كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

يوميات مواطن عادي (76) المرأة الفلسطينية بين مطرقة الاحتلال .. وسندان الصورة النمطية

يوميات مواطن عادي (76) المرأة الفلسطينية بين مطرقة الاحتلال .. وسندان الصورة النمطية

تاريخ النشر: 2018-01-03 | 09:18

وصلني منذ عدة ايام وحتى البدء بكتابة هذه المقالة مئات من الرسائل عبر وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة تحتوي على تسجيل فيديو قصير، تظهر فيه صورة سيدة مسنة تقف وسط مجموعة من الحضور فيما يشبه وقفة احتجاجية او تظاهرة، وتظهر وسط التجمع يافطة لا يظهر التسجيل كلماتها او المكان الذي جرت فيه، وانما يظهر فقط التاريخ وهو التاسع من كانون اول الحالي. التسجيل يركز اساساً على السيدة وهي تحمل بيديها ميكرفون وتقوم من خلاله بإطلاق جملة من الشتائم والالفاظ تجاه العرب. ولاحقاً لذلك وصلني عدة رسائل اخرى تظهر نفس التسجيل وقد تم اجراء بعض التغييرات والمونتاج فيه ليظهر وكأنه حفلة موسيقية، تتكرر فيها نفس الشتائم بطريقة موسيقية.
تفاجأت حقيقة من سرعة انتشار هذا التسجيل وتداوله، الامر الذي يشير الى نوع من القبول والاستحسان الشعبي العام لما عرضه التسجيل. وحتى أضع النقاط على الحروف، ولكي لا تضيع الأمور عن مسارها الصحيح فإنني اود التطرق لبعض الملاحظات السريعة قبل الدخول لفكرتي الرئيسية من هذه المقالة.
اعتقد ان غالبية المتداولين للتسجيل لم يتسنى لهم التأكد من صحة التسجيل، رغم عدم صعوبة ذلك، كما لم يجري ايضا التدقيق في السياق الذي جرى فيه، والهدف من اقتطاع هذا الجزء من اجمالي التسجيل للحدث والسياق. كما اعتقد انه لم يقم احد ما بالتدقيق في مراعاة قواعد واخلاقيات النشر من حيث موافقة السيدة ومن يظهر معها في التسجيل على عملية النشر بهذه الطريقة.
الاهم من هذا كله باعتقادي، اذا افترضنا النية الحسنة لناشر التسجيل، ان المقصود بالشتائم التي تلفظت بها السيدة هي الانظمة العربية الرسمية ، وليس "العرب" عموماً. حيث يبدو في المزاج الشعبي العام الفلسطيني ان هناك احتراماً كبيراً للشعوب العربية التي خرجت بالملايين الى شوارع المدن والعواصم المختلفة للتعبير عن تضامنها ووقوفها الى جانب الشعب الفلسطيني وقضية. بعكس الشعور المتنامي تجاه الانظمة الرسمية التي تظهر العديد من المؤشرات على صمتها، ان لم نقل، تواطئها مع السياسة الامريكية والاسرائيلية تجاه القدس خاصة، والقضية الفلسطينية عامة.
اما الفكرة الرئيسية لمقالتي هذه فهي الصورة التي يعرضها التسجيل للمرأة الفلسطينية، هذه الصورة التي تعبر عن الذهن والفكر الجماعي للمجتمع الفلسطيني في نظرته الذكورية السائدة للمرأة الفلسطينية عموماً، والتي تنعكس من خلال وسائل الاعلام والمواد الاعلامية المختلفة. تظهر المرأة في ذلك التسجيل كإنسانة ساذجة، يائسة، لا تملك الوعي والمعرفة للحديث والتحليل واتخاذ موقف علمي وعملي تجاه القضية المطروحة، وتتصرف بانفعال مبالغ فيه وردة فعل، ويسهل استفزازها وجرها للتفوه بكلمات او عبارات وشتائم غير مألوف تداولها على الملأ وبهذه الطريقة. وكأن كل ما تملكه هذه المرأة من رصيد هو قدرتها على بث الحماس والتشجيع لدى الرجال الذي يسمعونها ويثير كلامها استحسانهم وضحكهم.
قد يكون من السهل لأي متمعن ومتابع لوسائل الاعلام الفلسطينية المختلفة ان يلاحظ تلك الصورة الاجمالية التي تشكلها وتعرضها للمرأة الفلسطينية ومشاركتها، حتى في ظل المواجهات والصدامات القائمة حالياً مع قوات الاحتلال. لاحظت خلال الايام الماضية ان النساء الفلسطينيات يتصدرن ليس فقط الحراك السياسي الرافض لقرار الولايات المتعلق بمدينة القدس، وانما يتصدرن ايضاً صفوف المواجهات والصدامات الميدانية مع قوات الاحتلال. وهو ما تظهره الصور والبث الميداني لكثير من وسائل الاعلام المحلية والدولية التي تتابع التغطية المباشرة للأحداث الميدانية. وتواجه النساء بأجسادهن واساليبهن المختلفة جنود القمع مثلاً على مداخل البلدة القديمة في القدس. ونرى يومياً ان اعداد النساء والفتيات المشاركات يفوق اعداد الرجال والذكور في احيان كثيرة.
وتشارك النساء والفتيات بفعالية في رفع الاعلام الفلسطينية والمواجهات وضرب الحجارة والتصدي لعمليات القمع، وفي العمل الاعلامي الميداني وعمليات اسعاف ونقل الجرحى وغيرها من العمليات الميدانية. وكان لافتاً مثلا صورة نائبة سابقة في المجلس التشريعي وهي تقود احدى التحركات في مدينة القدس وتعرضها للضرب والاعتداء من قبل الجنود، وصورة فتاة اخرى وهي تتصدى لمحاولات مجموعة من الجنود للاعتداء عليها بالضرب ومحاولة سحب العلم الفلسطيني من يدها، وتسجيل الفيديو لتلك السيدة التي تصدت للجنود الذين حاولوا الاعتداء على طفلها خلال احد الاعتصامات على احد مداخل مدينة القدس ليقوم الجنود باعتقالها لاحقاً... وغيرها الكثير من الامثلة. ورغم ذلك لم تحظى مثل هذه الصور بنفس الانتشار والتركيز التي حظي بها التسجيل الذي اشرت اليه اعلاه، بل مرت مثل هذه الصور مرور الكرام اجمالاً.
تشارك المرأة الفلسطينية بصورة مباشرة في النضال الوطني الفلسطيني وهي تتعرض للضرب والاعتقال والاصابة والقتل وكل اشكال القمع، تماماً مثلها مثل الذكور، هذا الى جانب كونها ام واخت وزوجة للشباب والاطفال والرجال الذين يتعرضون للقمع. ولكنها مع ذلك لم تحظى بالفرصة المناسبة لعرض هذا الصورة في الاعلام كفاعل وعنصر متساوي في الفعل العملي والميداني الى جانب الرجل. وبقيت صورتها تراوح في ذلك المكان الذي وضعتها فيه الثقافة الابوية الذكورية السائدة في المجتمع.
وعلى العكس من ذلك، ورغم هذا الاداء المتميز للمرأة الفلسطينية في مجرى النضال الوطني الفلسطيني، فإننا لا نعدم بعض الشواهد والمؤشرات التي تقلل من أهمية هذه المشاركة وتأثيرها. بل ربما نجد هناك من يجاهر علناً وصراحة بأنه ضد مشاركة النساء وخاصة في المواجهات مع قوات الاحتلال، بدل التقدير والتثمين العالي لهذه المشاركة وتحفيزها. وفي نفس الوقت الذي تتصدر فيه النساء والفتيات ميادين المواجهة فان هناك من يُجهد نفسه في مناقشات لا تصلح لان تكون على مستوى الحدث كأن يتحدث احدهم عن عدم فائدة مشاركة النساء في المظاهرات، او انتقاد طبيعة اللباس الذي ترتديه المتظاهرات.
تقول المقولة الشعبية الفلسطينية "الفعل لزيد والصيت لعبيد"، أي ان العمل الفعلي والحقيقي يقوم به "زيد"، في حين ينال "عبيد" الشهرة والسمعة الطيبة المناسبة على هذا العمل. وفي الوقت الذي تخوض فيه النساء غمار الميدان الفعلي للحدث بكل تفاصيله، فإنها لا تحظى بنفس الفرصة والتركيز في الظهور في الاعلام كفاعلة ومؤثرة. قلة قليلة من النساء تظهر في وسائل الاعلام عندما يأتي دور التحليل والتعليق السياسي مثلاً، ويحتل الذكور المساحة الأكبر في هذا المجال، وغيرها من المجالات الاخرى.
سرعة انتشار وتداول التسجيل المشار اليه اعلاه تشير الى ان هناك تكريس لصورة عامة نمطية للمرأة التي يتركز دورها في الخلفية الثانوية للأحداث، والتي لا تملك سوى التعبير عن الغضب من خلال الشتائم التي تنال اعجاب الرجال ويتداولونها بسرعة كبيرة جدا، وتتراجع صورة المرأة القوية المناضلة المشاركة الفاعلة في الميدان الى هوامش الاحداث والاخبار والتغطية الاعلامية. وحتى يثبت العكس فإنني اعتقد ان الصورة النمطية للمرأة ودورها لا تزال هي الصورة السائدة في وسائل الاعلام، وهو ما يمكننا الاستدلال عليه بالعين المدققة في تفاصيل هذه التغطية.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط