كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

يومٌ في الناقورة على تخوم الوطن

يومٌ في الناقورة على تخوم الوطن

تاريخ النشر: 2016-07-10 | 08:08

تراءت من بعيدٍ كقلادة جيدٍ من ماسٍ وأسورةٍ من ذهبٍ، جميلةً زاهيةً مشرقةً ولو بليلٍ، وكأن الضياء منها ينبعث والنور من بين فجاجها ينبلج، جبالٌ ممتدةٌ قيل لنا عنها أن فلسطين من خلفها تظهر، وأنها تخفي خلفها أرضاً خضراء وغاباتٍ غناء، وقرىً كانت يوماً عامرةً بأهلها، عربيةً بانتمائها، وأصيلةً بعاداتها، وأنها تحتضن ساحلاً جميلاً ممتداً، رماله بيضاء منبسطةٌ سهلةٌ، وشواطئه طويلة نظيفة، لا صخور فيها ولا ما يمنع من السباحة في مياهها، وعلى مد البصر مياه البحر الزرقاء الصافية، في تعرجاتٍ جميلةٍ، وانحناءاتٍ ساحرةٍ، تحتضن هنا قريةً عربيةً كانت، وتلف هناك حول أرضٍ يابسةٍ بدت لكثرة ما حولها من المياه وكأنها جزيرة، تنطق بالجمال معالمها، وتتحدث بسحر الطبيعة ألوانها.

إنها الناقورة العروس العربية الأصيلة التي تتقاسمها وتزدان بها لبنان وفلسطين، فتمنحهما الجمال وتكسبهما السحر، وهي التي كانت يوماً للعرب منارة، ولفلسطين ولبنان علامة، تأتيها الوفود من كل مكان، ويتجه إليها المصطافون في كل الأوقات، من جنوب فلسطين يأتونها، ومن شمال لبنان يقصدونها، وإليها يأتي أهل سوريا ومن سكن الأردن من العرب، وكانوا فيها يستجمون ويرتاحون، وعلى شواطئها يستحمون ويسبحون، وعلى جبالها يصعدون ويتسلقون، وفي شوارعها يتجولون ومن أسواقها يشترون وفيها يبيعون، إذ كانت مدينةً واحدة، وأرضاً موحدة، يحكمها العرب، ويسكنها العرب، ويملكها وخيراتها العرب.

رأس الناقورة من الجانب الفلسطيني وإن كانت حزينةً فإنها رغم الجراح كانت باسمة، ورغم الاحتلال الجاثم على صدرها من سنين طويلة فقد بدت ثائرة، تنتفض بكبرياء، وتتبختر بخيلاء، فهي عربية كخيولهم الأصيلة، لا يمتطي صهوتها غير الأحرار، ولا يركب ظهرها غير فرسانها الأشراف، وإلا فهي شموسٌ ترمي راكبها أرضاً، وتسقطه من على ظهرها صريعاً، وتدوسه بحوافرها ولا تتردد، وتسوخ في أجسادهم أقدامها ولا تجزع، وقد رأيت شقها اللبناني الحر يتوق لشقه الفلسطيني الأسير، ليعودا معاً مدينةً عربيةً زاهرةً أبيةً، تشرق عليها شمسٌ واحدة، ويجمع بينهما بحرٌ واحد، ويتحدث ساكنوها معاً لغة الضاد العربية الأصيلة.

أدرك العدو الإسرائيلي القيمة الجمالية لهذه البقعة الجغرافية الجميلة، التي تجمع بين البحر والجبل، وترتفع بضعة عشرات من الأمتار عن سطح البحر، الذي يتميز بكثرة تعاريجه الجميلة والتواءاته الساحرة، والتي في سمائها تسطع الشمس وتزهو، وترسل من عليائها أشعتها الذهبية على رمالها وتلالها، فأقام المرافق السياحية الكثيرة، مستفيداً من الجمال الطبيعي الخلاق للمنطقة، والارتفاع النسبي الذي يبدو فيه الجبل محتضناً للبحر، فبنى المنتجعات، وفتح المطاعم والاستراحات، وصمم المركبات الهوائية والقطارات السياحية، واعتدى على السيادة اللبنانية إذ منع لبنان من الاستفادة مما أنعم الله عليه من الطبيعة الجميلة.

عادت بي الذكريات إلى سني الدراسة الجميلة في فلسطين المحتلة، يوم أن كانت مدارسنا تنظم رحلاتٍ مدرسيةٍ لتلاميذها إلى مختلف المدن والقرى الفلسطينية، فأذكر أنني زرت يوماً في رحلةٍ مدرسيةٍ رأس الناقورة شمال فلسطين، ولي فيها صورٌ كثيرة، وقد وقفت يومها على الحدود اللبنانية الفلسطينية، ورأيت الأسلاك الشائكة التي تفصل بين البلدين العربيين المتداخلين سكاناً وأرضاً، وشاهدت العلم اللبناني يرفرف في سماء وطنه، وقد كان ذلك قبل العام 1978، ورأيت الأشجار اللبنانية الواقفة، الباسقة العالية، الغنية بالثمار الناضجة، والشهية اللذيذة، التي يتميز بها لبنان عن غيره.

اليوم أزور الناقورة بصحبة أهلي وبعض معارفنا من الجانب اللبناني العزيز، فيعتريني إلى جانب الفرح والسعادة، حزنٌ كبير وألمٌ شديدٌ، أن الجانب الآخر من هذه الآية الفنية الرائعة يخضع للاحتلال، ويغيب بعيداً عن دفء العرب وحضن الأمة، وقد تغرب في شكله، واختلف في طبعه، وتبدل في هيأته، وغيَّر لغته، وأصبح محرمٌ على أهله زيارته، وممنوعٌ على أصحابه الاستفادة منه والانتفاع فيه، بينما يستمتع فيه الإسرائيليون، ويستفيد منه الاحتلال، ويستغل خيراته المغتصبون من اليهود، والمستوطنون من الصهاينة.

القوات الدولية بقبعات جنودها الزرقاء كانت منتشرة على طول الطريق، وعرباتها العسكرية الأممية كانت تقف على الجانبين، يبتسمون للمارة، ويردون التحية للعابرين، ويبشون في وجوه الأطفال والزائرين، وكأنهم كانوا يحرسون الناس، ويقولون لهم مرحى بأصحاب الحق وملاك الأرض، الذين كان منهم إلى جانب اللبنانيين الكثير من الفلسطينيين المقيمين في لبنان، وغيرهم الكثير من المغتربين القادمين لقضاء إجازة العيد بين أهلهم في لبنان، وغيرهم عربٌ كثير وفدوا للسياحة ولقضاء إجازة العيد.

رأيتهم جميعاً ينظرون إلى ما خلف الجبال، وكأنهم يريدون أن يخترقوها بأجسادهم قبل عيونهم ليصلوا بأرواحهم إلى فلسطين، فقد قيل لهم إن فلسطين خلف هذه الجبال تربض، وتحت أقدامها الراسخة تسكن، فران الصمت المهيب عليهم، وحل الخشوع على وجوههم، فكأنهم في صلاةٍ إذ إلى فلسطين ينظرون، وإلى جبالها الشاهقة يتطلعون، فاشرأبت الأعناق إلى هناك، ووقف القادرون على التلال والمرتفعات يرنون بعيونهم، ويضعون أكفهم على جباههم ليغطوا به وجه الشمس، عليهم يرون شيئاً من فلسطين الحبيبة، فتحل عليهم البركة، وينالهم من قدسها قبسٌ ومن فيضها خيرٌ.

ظننت أن المصطافين إلى الناقورة قد يمموا وجوههم ليستمتعوا بشمسها، وينعموا بجمالها، ويأكلوا من خيراتها، ويرتادوا أفضل مطاعمها، ويثروا ذاكرتهم بمعالمها ومناظرها، ويسعدوا عيونهم بالنظر إلى بحرها ومشاهدة زرقة مياهه وعمقها، والتأمل في هدوء أمواجه وسكون حركاته، والاستمتاع بلحظات الغروب الساحرة، ووقت الغسق الجلي الأخاذ، حيث ترتفع الأعناق لتشاهد قرص الشمس قبل أن يغطس ويغيب، فتسجله عدسات الهواتف المحمولة، التي حرص أصحابها على تسجيل لحظات الغسق الجميلة، ولكني أدركت يقيناً أن حبهم لفلسطين كان أكبر، ونظراتهم خلف الجبال إليها كانت أعمق، وأمانيهم لاجتياز أسوار الاحتلال العالية كانت أكثر، إذ كان شوقهم إليها شديداً، كما كان حبهم لها كبيراً، وتوقهم لاستعادتها أليماً.

×
أخبار
«واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط