لماذا تتراجع الجهادية؟

تحولات الإسلام السياسي من الطموح العابر للحدود إلى البراغماتية الوطنية

تابعنا على:   00:00 2026-01-04

أمد/ عواصم: يشهد التيار الجهادي، بوصفه التعبير الأكثر راديكالية عن الإسلام السياسي، مرحلة تراجع لافتة بعد عقود من الحضور العنيف والتمدد العابر للحدود. فبعد أن شكّل «الجهاد العالمي» سردية مركزية جذبت آلاف المقاتلين وأدخلت المنطقة والعالم في حروب ممتدة، تشير تطورات سياسية وأمنية وفكرية متراكمة إلى أن هذا المشروع فقد كثيرًا من جاذبيته وقدرته على الاستمرار.

وبحسب تحليل نشرته صحيفة وول ستريت جورنال، فإن ما يجري اليوم لا يتمثل في اختفاء الإسلام السياسي أو العنف الجهادي، بل في تحول عميق في بنيته وأهدافه، من مشروع أممي يسعى إلى تغيير النظام العالمي، إلى حركات محلية تحاول التكيف مع منطق الدولة القطرية والواقع الدولي.

أفول الجهاد العابر للحدود

منذ نشأة الإسلام السياسي الحديث مع تأسيس جماعة الإخوان المسلمين عام 1928، حمل هذا التيار طموحًا يتجاوز حدود الدول القائمة، مستلهمًا نماذج أيديولوجية شمولية سادت القرن العشرين. وقد بلغ هذا الطموح ذروته مع تنظيمي «القاعدة» و«الدولة الإسلامية»، اللذين روّجا لفكرة الخلافة العالمية باعتبارها البديل للنظام الدولي القائم.

غير أن التجربة العملية، ولا سيما تجربة تنظيم «الدولة الإسلامية» في العراق وسوريا بين عامي 2014 و2019، كشفت حدود هذا المشروع. فقد أدى الحكم القائم على العنف المفرط والإقصاء إلى نفور شعبي واسع، وأسهم في تعبئة تحالف دولي واسع أنهى السيطرة الإقليمية للتنظيم، وأفرغ فكرة «الخلافة» من مضمونها الواقعي.

من الأيديولوجيا إلى البراغماتية

تشير الصحيفة إلى أن بعض الحركات التي خرجت من رحم الجهادية المسلحة، وتمكنت لاحقًا من الوصول إلى السلطة، بدأت تتبنى خطابًا مختلفًا، يقوم على التركيز المحلي بدل الصدام العالمي.

في أفغانستان، استعادت حركة طالبان الحكم عام 2021، لكنها، رغم سياساتها القمعية داخليًا، تجنبت العودة إلى نموذج «تصدير الجهاد»، وامتنعت عن استخدام البلاد منصة لعمليات عابرة للحدود، بل دخلت في تنسيق أمني محدود ضد تنظيم «الدولة الإسلامية – ولاية خراسان».

وفي سوريا، يبرز نموذج أحمد الشرع، الذي انتقل من العمل ضمن شبكات جهادية عابرة للحدود إلى بناء سلطة محلية ذات خطاب براغماتي تجاه المجتمع الدولي، مركّزًا على تثبيت الحكم وإدارة الدولة بدل الانخراط في مشروع أممي مفتوح.

ويرى محللون، نقلت عنهم وول ستريت جورنال، أن هذه التحولات تعكس قناعة داخل هذه الحركات بأن الصدام مع النظام الدولي بات مكلفًا إلى حد يهدد بقاءها، وأن الاستمرار يتطلب التكيف مع منطق الدولة والعلاقات الدولية.

لماذا تراجعت الجهادية؟

يُرجع التقرير هذا التراجع إلى مجموعة عوامل رئيسية، من بينها:
    •    الفشل في تقديم نموذج حكم ناجح: تجارب الإسلام السياسي في الحكم، سواء في مصر بعد 2011، أو في تونس، أو في إيران منذ 1979، أظهرت عجزًا عن تحقيق التنمية والاستقرار والعدالة الاجتماعية.
    •    الصدمة الأخلاقية لتجربة داعش: الوحشية المفرطة التي مارسها التنظيم أدت إلى نفور واسع، حتى داخل البيئات التي كانت متعاطفة مع الخطاب الجهادي.
    •    التحولات الاجتماعية والثقافية: صعود أجيال أكثر اتصالًا بالعالم وأقل استعدادًا لتقبل المشاريع الأيديولوجية الشمولية.
    •    تغير السياسات الإقليمية: تراجع الدعم الرسمي لنشر الإسلام المتشدد، ولا سيما في السعودية منذ 2017، أسهم في تقليص البيئة الحاضنة للتطرف.
    •    الكلفة العسكرية والسياسية للصدام الدولي: الحروب الطويلة في أفغانستان والعراق، ثم الحرب على تنظيم «الدولة الإسلامية»، رسخت قناعة بأن الجهاد العالمي يستجلب ردودًا مدمرة.

غزة وحماس: اختبار لم ينجح

يتناول التقرير أيضًا الحرب في غزة التي اندلعت عام 2023، معتبرًا أنها شكّلت اختبارًا جديدًا لقدرة الإسلام السياسي المسلح على استعادة زخمه. فالهجوم الذي شنّته حركة حماس، وفق التحليل، لم ينجح في إشعال مواجهة إقليمية شاملة، بل انتهى بكلفة بشرية وسياسية هائلة على قطاع غزة، وتصفية جزء كبير من قيادة الحركة، وتراجع قدرتها على تقديم نفسها نموذجًا ملهمًا.

ويرى محللون نقلت عنهم الصحيفة أن هذه النتيجة عززت قناعة واسعة، حتى داخل المجتمعات العربية، بأن المشاريع المسلحة ذات الطابع الأيديولوجي تعيد القضايا التي ترفعها سنوات إلى الوراء بدل أن تدفعها إلى الأمام.

تراجع لا يعني الزوال

تحذر وول ستريت جورنال من أن تراجع الجهادية لا يعني اختفاءها. فطالما استمرت أزمات الحكم والبطالة والقمع وغياب الأفق السياسي في المنطقة، ستظل هذه التيارات قادرة على الظهور بأشكال جديدة، خصوصًا في الهامش الجغرافي والأمني.

لكن الفارق الجوهري اليوم، بحسب التقرير، هو أن الجهادية فقدت قدرتها على تعبئة جيل كامل كما كانت تفعل في العقدين الماضيين. لقد سقطت السردية الثورية أمام اختبار الواقع، وتحولت من مشروع سياسي واسع إلى تهديد أمني محدود النطاق.

يخلص التقرير إلى أن ما يشهده العالم اليوم هو انحسار المشروع الجهادي بوصفه رؤية سياسية شاملة، لا نهاية العنف الديني كليًا. وكما انتهت الأيديولوجيات الثورية الكبرى في القرن العشرين إلى حركات هامشية بعد سقوط أوهامها، يبدو أن الإسلام السياسي الراديكالي يسير في مسار مشابه.

لقد فشل الوعد الكبير، وبقي الواقع.

اخر الأخبار