزابهم وزيادة الدعم والالتفاف الجماهيري حولها، وهو ما مكنها من لعب دور ملموس في سياق تطور مجتمعاتها. وبالنسبة للأحزاب والقوى في مجتمعنا فان فترة نهوضها وزيادة قوتها ونفوذها في اوساط المجتمع منذ منتصف السبعينات هو الذي مكنها مثلاً من الفوز في انتخابات المجالس البلدية عام 1976 رغم أنف الاحتلال، ولاحقاً فوزها في انتخابات المؤسسات والنقابات والنوادي ومجالس الطلبة في كل انحاء الوطن.

دارت هذه الأفكار والذكريات في رأسي وأنا أتابع سلسلة نتائج الانتخابات خلال الأسابيع الأخيرة، سواء انتخابات مجالس طلبة الجامعات والمعاهد التعليمية، أو انتخابات مجالس الهيئات المحلية في الضفة الغربية وردود الفعل المختلفة، وخاصة في أوساط القوى والأحزاب السياسية المختلفة المتنافسة. حيث كانت السمة الأبرز لدى معظم القوى والأحزاب هي التراجع في النتائج التي تحرزها، مقارنة بسنوات أو دورات انتخابية سابقة، بل ان بعض الأحزاب والقوى لم تتمكن في بعض الأحيان من اجتياز "نسبة الحسم" للحصول على تمثيل في الهيئة المنتخبة. أما العنوان الأشمل والأوسع فهو التراجع على المستوى العام في نسب المشاركة في الانتخابات من قبل الفئات والشرائح المعنية.

استمرار مسلسل التراجعات يعني في مجمل ومضمون ما يعنيه بالنسبة للمواطنين عموماً بشرائحهم المختلفة هو تراجع الثقة بالأفكار والأدوات والأساليب للقوى والأحزاب المختلفة وقدرتها على التعبير والتمثيل الحقيقي لمصالح هذه الفئات والشرائح. أما الأمر الأكثر أهمية وخطورة في كل ذلك، فهو استمرار القوى والأحزاب منفردة ومجتمعة في التعامل مع هذه الحقائق كما هي. ودون ان تشكل بالنسبة لها محطة لنقد نفسها ومراجعة المناهج والأساليب وأدوات العمل. وهذا يعني انها في كل مرة تبحث عن اسباب الفشل في الآخرين، دون الذات.

لا أحد يتوقف مرة واحدة لممارسة (النقد الذاتي) سواء الفرد الواحد او داخل الحزب الواحد أو بين الأحزاب عموماً. وتستمر القيادات نفسها، وكذلك الحال بالنسبة للخطط والمناهج وأدوات العمل التي تكرر وتنسخ نفسها عام بعد الآخر، ويتراجع بريقها مع مرور الزمن والايام، حتى بالنسبة لأصحابها. وهكذا تتزايد الهوة مع الزمن. أما النقد الوحيد الذي نتقن ممارسته فهو نقد الآخرين، وتتحول الظروف، الواقع، الحلفاء، المنافسين، الجماهير... وغيرها من العوامل الخارجية هي الملوم والسبب الأساسي لكل فشل وتراجع. وتتحول ذات الحزب و/او القائد الى ذات مترفعة وأكبر من النقد الذاتي، بل يصبح نقدها من الآخرين بمثابة تعدي واعتداء على "قدسيتها".

ونحن نعيش في عالم صغير ونرى الواقع من حولنا، في المجتمعات الأخرى حيث يمكن أن يستقيل أحد الوزراء من منصبه بسبب خطأ ما يحمّل نفسه المسئولية الأولى عنه، ويعتذر مسئول آخر للشعب عن هفوة ارتكبها خلال عمله، ويسلم زعيم حزب مقاليد زعامة حزبه للآخرين عند فشل الحزب في تحقيق نتيجة مرضية... وغيرها أمثلة كثيرة. أما في مجتمعنا، وبدون الانتقاص من مكانة أو قيمة أو وتاريخ ودور أي قائد او حزب، فإن اهمال المراجعة الذاتية، فردياً وجماعياً، يفكك علاقة الثقة بين الحزب والمواطنين، وتتوالى حلقات مسلسل التراجع بصورة تشبه حبات المسبحة حين ينفرط عقدها.

خلاصة القول ان المراجعة الذاتية والنقد الذاتي، فردياً وجماعياً، بات ضرورة ملحة لكل القوى والأحزاب والهيئات والمؤسسات المجتمعية عموما اذا أرادت ان تعيد بناء الثقة الآخذة في الانهيار بينها وبين المواطنين عموماً. وبدون ذلك فإنها سوف تتحول الى عبئ على نفسها وعلى الوطن والمواطنين، وهو ما يضعها على مسار الاندثار والتلاشي.

 

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط