كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

يوم الحساب الانتخابي: حين تصبح الذاكرة الشعبية أقوى من الدعاية

يوم الحساب الانتخابي: حين تصبح الذاكرة الشعبية أقوى من الدعاية

تاريخ النشر: 2026-08-29 | 16:39

د حكمت نبيل المصري 
د حكمت نبيل المصري 

مع اقتراب الحديث عن الانتخابات، تبدأ القوى السياسية، بطبيعة الحال، في إعادة ترتيب أوراقها، واستعادة خطابها، ومحاولة تقديم نفسها للناخب باعتبارها الأقدر على تمثيله وقيادة المرحلة المقبلة. لكن الانتخابات لا تبدأ يوم فتح صناديق الاقتراع، بل تبدأ قبل ذلك بكثير؛ تبدأ من قدرة المواطن على استعادة ذاكرته السياسية، ومراجعة أداء القوى التي حكمت أو شاركت في صناعة القرار، ومساءلتها عن نتائج خياراتها خلال السنوات الماضية.

وفي هذا السياق، يصبح من الطبيعي أن تزداد حدة النقاش السياسي، وأن تظهر حملات نقدية متبادلة. غير أن المقلق هو أن تلجأ بعض القوى التي تشعر بأنها فقدت جزءاً من رصيدها الشعبي إلى التعامل مع الرأي الآخر باعتباره تهديداً، ومحاولة الضغط على النشطاء وأصحاب الرأي المؤثر، بدلاً من مواجهة الأسئلة التي يطرحها المجتمع.

فالانتخابات الحرة لا تحتاج إلى إسكات الأصوات الناقدة، وإنما تحتاج إلى أصوات أكثر، ونقاش أوسع، ومجال عام يسمح للمواطن بأن يسمع ويقارن ويحكم.

الخوف من الرأي الآخر

حين تخشى قوة سياسية من منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، أو من رأي ناقد، أو من ناشط يطرح أسئلة حول أدائها، فإن المشكلة ليست بالضرورة في الناشط، بل ربما في هشاشة الخطاب السياسي الذي تحاول تلك القوة الدفاع عنه.

القوى الواثقة من تجربتها لا تخشى النقد؛ لأنها تمتلك ما تقدمه للناس من إنجازات وسياسات ومواقف. أما حين يصبح الرد على النقد هو التخوين أو التشويه أو محاولة إسكات صاحبه، فإن ذلك قد يتحول إلى رسالة سياسية عكسية، مفادها أن هناك ما لا تريد بعض القوى للمجتمع أن يناقشه.

ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى حماية الحق في التعبير، لا إلى تضييق مساحات النقاش. فالناشط السياسي أو الاجتماعي ليس خصماً لمجرد أنه ينتقد، والمواطن ليس عدواً لأنه يطرح أسئلة صعبة.

السوشيال ميديا وذاكرة الناخب

لقد تغيرت طبيعة الحملات الانتخابية. لم يعد الناخب يعتمد فقط على الخطاب الرسمي أو المهرجانات أو البيانات الحزبية. أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي فضاءً لتوثيق المواقف، واستعادة التصريحات، ومقارنة الوعود بالنتائج، وفتح النقاش حول المسؤولية السياسية.

لكن قوة هذه المساحة لا تعني تحويلها إلى ساحة للتشهير أو نشر الاتهامات غير الموثقة. على العكس، كلما اقتربنا من الانتخابات، أصبح المطلوب من المواطنين والنشطاء أن يكونوا أكثر مهنية ومسؤولية: ملاحظات موثقة، أسئلة واضحة، نقد للأداء، ومقارنة بين ما قيل وما تحقق.

إن توثيق الفشل ليس كراهية، كما أن توثيق النجاح ليس دعاية. كلاهما جزء من الذاكرة السياسية التي يحتاجها الناخب حتى يتخذ قراره بعيداً عن الانفعال والتضليل.

الانتخابات ليست فرصة لتلميع الماضي

المشكلة أن بعض القوى السياسية قد تتعامل مع الانتخابات باعتبارها فرصة لإعادة تقديم نفسها من الصفر، وكأن السنوات السابقة لم تكن موجودة. لكن الناخب لا ينبغي أن يُطلب منه أن ينسى.

من حق المواطن أن يسأل: ماذا فعل الحزب عندما كان في موقع القرار؟ ماذا قدم عندما كان في المعارضة؟ ما هي مواقفه في الأزمات؟ ما الذي وعد به؟ وما الذي تحقق من وعوده؟ ومن يتحمل مسؤولية الإخفاقات؟

هذه الأسئلة ليست انتقاماً سياسياً، بل هي جوهر العملية الديمقراطية.

فالانتخابات، في معناها الحقيقي، ليست فقط اختيار من سيحكم، وإنما أيضاً تقييم من حكم، ومنح الثقة لمن يستحقها، وسحبها ممن فقدها.

يوم الحساب

إذا عُقدت الانتخابات في ظروف نزيهة وشفافة، فإن يوم الاقتراع سيكون، بمعنى سياسي عميق، يوم الحساب.

لن يكون الحساب على أساس الشعارات وحدها، ولا على أساس القدرة على تنظيم الحملات الانتخابية، وإنما على أساس ما تراكم في الوعي الشعبي من تجارب ومواقف ونتائج.

وإذا فشلت بعض الأحزاب أو القوائم في الوصول إلى نسبة الحسم، فإن الرسالة السياسية ينبغي ألا تُقرأ باعتبارها مجرد خسارة انتخابية عابرة. فقد تكون النتيجة مؤشراً على حاجة هذه القوى إلى مراجعة عميقة لبنيتها وخطابها وقياداتها وتحالفاتها، وربما إعادة تشكيلها أو تفكيك بنيتها التنظيمية بالشكل الذي يسمح بولادة قوى أكثر قدرة على الاستجابة للمجتمع.

وفي هذه الحالة، لا ينبغي أن تختفي التجربة من الذاكرة؛ بل تتحول إلى جزء من التاريخ السياسي، بإيجابياتها وسلبياتها، بإنجازاتها وإخفاقاتها، حتى تتعلم الأجيال القادمة منها.

فالانتخابات لا تقتل الأحزاب، لكنها تكشف حجم حضورها الحقيقي في المجتمع.

لا نريد انتخابات بلا ذاكرة

الخطر الحقيقي ليس أن ينتقد الناس الأحزاب والقوى السياسية، وإنما أن يدخل المجتمع إلى الانتخابات بلا ذاكرة.

فالمجتمع الذي ينسى سريعاً يمكن أن يعاد تشكيل وعيه بالدعاية، أما المجتمع الذي يوثق ويتذكر ويناقش ويقارن، فإنه يصبح أكثر قدرة على حماية خياره السياسي.

ولهذا فإن المطلوب من النشطاء والمثقفين والإعلاميين والمواطنين ليس إطلاق حملات كراهية ضد أي طرف، وإنما بناء ذاكرة سياسية موثقة ومحترمة.

لنكتب يومياً، ولكن بأدب.
لننتقد، ولكن بالدليل.
لنختلف، ولكن دون تخوين.
ولنضع أمام المواطن الحقائق والوقائع، ثم نترك له حق الحكم.

فالشعب لا يحتاج إلى من يقرر نيابة عنه من الفاشل ومن الناجح؛ يحتاج فقط إلى أن تُتاح له المعلومات، وأن تُحمى حريته في التفكير والاختيار.

وفي النهاية، قد تستطيع قوة سياسية أن تؤجل مواجهة أسئلة الناس لبعض الوقت، وقد تستطيع أن تتجاوز نقداً هنا أو منشوراً هناك، لكنها لن تستطيع إلى الأبد أن تتجاوز حكم صندوق الاقتراع.

فإذا جاءت الانتخابات، سيكون لكل حزب تاريخه أمام الناخب، ولكل قرار ثمنه، ولكل إنجاز رصيده، ولكل إخفاق مسؤوليته.

ويومها لن تكون القضية من استطاع أن يسكت الأصوات، بل من استطاع أن يقنع الناس.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط