كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

23 عاماً على مذبحة "قانا الأولى  (18 نيسان/أبريل 1996) 

23 عاماً على مذبحة "قانا الأولى  (18 نيسان/أبريل 1996) 

تاريخ النشر: 2019-04-18 | 14:18

في الثامن عشر من شهر نيسان/أبريل في كل عام، نستعيد بذاكرتنا أجواء مذبحة "قانا" الأولى، التي ارتكبها الصهاينة المجرمون عندما استهدفت طائراتهم الحربية أمريكية الصنع مقراً لقوات الأمم المتحدة في جنوب لبنان كان يأوي مئات اللبنانيات واللبنانيين جلهم من النساء والشيوخ والأطفال، لجأوا إليه هرباً من جحيم الحرب العدوانية التي شنها جيش الحرب الصهيوني ضد لبنان في عام 1996.
وليس من باب المبالغة القول أن تلك المذبحة قد شكلت محطة حزن وألم شديدين في سجل المعاناة العربية الطويلة مع الإرهاب الصهيوني المتصف دائماً بالدونية والحقارة والحافل بالفاشية والعنصرية والبربرية، والذي مارسه الكيان العنصري ولم يزل يمارسه ضد العرب بشتى الصنوف والألوان والأنماط التي وصلت في أحيان كثيرة إلى حد الإبادة الجماعية التي تتنافى مع أبسط القيم الأخلاقية والمفاهيم الإنسانية التي عرفها البشر على مدار العصور الغابرة. 
المناسبة المحزنة والأليمة هذه، التي تشكل حلقة في مسلسل الإرهاب الصهيوني المتواصل، تستدعي منا وقفة تأملية جديدة نسترجع خلالها الذكرى ببعض تفاصيلها الضرورية والهامة لاستنباط الدروس والعبر التي تستوجب أن يُصار إلى زرعها وترسيخها في عقول وقلوب بناتنا وأبنائنا لتشكل جزءاً هاماً وحيوياً من الذاكرة العربية تستفيد منه الأجيال القادمة. 
فيوم ارتكب الصهاينة مذبحة "قانا" الأولى في 18 نيسان/أبريل 1996، كانوا يشنون حرباً عدوانية وهمجية على لبنان أطلقوا عليها تسمية "عناقيد الغضب" واستمرت سبعة عشر يوماً "بين الحادي عشر والسابع والعشرين من ذات الشهر" اضطروا صاغرين لإنهائها بموجب اتفاق لوقف النار سعوا إليه عبر وسطائهم الدوليين والإقليميين، بعد أن عجزوا عن تحقيق أي من الأهداف التي حددوها لها في اللحظات الأولى لبدئها. وكانت تلك الحرب في حينه الرابعة من نوعها في مسلسل الحروب العدوانية الصهيونية على لبنان، بعد اجتياح جنوبه وإقامة الشريط الحدودي العازل فيه في عام 1978 وغزوه وصولاً إلى عاصمته بيروت في عام 1982 واجتياح جنوبه مرة أخرى في عام 1993. واستناداً للمصادر اللبنانية المدونة فإن تلك الحرب الظالمة استهدفت 159 بلدة وقرية في جنوب لبنان وبقاعه الغربي.
وباسترجاع تصريحات قادة الكيان الصهيوني التي سبقت وواكبت تلك الحرب والتي رصدها الإعلام العالمي بما فيه الإعلام الصهيوني فإنه قد تم تحديد ثلاثة أهداف رئيسية لها هي: الحد من عملية تآكل هيبة الجيش الصهيوني، والعمل على نزع سلاح المقاومة اللبنانية التي يتزعمها "حزب الله" أو في أقل تقدير تحجيمها وتقييد نشاطاتها العسكرية من خلال ممارسة أقصى الضغوط على الحكومتين اللبنانية والسورية لتحقيق هذا الهدف، ومحاولة رفع معنويات عملاء الكيان من ضباط وجنود "جيش لبنان الجنوبي" الذين كانوا يعيشون حالة من الرعب والقلق والارتباك والخوف على مصيرهم ومصير جيشهم الكرتوني، في ما لو تم التوصل إلى تسوية نهائية للوضع اللبناني في إطار تسوية للصراع الدائم بين العرب وكيان العدو جرى حديث مطول حولها بعد "مؤتمر مدريد" الذي انعقد في مطلع تسعينات القرن الماضي !!
وكان قادة الكيان الصهيوني بمن فيهم رئيس حكومتهم في حينه الإرهابي المقبور شيمون بيريز ووزراء الحرب والخارجية والداخلية فيها قد أعلنوا على الملأ بأن الغاية التي ارتجوها من وراء شن تلك الحرب كانت العمل على تحقيق الأهداف الثلاثة سالفة الذكر، وصولاً إلى تحقيق الأمن للمستوطنين اليهود في شمال فلسطين المحتلة وللجنود الصهاينة الذين كانوا يحتلوا الشريط الحدودي المصطنع في جنوب لبنان.
ولربما أن بيريز قصد من وراء شن الحرب استعراض قوته أمام شعبه لاستعادة هيبة حكومته التي كانت تئن تحت وطأة انتقادات مكثفة وحادة من قبل خصومه السياسيين في الأحزاب الصهيونية الأخرى، بسبب ما قيل وقتذاك عن "خطوات خطاها باتجاه التفاهم مع بعض الأطراف العربية الرسمية"، خاصة وأنه كان يُعد العدة لانتخابات عامة في الكيان اللقيط،، لم يحصد من ورائها سوى خيبة الأمل!!
فبعيد "تفاهم تموز/يوليو" الذي تم التوصل إليه بصورة غير رسمية في أعقاب الاجتياح الثاني للجنوب في عام 1993 الذي اختار له الصهاينة تسمية "عملية تصفية الحسابات"، التزم طرفا الصراع بنأي المدنيين في كل من لبنان والكيان الصهيوني عن أذى وويلات المواجهات المسلحة بينهما. والتزم الجانب اللبناني المقاوم بهذا التفاهم وتحول عن مهاجمة شمال فلسطين المحتلة ليحصر مقاومته بتطهير الجنوب من دنس القوات التي احتلتها خلال غزو لبنان في عام 1982، الذي عُرف صهيونياً باسم "عملية تأمين الجليل".
ومع اشتداد ساعد المقاومة اللبنانية وتنامي قوتها وتعاظم جرأتها في مقارعة قوات الاحتلال الصهيونية التي كانت تجثم على صدر جزءٍ غالٍ من جنوب لبنان، انتابت كيان العدو المُغتصب حالة من الهستيريا وفقدان الأعصاب أعادته إلى طبيعته العدوانية من جديد فقام بخرق "تفاهم تموز" من خلال استئناف مهاجمة المدنيين اللبنانيين في عمليات استفزازية محدودة، تطورت تدريجياً لتتحول في ما بعد إلى حرب عدوانية حقيقية وشاملة.
وقد استُدل المراقبون على الحالة الحرجة التي انتابت الكيان المسخ من عدد الطائرات والدبابات والآليات التي دفع بها إلى أرض المعركة وحجم ونوعية العتاد الحربي والذخيرة التي استعملها في تلك المعركة. فرغم صغر حجم القطاع الذي استهدفته الآلة الحربية الصهيونية الجهنمية في تلك الحرب وهو جنوب لبنان والبقاع الغربي، إلا أن الطائرات الحربية الصهيونية أمريكية الصنع قامت بأكثر من 1500 طلعة جوية، أي بمعدل 90 طلعة في اليوم الواحد. وأطلقت الطائرات والدبابات ما يربو على 32 ألف صاروخ وقذيفة، أي بمعدل 1882 صاروخ وقذيفة في اليوم. وبإجماع المراقبين العسكريين المحايدين فإن معظم الصواريخ والقذائف التي أطلقها الجيش الصهيوني في تلك الحرب العدوانية كانت محرمة دولياً، ودفع اللبنانيون من أرواحهم ثمناً غالياً لها.
وبفعل قسوة ووحشية تلك الحرب اضطر عدد كبير من سكان الجنوب إلى مغادرة بيوتهم واللجوء إلى مقار قوات الأمم المتحدة المتواجدة في منطقتهم طلباً للحماية والأمان، ومنها مقر الكتيبة الفيجية في بلدة "قانا". لكن في اليوم الثامن للحرب، أي يوم 18 نيسان/أبريل 1996، قامت القوات الصهيونية المجرمة بمهاجمة ذلك المقر الذي كان يأوي داخله 800 لبنانياً بوابل من القذائف والصواريخ الفتاكة مما أدى إلى حدوث مذبحة بشرية هائلة ومروعة، إلى جانب ارتكابها مجازر ومذابح أخرى عديدة في مدن وقرى لبنانية متفرقة منها النبطية ومجدل زون وسحمر. وقد شملت الإبادة الجماعية الصهيونية في تلك الحرب مناطق لبنانية خارج الجنوب والبقاع الغربي. وأسفرت مذبحة "قانا" عن استشهاد 250 شخص منهم 110 من "قانا" وحدها. وكان بين الشهداء عدد من الجنود اللبنانيين والسوريين ومقاتلي "حزب الله". وقد بلغ العدد الإجمالي لجرحى المذبحة 368 جريحاً، غالبتهم من المدنيين العُزل، إلا من سترة الله تعالى.
وكالعادة بعد كل مجزرة أو مذبحة أو جريمة يرتكبونها بحق أبناء شعبنا العربي في هذا القطر أو ذاك، سارع الصهاينة الأشرار بعد شيوع أنباء المذبحة وتداولها في العناوين الرئيسية لوسائل الأنباء المختلفة في العالم إلى الادعاء بكل صلف ووقاحة بأن قصف مقر الكتيبة الفيجية "حصل عن طريق الخطأ، ولم يكن مقصوداً"!! لكن جميع الأدلة والقرائن دحضت ادعاء الفُجار الكاذب. وعلى ما أذكر فإن الدليل الأول الذي ظهر حول تلك الجريمة النكراء كان فيلماً قام بتصويره أحد الهواة للمقر والمنطقة المحيطة به أثناء القصف بواسطة آلة تصوير فيديو أظهر في بعض لقطاته طائرة استطلاع صهيونية بدون طيار تحلق فوق المقر أثناء إمطاره بوابل من القذائف الصاروخية. وقد اعتاد الصهاينة على استخدام ذلك الطراز من الطائرات الاستطلاعية في حروبهم واعتداءاتهم العسكرية لتحديد الأماكن التي كانوا يستهدفونها بالقصف. ثم توالت بعد ذلك شهادات شهود العيان من أبناء الجنوب والعاملين في القوات التابعة للأمم المتحدة، الذين أقروا بمشاهدتهم طائرتين مروحيتين بالقرب من الموقع المنكوب.
وعندما حاول المقبور شيمون بيريز إلقاء تبعة المسؤولية على قوات الأمم المتحدة من خلال الادعاء بأنها لم تبلع حكومته أو قيادة قواته بوجود 800 مدني لبناني في المقر المستهدف، جاءه الرد سريعاً عبر تصريحات لمسؤولين في مقر الأمم المتحدة في نيويورك أكدوا فيها أنهم أخبروا تل أبيب مراراً بوجود تسعة آلاف لاجئ مدني لبناني في مقرات ومواقع تابعة للأمم المتحدة. كما أعلنوا على الملأ أن القوات الصهيونية الغازية وجهت نيران أسلحتها المختلفة نحو القوات الدولية والمنشآت التابعة للأمم المتحدة وأنهم نبهوها إلى اعتدائها على مقر القوات الفيجية في "قانا" أثناء القصف.
وحمّل تقرير صدر عن الأمم المتحدة بعد الحرب حكومة وجيش كيان العدو مسؤولية مذبحة "قانا"، باعتبار أن الصهاينة ارتكبوها عن سابق إصرار وترصد. وقد حاولت حكومتا واشنطن وتل أبيب عن طريق الضغط والإكراه والترغيب والترهيب إجبار الأمين العام للأمم المتحدة في حينه د. بطرس بطرس غالي على إبقاء مضمون التقرير طي الكتمان، إلا أنه أصر على القيام بالواجب الذي كان يفرضه عليه موقعه الدولي الرفيع مما استوجب منه الكشف عن مضمون الجزء الذي يُحّمِل الكيان الصهيوني مسؤولية تلك المذبحة. 
وبعد مُضي عام على ارتكاب المذبحة، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً دعت فيه كيان العدو إلى دفع تعويضات لأهالي الضحايا اللبنانيين الذين قضوا فيها، إلا أن حكام تل أبيب رفضوا الالتزام بذلك القرار. 
وقد أجمع المراقبون الدوليون في ما بعد على أن موقف د. بطرس بطرس غالي وقرار الجمعية العامة تسببا باعتراض واشنطن على التجديد لغالي مرة ثانية كأمين عام للأمم المتحدة مما جعلها تستبدله بالسويدي الإفريقي الأصل كوفي أنان.
مذبحة "قانا" كانت محطة محزنة ومؤلمة من محطات الإرهاب الصهيوني المتواصل بدم بارد ضد العرب عامة دون ما تمييز أو تفريق بين مذهب ومذهب أو دين ودين أو قطر وقطر "أو حتى عرق وعرق"، منذ حدوث نكبة فلسطين في عام 1948، التي تتصادف ذكراها في الخامس عشر من شهر أيار/مايو من كل عام. وليس مقدراً لهذا الإرهاب الصهيوني المتكئ على دبلوماسية المدافع والقاذفات الصاروخية أن يتوقف أو ينحسر طالما أنه مترافق، بل متحالف، مع كل هذا الدعم الأمريكي اللامحدود وهذا الصمت العربي الرسمي المريب.
صحيح أن الصمت العربي مرافق للإرهاب الصهيوني الذي يمارسه كيان العدو هنا وهناك في الوطن العربي، ومتحالف معه في أحيان كثيرة، لكن الأصح هو أن التاريخ لا يكتبه الصمت بل الإرادة المترافقة مع المقاومة والكرامة.
 

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط