*أنا لستُ أنا.. في عيد ميلادي الثاني بين الركام
نسرين موسى
أمد/ - أكتب الآن، في منتصف الليل من مكان نزوحي في خيمة في خانيونس، على صوت القصف.
يأتي عيد ميلادي في 7 أغسطس وأنا بكومات من الحزن والبؤس والتشرد والنزوح المستمر، والإحباط.
كنت على عربة بدائية في زيارة لأبي وأمي النازحين، اللذين تنزف روحي عليهما ألمًا لأنني أرى لمحة الحزن في عينيهما مهما خبئاها، على ذكرياتهما في بيتهما وبيوت أخوتي التي أصبحت ركامًا.
طلب مني أبي أن يشاهد صورًا على هاتفي لبيته وبيت إخوتي بعد هدمها من الاحتلال.
لم أشأ أن يرى الركام، فبحثت في هاتفي عن صور لبيته قبل هدمه، كانت أختي قد أرسلتها لي، وقالت لي يومها: " هل تصدقين أن بيت أبي وأخوتي أصبح ركامًا؟" وبكينا أنا وهي، ورددنا: "يا الله، هذه الغرفة التي لطالما جمعتنا". فأبرزتُها لأبي، وقال لي فورًا: "أغلقي الهاتف".
لمستُ حنينه، وشوقه، وبركان حزنه بتغير معالمه، ظننتُ أنها ستكون أهون عليه من صور ركام منزله.
يأتي عيد ميلادي اليوم من بين كل هذا الحزن الذي لا أحتمله، لأنه حزن أبي وأمي، أساس الحياة عندي.
أعيش حزنهما وحنينهما أكثر من حزني على منزلنا الذي تم نسفه في برج السوسي بغزة، والذي أصبح ركامًا.
كنت على عربة وإذ أسمع النساء يتحدثن عن البصل والخضار ، وأن كل الخضار أصبحت "هدايا مغلفة" لا نستطيع شراءها.
تحمست من حديثهن، وما كان مني إلا أن أخبرهن أن اليوم عيد ميلادي وسيهديني زوجي بصلة، قلتها على سبيل المزاح.
قالت إحداهن بحماسة وبالعامية: "يا بختك زغردي، والله ستنولينها".
ضحكتُ بهستيريا، ليس فرحًا، ولكني شعرت بضحكتي مرارة، ألمًا يعصر روحي وكل نبض في جسدي.
أصبح طموحنا في قطاع غزة الحصول على بصلة على شكل هدية عيد ميلاد.
لماذا كل هذا؟ من أجل ماذا؟ لماذا شحوبي وشحوبهن، لماذا حزني يسود تحت جفني، لماذا لا أضحك، أبكي بصمت، لماذا نحرم من تفاصيل نحبها.
لماذا أصبحنا بؤساء محرومين.
كل عام كان عيد ميلادي أتغنى به شهرًا قبله وبعده. كان يحتوي على مفاجآت أحبها من زوجي.
كان حضور أبي فيه قبل الحرب يثريني حبًا.
كنا نعيش حياة نحبها، كنا آدميين مرفهين بالكرامة. كنا نعمل، نطمح، نتأمل، كنت أغني وأفرح.
جاء عيد ميلادي اليوم وعنواني خيمة بين الركام تمزقني، تجعلني ألعن يوم مولدي بسبب حرارتها التي تمزق روحي، أنظر لها توجعني.
جاء عيد ميلادي وأنا بصعوبة أتدبر الخبز.
بصعوبة أشرب المياه التي أيقن مدى تلوثها.
جاء وأنا بائسة يائسة أردد: "ما أتعس الحياة وكم أنبذها".
أنظر إلى نفسي بمرآة مكسورة، هذه ليست أنا، ليس وجهي، ليست ملابسي، ليس عبوسي، ليس بؤسي.
لست أنا.
كلما رأيت بنات أخي، أسألهن: "كيف يبدو شكلي؟" أخاف النظر له، أنظر بخلسة كل فترة.
تجيبني نور، ابنة أخي بالثانوية: "والله يا عمتو كلنا تغيرنا لا تسألي".
إذا كانت نور بالثانوية هذه إجابتها، فكيف أستوعب إجابة فجر، صغيرنا ذي الثلاث سنوات، حين سألته ماذا تعني حرب؟ نفض يديه بقوة وقال: "ربنا يعينا".
من أين عرف هذه الجملة فجر؟؟ فجر يبكي على ألعابه التي دفنها الركام.
أي عيد ميلاد الذي أستقبله وأنا ودعت كل تفاصيل حياتي.
هذا ثاني عيد ميلاد لي يأتي وأنا في حفرة بؤس عميقة لم يزحزحها بحر دموعي.
