تقرير: خارطة طريق إسرائيلية لغزة.. من نزع السلاح إلى كيان فلسطيني مشروط
أمد/ تل أبيب: نشر معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) ورقة سياسات جديدة ترسم إطارًا شاملًا لإدارة قطاع غزة في مرحلة ما بعد الحرب، تقوم على نزع السلاح الكامل، ومنع عودة حركة حماس إلى الحكم، وربط إعادة الإعمار بإصلاحات فلسطينية عميقة، وصولًا إلى كيان فلسطيني منزوع السلاح بشروط دولية صارمة.
الوثيقة، التي أعدّها الجنرال المتقاعد والباحث الإسرائيلي أودي ديكل، تحمل الرقم 2072، وتُعد من أكثر التصورات تفصيلًا لما يُعرف بـ«اليوم التالي في غزة»، مع منح الولايات المتحدة دور القيادة السياسية والأمنية والمالية للعملية.
لا عودة إلى ما قبل الحرب
تنطلق الورقة من فرضية مركزية مفادها أن العودة إلى الوضع الذي كان قائمًا قبل تشرين الأول/أكتوبر 2023 لم تعد ممكنة أو مقبولة، سواء من المنظور الإسرائيلي أو الدولي. وترى أن أي مقاربة مستقبلية يجب أن تمنع إعادة ترسيخ حماس، وأن تستند إلى مفهوم تنظيمي جديد يعالج في آن واحد الجوانب الأمنية، والإدارية، والاقتصادية، والاجتماعية.
وبحسب الوثيقة، فإن فشل النماذج السابقة في غزة يفرض الانتقال من حلول جزئية أو مؤقتة إلى عملية مرحلية خاضعة للرقابة الدولية.
الأمن أولًا: نزع السلاح شرط لأي إعمار
يُعد نزع السلاح الكامل في قطاع غزة حجر الزاوية في المقترح. وتؤكد الورقة أن إعادة الإعمار، والمساعدات الاقتصادية، وعودة الحياة المدنية، كلها مشروطة بتفكيك جميع التنظيمات المسلحة، وجمع الأسلحة الثقيلة والخفيفة، وتدمير البنى التحتية العسكرية، بما في ذلك الأنفاق ومنشآت تصنيع السلاح.
وتقترح الوثيقة اعتماد نموذج «نزع السلاح، والتسريح، ونزع التطرف، وإعادة الإدماج» (DDDR)، مع برامج حوافز اقتصادية واجتماعية لمن يتخلون عن السلاح ويلتزمون باللاعنف.
إدارة انتقالية تحت إشراف دولي
تطرح الورقة إنشاء إدارة مدنية انتقالية في غزة، تتولاها لجنة تكنوقراطية فلسطينية غير فصائلية، تعمل تحت إشراف مجلس دولي يُسمّى «مجلس السلام»، يُتوقع أن تقوده الولايات المتحدة، مع مشاركة دول عربية وأوروبية.
كما تقترح نشر قوة تثبيت دولية مؤقتة، تقودها واشنطن بالتعاون مع مصر ودول عربية محورية، تكون مهمتها ضمان نزع السلاح، ومنع الفراغ الأمني، ومساعدة الشرطة الفلسطينية الجديدة على فرض النظام العام.
وفي هذا السياق، تشير الوثيقة إلى الدور القائم لمركز التنسيق المدني–العسكري التابع للقيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) باعتباره نواة للترتيبات الأمنية المستقبلية.
السلطة الفلسطينية: عودة مشروطة وإصلاحات قاسية
ترى الورقة أن عودة السلطة الفلسطينية إلى غزة شرط أساسي لأي استقرار مستدام، لكنها تشدد على أن هذه العودة يجب أن تكون مشروطة بإصلاحات عميقة تشمل:
• إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية وحصر السلاح بيد الشرطة.
• إصلاحات قانونية وقضائية وتعزيز سيادة القانون.
• وقف صرف المخصصات المالية للأسرى والمدانين بعمليات مسلحة ولذويهم.
• تشريع مبدأ «سلطة واحدة، قانون واحد، سلاح واحد».
وتربط الوثيقة بين نجاح هذه الإصلاحات وبين فتح أي أفق سياسي مستقبلي للفلسطينيين.
اقتصاد مُراقَب ونزع السلاح المالي
على الصعيد الاقتصادي، تدعو الورقة إلى إنشاء صندوق دولي لإعادة إعمار غزة يخضع لإدارة البنك الدولي وإشراف مجلس السلام، مع اعتماد نظام مالي رقمي كامل (محافظ رقمية، مدفوعات إلكترونية) لمنع تسرب الأموال إلى جهات مسلحة.
كما تقترح لاحقًا الانتقال من مرحلة الإغاثة إلى التنمية، عبر تمكين القطاع الخاص الفلسطيني، وإنشاء منطقة اقتصادية خاصة، وربط غزة بالأسواق الإقليمية، مع تعديل الترتيبات الاقتصادية مع إسرائيل، بما في ذلك مراجعة بروتوكول باريس.
أفق سياسي مشروط لا تلقائي
لا تتعهد الورقة بإقامة دولة فلسطينية بشكل مباشر، بل تطرح ما تسميه «مصفوفة شروط» يمكن أن تفتح الطريق لاحقًا أمام كيان فلسطيني منزوع السلاح. وتشمل هذه الشروط الأمن، والإصلاح المؤسسي، والانتخابات، والشفافية المالية، وحقوق الإنسان، والاستقرار الاقتصادي.
وتؤكد الوثيقة أن الاعتراف الدولي بهذا الكيان، في حال تحقق، سيكون قرارًا سياسيًا دوليًا تقوده الولايات المتحدة، وليس نتيجة تلقائية لمسار زمني محدد.
تعكس وثيقة معهد دراسات الأمن القومي رؤية إسرائيلية–أميركية لإدارة غزة بعد الحرب، تقوم على تدويل القرار، وتقييد السيادة الفلسطينية بشروط أمنية وسياسية صارمة. وهي لا تمثل اتفاقًا ملزمًا، لكنها تُعد إطارًا مرجعيًا يُتوقع أن يحضر بقوة في النقاشات الدولية المقبلة حول مستقبل القطاع.
وبينما تفتح الورقة أفقًا سياسيًا نظريًا، فإنها تضعه خلف سلسلة طويلة من الشروط، ما يجعلها في نظر كثيرين محاولة لإعادة هندسة النظام الفلسطيني وفق أولويات أمنية إقليمية ودولية.
