كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

2026... الإبادة السياسية بعد البشرية

2026... الإبادة السياسية بعد البشرية

تاريخ النشر: 2026-01-13 | 16:05

لا يمكن استشراف مسار عام 2026 من دون التوقّف عند الخاتمة الثقيلة لعام 2025، الذي انتهى إلى واحدةٍ من أسوأ اللحظات في التاريخ السياسي الفلسطيني. فقد جرى تكريس واقع بالغ الخطورة، تُوِّج بالقبول الفلسطيني الجماعي بخطة ترامب، التي لم تكتفِ بتحميل الفلسطينيين مسؤولية ما جرى، بل ستضعهم عملياً، حال تطبيقها، تحت نظام وصاية استعمارية مُغطّى بشرعية دولية. همّشت هذه الخطة التمثيل السياسي الفلسطيني، واستهدفت تفكيك سلطة الأمر الواقع في غزّة، ومنعت، في الوقت نفسه، عودة السلطة الفلسطينية، واضعة الأخيرة تحت اختبار "الإصلاح" وفق معايير تحدّدها واشنطن وتل أبيب. وفي ظل اختلال فادح في موازين القوى، بدا رفض الخطة شبه مستحيل، ما فتح الباب أمام سؤالٍ مركزي: كيف وصل الفلسطينيون إلى هذا المأزق، وهل كان حتمياً؟ وكيف يمكن الخروج منه؟
لم يكن ما جرى حدثاً معزولاً، بل نتاج موازين قوى وعوامل ولاعبين هم أنفسهم، الأمر الذي يجعل السيناريو الأكثر ترجيحاً في عام 2026 هو استمرار المسار نفسه، وربما ما هو أسوأ، من خلال محاولة ترجمة الإبادة البشرية بإبادة سياسية هدفها تصفية القضية الفلسطينية من جذورها. وهذا يمكن أن ينجح، ولو مؤقّتاً، ما لم تطرأ متغيّرات جوهرية، خصوصاً فلسطينية، قادرة على تغيير هذا الاتجاه. أبرز هذه المتغيرات المتوقّعة، التي بدأت في التحقق في مستهل العام الجديد، تتمثّل في عودة الولايات المتحدة الصريحة إلى منطق الإمبراطوريات، مع بدء تطبيق فجّ لمبدأ مونرو في أميركا اللاتينية، تجلّى في اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، وما رافقه من خطاب أميركي غير مسبوق يشرعن القرصنة والسيطرة على ثروات الدول بالقوة. لقد أعلن ترامب بلا مواربة أن النفط الفنزويلي هو الهدف، مهدِّداً دول أميركا اللاتينية وغيرها بمصير مشابه إن لم تنصع للإرادة الأميركية.
لن تُطبّق المرحلة الثانية من خطة ترامب لغزة كما هي، بل ستُعاد هندستها بما يخدم الأهداف الإسرائيلية، لتبقى مخاطر الإبادة والتطهير العرقي والتهجير والضمّ والاستيطان قائمة
يعكس هذا السلوك تحوّلاً خطيراً في النظام الدولي، حيث يجري التخلي كلّياً عن القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة لصالح شريعة الغاب. ومع عودة صراع الإمبراطوريات، ستسعى كل قوة كبرى إلى فرض هيمنتها في "مجالها الحيوي"، ما ينذر بتصعيد عالمي واسع، فالصين مرشّحة لتعزيز قوتها وانتشارها العسكري لحماية مصالحها وسلاسل التوريد، وقد تعيد فتح ملف تايوان التي تعتبر جزءاً من الصين، فيما تواصل روسيا حربها في أوكرانيا، ويمكن أن تطمح إلى إعادة فضائها السوفييتي، بما يحفّز قوى أخرى على سلوك النهج نفسه. في هذا المناخ، تبدو منطقة الشرق الأوسط من أكثر المناطق المرشّحة للتصعيد، على خلفية التنافس الشديد بين مشاريع عدّة على المنطقة (الإيراني والتركي والإسرائيلي)، مع اختلاف جوهري حاسم بين المشروع الإسرائيلي الاستعماري، الذي يهدف إلى تغيير خريطة الشرق الأوسط والهيمنة عليها، عبر العدوان والتوسّع العسكري المباشر وفرض المناطق الآمنة والعازلة، ومن خلال مواصلة تفتيت دول المنطقة على خلفية "حماية" الأقليات وتشجيع مختلف أنواع النزعات العرقية والطائفية والقومية، حتى تضمن عدم قيام قائمة للمنطقة العربية. لذا، إسرائيل أكثر الأطراف استعداداً للاستفادة من الفوضى الدولية. فمنذ 7 أكتوبر (2023)، اعتمدت سياسةً عدوانيةً توسّعيةً غير مسبوقة، ومن المُتوقَّع أن تواصلها في 2026 بزخم أكبر وضوء أخضر أميركي. الهدف واضح: استثمار أكثر من عامَين من الإبادة الجماعية والتدمير الشامل في غزّة لتحقيق إنجاز سياسي يتمثّل في تصفية القضية الفلسطينية وفرض شرق أوسط جديد بالقوة.
على الأرض، يُتوقَّع تصعيد العدوان وفرض وقائع جديدة، خصوصاً في الضفة الغربية، عبر تسريع سياسات الضمّ والتهجير، وتحويل ما تبقّى من الأراضي الفلسطينية إلى معازل سكّانية خاضعةٍ لنظام فصل عنصري. وهذا يجعل الضفة الغربية في عين العاصفة هذا العام، بحيث يمكن تحويل الضمّ الفعلي الزاحف والمتدرّج إلى ضمّ قانوني ورسمي، خصوصاً الأراضي المُصنَّفة "ج". أما في غزّة، فلن تُطبّق المرحلة الثانية من خطة ترامب كما هي، بل ستُعاد هندستها بما يخدم الأهداف الإسرائيلية، لتبقى مخاطر الإبادة والتطهير العرقي والتهجير والضمّ والاستيطان قائمة، كما جرى في المرحلة الأولى، إذ التزمت المقاومة ببنودها، بينما واصلت إسرائيل الخروق والعدوان. ستعمل حكومة نتنياهو في تعميق تقسيم القطاع، ومنع أيّ قوة دولية من تقييد حرية عمل جيش الاحتلال، وإفراغ مجلس "السلام" وأدواته، بما في ذلك لجنة التكنوقراط الفلسطينية، من أيّ مضمون وطني، لتصبّ في خدمة الأهداف الإسرائيلية، وتحويلها إلى أدوات تنفيذية تحت وصاية أميركية ذات شرعية دولية. كما ستُستخدَم سياسة الإعمار المحدود وتحسين شروط الحياة في مناطق محدّدة وسيلةً لكسر الإرادة الفلسطينية ونزع سلاح المقاومة ودفع السكّان إلى الهجرة الداخلية تمهيداً للهجرة الخارجية؛ فحكومة نتنياهو ستمنع وتعرقل أيَّ عملية إعادة إعمار كبرى لأنها تمنع التهجير.
يزداد هذا التوجّه خطورةً مع دخول إسرائيل عاماً انتخابياً تتنافس فيه قوى يمينية متطرّفة على مزيد من التشدّد، في ظلّ إجماع إسرائيلي واسع على رفض الدولة الفلسطينية وإنكار الحقوق الوطنية. وحتى في حال تغيّر شكل الحكومة، فلن يظهر شريك إسرائيلي حقيقي للسلام، بل قد يُفتح الباب لمسار سياسي يعيد طرح "صفقة القرن" بمضمون أسوأ، أو يعيد إنتاج "أوسلو" (1993) بصيغة أكثر اختلالاً، عبر كيان فلسطيني يغطّي على دولة الفصل العنصري القائمة في فلسطين كلّها: معازل آهلة بالسكّان منفصلة عن بعضها بعضاً، وفي جزء من أراضي الضفة والقطاع يُسمّى دولة من دون القدس ولا عودة اللاجئين، وبلا سيادة أو مقوّمات، بما يغطي على واقع الفصل العنصري.
واضحٌ أن إسرائيل وليست إيران هي الخطر على أمن المنطقة واستقرارها، وإذا هزمت إيران سيزداد خطرها
في المقابل، هناك دول إقليمية مثل إيران وتركيا تنتمي إلى المنطقة منذ آلاف السنين، وتريد الدفاع عن نفسها والحفاظ على نفوذها في مجالها الحيوي. ومهما كانت التهديدات التي تمثّلها على شعوب الدول العربية وبلدانها، فإنها ليست وجودية، ويمكن التفاهم حولها. فقد بات واضحاً أن إسرائيل (وليست إيران) هي الخطر على أمن المنطقة واستقرارها، وإذا استطاعت أن تهزم إيران سيزداد خطرها. لذا هناك حاجة وإمكانية لإقامة نظام عربي إقليمي أمني، على غرار ما حدث بين السعودية وباكستان، واللقاء السعودي الإيراني في بكين. وكما مثّلت أطراف الدول الثمانية، التي نجحت مع أطراف دولية وإقليمية (بينها التحالف بقيادة السعودية وفرنسا من أجل حل الدولتَين) في وقف حرب الإبادة، لكنّها فشلت في إنهاء الحرب نفسها أو في منع إسرائيل من إبقاء شبح تجدّدها قائماً. كما جرى إدراج الحديث عن الدولة الفلسطينية وحق تقرير المصير في خطة ترامب والقرار الصادر بخصوصها من مجلس الأمن، لكن بوصفه احتمالاً مشروطاً بإصلاحات فلسطينية تتحكّم إسرائيل في معاييرها.
لقد تمكّنت هذه الأطراف أيضاً من تأجيل التطبيع ومنع الضمّ القانوني، لكنّها لن تستطيع تغيير المسار بشكل جوهري من دون قناعة عميقة وإيمان لا يتزعزع بأن أمن المنطقة واستقرارها لن يتحقّقا إلا على أيدي بلدانها، وعبر استخدامٍ حقيقيٍّ لأوراق القوة والضغط التي تمتلكها. ويظلّ هذا مرهوناً، أولاً بتغيير فلسطيني عميق في القيادة والرؤية والبنية والاستراتيجيات، وفرض تغيير على إسرائيل من الخارج، في ظلّ انسداد أفق التغيير الداخلي. وحتى ذلك الحين، يبدو عام 2026 مرشّحاً لأن يكون عام مواصلة السعي لتحقيق ما لم تتمكّن دولة الاحتلال من تحقيقه: إبادة سياسية تترجم الإبادة البشرية إلى حقائق استراتيجية.
وفي كل الأحوال، ستبقى القضية الفلسطينية التي بقيت حيّةً منذ أكثر من مائة عام بفضل صمود شعبها ومقاومته حيّةً، وإذا انتكست ستنهض من الرماد مثل طائر العنقاء. ففائض القوة الإسرائيلي متوافر الآن، لكنّه لن يبقى في المستقبل، خصوصاً أن إسرائيل لا تستمر إلا عبر الحرب الممتدّة، وبعد اتضاح زيف الرواية الإسرائيلية وانحياز شعوب العالم، خصوصاً في الغرب، إلى جانب الحرية والعدالة التي تجسّدها القضية الفلسطينية

×
أخبار
نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط