كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

17مايو وقصة الهروب من سجن غزة

17مايو وقصة الهروب من سجن غزة

تاريخ النشر: 2018-05-16 | 16:37

لم يدخر الفلسطينيون وسيلة الا وانتهجوها لكسر قيد أسراهم، بما في ذلك محاولات الهروب الفردية والجماعية من السجن، التي لجأوا إليها منذ السنوات الاولى للاحتلال، لكن هذه المحاولات للهرب من السجن تزايدت بعد العام 1967.

 وبالرغم من قلة محاولات الهروب، إلا أن سجل الكفاح الوطني الفلسطيني لا يستطيع إغفال أهميتها، كونها سجلت انتصارات مبكرة اربكت الاحتلال الإسرائيلي وأجهزته الامنية، وعكست ما يدور بداخل الاسرى من إرادة قوية، وإصرار على تحدي واقع السجن، للإفلات نحو عالم الحرية.

 فللحرية مذاق آخر، وللأسرى المحرومين من الحرية، حلم يراودهم. أكانوا قدامى أم حديثي الاعتقال، محكومين بالسجن لعدة شهور أو لبضع سنوات ، أو حتى بالسجن المؤبد لمرة ومرات عديدة. هذا الحلم يعيش معهم، يكبر بداخلهم، فهو غذائهم الأساسي ومصدر قوتهم وسر بقائهم على قيد الحياة .

 و يبقى من حق الأسرى الفلسطينيين، أن يحلموا بالحرية التي تعني كسر القيد كحق مكفول ومشروع ، وليس مهماً كيف يمكن أن يتحقق هذا الحلم، بانتهاء فترة محكومياتهم، أو ضمن صفقات تبادل الأسرى، أو حتى من خلال " المفاوضات السياسية "، وافراجات "حسن النية " والتي ازدادت بعد اتفاق أوسلو، المهم أن يتحقق حلمهم دون المساس بالمبادئ والقيم والأهداف التي ناضلوا واعتقلوا من أجلها.

 ولعل الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية ومن يقف خلفهم لم يدخرُ وسيلة إلا ولجأوا إليها لكسر قيدهم وضمان تحقيق حلمهم بالحرية، بما فيها عمليات الهروب.

 لقد اتبع الاسرى الفلسطينيون طرقا وأشكالا عدة في محاولاتهم المحدودة للهرب من سجون الاحتلال، وان تلك المحاولات ورغم قلتها، إلا انها روايات مثيرة تستحق توثيقها بكل تفاصيلها وتصلح لتدريسها، ولعل عملية الهروب الجماعي من سجن غزة المركزي، في17 آيار/مايو عام 1987، هي الأبرز والأكثر شهرة من بين مجموع عمليات الهروب، بعد العام 1967. هكذا الوقائع تشهد والتاريخ يحفظ.

 ان محاولات الهروب من السجون شائعة الحدوث في العالم قاطبة، وأن قصص الهروب الناجحة منها كثيرة ومتعددة ، ولعل قصة الهروب التي نتحدث عنها اليوم من سجن إسرائيلي محصن هي واحدة من تلك القصص الناجحة و الشهيرة في العالم.

 ففي السابع عشر من آيار/مايو عام 1987 وببركات شهر رمضان الفضيل، نجح ستة من الفدائيين الفلسطينيين المأسورين في سجن إسرائيلي يقع وسط مدينة غزة ويُطلق عليه " سجن غزة المركزي " ( السرايا ) من نشر قضبان غرفة ( 7 ) في قسم ( ب ) الواقع في الطابق الثاني من السجن والهروب من عالم القيد رغم أنف السجان والإفلات من قبضة الاحتلال إلى عالم الحرية وساحة النضال الأرحب .

 ستة أسرى ينتمون لـ " حركة الجهاد الإسلامي " بدأوا بنشر قضبان نافذة زنزاتهم ( الغرفة الصغيرة ) في العاشر من مايو/ آيار بشكل مدروس ولمدة سبعة أيام متواصلة دون أن يلاحظ أو يشعر أحد بما يفعلون ، حيث بدأوا النشر من الجهة الخلفية للقضبان الحديدية خلال صلاة التراويح وأثناء آذان الفجر أحياناً ، وفي ساعات الفجر الأولى من يوم الجمعة الموافق السابع عشر من مايو وبعد الانتهاء من النشر وكسر القيود ، بدأ الشيخ / مصباح الصورى وتبعه الباقي بالخروج من النافذة الصغيرة والضيقة والتي تكاد تتسع لأجسامهم النحيفة .

 ونزلوا إلى سقف تحت الغرفة بمسافة ثلاثة أمتار ومن ثم إلى معرش حديدي ثم الهبوط على الأرض على ماسورة من الحديد وتجولوا في السجن وفتشوا بعض السيارات التي كانت تقف بجانبهم بحثا عن سلاح . وخشية من اكتشاف أمرهم سارعوا بتسلق شجرة كبيرة وعالية كانت تقع بجانب أسوار السجن الشاهقة ومنها قفزوا إلى خارج السجن باتجاه شارع الثلاثيني بغزة.

 وفي تمام الساعة السادسة من صباح اليوم التالي إكتشف ضابط (العدد) أمر هروبهم حينما تبين له أن 19 أسيراً فقط في الغرفة من أصل 25 أسيراً ، فأطلق صفارة الإنذار وأعلنت حالة الطوارئ في السجن ومبنى الحاكمية العسكرية الإسرائيلية الملاصق للسجن وسط مدينة غزة وانتشرت قوات كبيرة من الجيش وحرس الحدود حول السجن، وأجرت عمليات اقتحام وتفتيش واسعة لغرف وأقسام السجن، وبعد فشل محاولاتهم بالعثور على الأبطال الستة أعلن مدير عام مصلحة السجون هزيمته وهزيمة جيشه وفشل كافة اجراءاته الأمنية أمام إرادة وعزيمة وإصرار الأسير الفلسطيني .

 عملية رائعة استندت إلى خطة مدروسة ومتقنة اتسمت بالكتمان والسرية، وتنفيذ دقيق لبنودها ومسارها وتعليمات معدها، واعتمدت على الله ودعوات ورضا الآباء والأمهات وإرادة صلبة وعزيمة قوية وإصرار لا يتزعزع من قبل المنفذين. لتشكل وعلى لسان بعض قادة الاحتلال فضيحة أمنية كبرى، وصفعة قوية للمنظومة الأمنية الإسرائيلية ولادارة مصلحة السجون واجراءاتها الصارمة.

 فالجهات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية أصيبت بالذهول ويجب أن تصاب بذلك وحتى بالانبهار للطريقة التي إستخدمها الأسرى الفلسطينيون للهروب من سجن يقع داخل مبنى الحاكمية الإسرائيلية بغزة ويحظى بحراسة كبيرة ومشددة على مدار ساعات اليوم, ومحاط بجدار شاهقة، وأسلاك شائكة، وأنوار ساطعة طوال ساعات الليل، وكيف نجحوا في كتم أصوات نشر قضبان الحديد وتمكنوا من الإختباء في الساحة الداخلية للسجن بعيداً عن أعين الحراسة , ومن ثم الهروب والاختفاء خارج السجن .

 ومن المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ) صدق الله العظيم

 مصباح الصوري، محمد الجمل، سامي الشيخ خليل، صالح أبو شباب، عماد الصفطاوي، وخالد صالح.. هم أبطال المسلسل البطولي الناجح الذي حمل عنوان " الهروب الكبير " من سجن غزة المركزي ، ليواصلوا عطائهم ومقاومتهم للاحتلال في ساحة النضال الأرحب، فمنهم من أعيد اعتقاله، ومنهم من استشهد ومنهم من ينتظر.

 ( مصباح الصوري ) .. العقل المدبر والمخطط لعملية الهروب، وهو أسير سابق أمضى 15 عاما في سجون الاحتلال الإسرائيلي قبل أن يُطلق سراحه في إطار صفقة تبادل الأسرى عام 1985، ولديه خبرة سابقة بأساليب الحراسة، وهو أول من قفز من النافذة الصغيرة، ليقود إخوانه نحو الحرية والشهادة .

 وبعد أكثر من أربعة شهور من المطاردة والاختفاء والمقاومة نال الشهادة في الأول من تشرين الأول/أكتوبر من عام 1987 خلال اشتباك مع وحدات كوماندوز إسرائيلية بالقرب من مخيم البريج وسط قطاع غزة. ليلحق به ( محمد الجمل ) و ( سامي الشيخ خليل ) اللذان استشهدا أيضاً في اشتباك مسلح مع دورية إسرائيلية في حي الشجاعية شرق مدينة غزة في السادس من تشرين أول/أكتوبر عام 1987. فيما صالح أبو شباب ( إشتيوي ) اعتقلته سلطات الاحتلال بعد سبعة أيام من عملية الهروب وذلك في الخامس والعشرين من آيار/مايو ، وأن إحدى المحاكم العسكرية الاسرائيلية أصدرت بحقه حكماً بالسجن الفعلي لمدة خمس سنوات بالإضافة إلى سنتين بتهمة الهروب من السجن .

 بينما أفلح ( عماد الدين الصفطاوي ) وزميله ( خالد صالح ) بمغادرة قطاع غزة باتجاه مصر العروبة بعد بضعة شهور من إختفائهما بغزة بعيداً عن أعين الاحتلال، وبعد شهرين تقريباً أبعدا إلى العراق ليستقبلا هناك أفضل استقبال من قبل المسؤولين العراقيين وبحضور مندوبين عن القيادة الفلسطينية.

 ( عماد الصفطاوي ) عاد إلى غزة مع القوات الفلسطينية عقب التوقيع على اتفاق أوسلو وقيام السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1994، وبعد مكوثه فيها لبضع سنوات أراد مغادرتها والسفر عبر معبر رفح جنوب القطاع والذي كانت تسيطر عليه سلطات الاحتلال الإسرائيلي وذلك بتاريخ 13كانون الأول 2000 لتعتقله من جديد وتعيده للسجن وتصدر بحقه حكما بالسجن الفعلي لمدة 18 سنة على تهم سبقت عملية الهروب، وهو لا يزال يقبع في السجون الإسرائيلية وكنا نأمل أن تشمله صفقة شاليط " وفاء الأحرار " التي نفذت في 18 تشرين الأول عام 2011 . أما ( خالد صالح ) فبعدما وصل للعراق لم يهدأ أو يستكين ، لينتقل بعدها إلى تونس، ومن ثم تنقل للعمل في دول عربية عديدة منها لبنان، سوريا، ليبيا، وأخيراً استقر به الحال في بلد المليون ونصف المليون شهيد "الجزائر الشقيقة" ويقيم مع أسرته على أرضها وفوق ترابها.

 و لا أذيع سراً إن قلت بأن ( خالد صالح ) هو ذاته ( عز الدين خالد ) مسؤول ملف الأسرى في السفارة الفلسطينية، وأحد أبرز المدافعين عن قضية الأسرى هناك، فهو من تبنى قضيتهم وناضل ويناضل باستماتة في الدفاع عنهم، ويقضي ساعات طويلة من يومه من أجلهم على حساب أسرته وأطفاله وقضاياه الشخصية، وهو من جعل قضية الأسرى دائمة الحضور وبقوة وعلى نطاق واسع في الجزائر الشقيقة ليقدم لنا نموذجاً رائعاً في الإعلام الخارجي المساند والداعم لقضية الأسرى بمساهمة بعض إخوانه من الفلسطينيين ومساعدة بعض أشقائه من الجزائريين، فهو المسؤول الأول عن عدة ملاحق وعشرات الصفحات التي تختص بالأسرى وتصدر في العديد من الصحف الجزائرية .

 ويبقى السابع عشر من آيار/مايو عام 1987 يوماً مميزاً، وعلامة بارزة في تاريخ الحركة الوطنية الأسيرة، وانتصار يضاف لانتصاراتها العديدة، ومفخرة يُسجل في سجلاتها الساطعة، وستبقى عملية الهروب هذه، محفورة في الذاكرة الفلسطينية .

 فيا دامي العينين و الكفين ! إن الليل زائل

 لا غرفة التحقيق باقية ! و لا زرد السلاسل !

 نيرون مات ، ولم تمت روما .. بعينها تقاتل !

 وحبوب سنبلة تجف ستملأ الوادي سنابل !

 

 

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط