مؤاشرات الذاكرة

تابعنا على:   13:42 2026-03-04

د. عبد الحسين شعبان

أمد/ الحلقة الرابعة

وإذا كان موقفه السياسي راديكالياً وعروبياً واضحاً ووطنياً صافياً، لكن بعض أطروحاته، ولاسيّما ما يتعلّق بالطّقوس والشّعائر كانت محافظة، بل تقليدية وأستطيع القول إنها شديدة «التخلّف»، خصوصاً وأن بعضها اختلط بما لا علاقة له بالإسلام مثل إيذاء النّفس. وإذا كان الحسني البغدادي ينتقد مواقف السيد محسن الحكيم ويشكّك بأطروحاته الممالئة لإيران، فإن الحكيم في هذا الجانب كان أكثر واقعية وملاءمة لروح العصر، ولاسيّما حين يرفض إيذاء النفس، وهو موقف لا يتفرّد به لوحده، وإنما سبقه إليها وبشكل واضح عدد من العلماء وفي مقدّمتهم أبو الحسن الأصفهاني والسيد محسن الأمين وغيرهم، في حين كان الحسني البغدادي يميل إلى التّسليم بالتقليد السّائد وما ورد من السّلف، ويدعو لإحياء «الشّعائر» بشكل مطلق وإن اختلط بعضها بما لا علاقة له بالإسلام.
وهنا خالف (الحسني البغدادي الحفيد) جدّه (الحسني البغدادي الكبير)، ولعلّ الأمر لا يثير استغراباً، فتلك سنن التطوّر التي استوعبها (الحفيد) من خلال قراءاته واطّلاعه على آراء فقهاء آخرين واختلاطه برجال دين مختلفين، بل وفي مخالطته لرموز ثقافية وفكرية وحقوقية وسياسية واجتماعية مختلفة في العراق والعالم العربي. وحسبي هنا أن أحتكم إلى الإمام علي الذي قال: «لا تعلّموا أولادكم عاداتكم لأنهم خلقوا لزمان غير زمانكم» وأجد في هذه المقولة حكمة واقعية، لأنها تمثّل رؤية استشرافية عميقة لواقع التطوّر الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، فقهاً وشرعاً وقانوناً، حيث دائماً ما نكرّر «تبدّل الأحكام بتبدّل الأزمان»، وقد يبدو حكماً ما صالحاً لزمان لكنه لا يصلح لزماننا، وهكذا.
إن ذلك دعاني للبحث عن موقف أكثر تفصيلاً وتنظيراً (للحفيد)، وقد اطّلعت وأنا أعدّ هذا البحث على محاضرة ألقاها في دمشق على ثلّة من الخطباء والمبلّغين الإسلاميين، (المقصود المؤدلجين والدعاة) بخصوص الشّعائر الحسينية بمناسبة ذكرى عاشوراء ووجدت في بعض مفاصلها جرأة وشجاعة على المستويين الفكري والعملي، إضافة إلى رؤية نقدية هدفها تخليص ما علق بالذهن والممارسة في «الدّين» والتديّن من ترهات لا يربطها رابط بالإسلام وعقيدته السمحاء، لاسيّما تلك التي تتعلّق بتعذيب النفس.
إن استخدام العنف ضدّ النفس حسب سيجموند فرويد عالم النفس النمساوي، هو نوع من أنواع المازوخية (الماسوشية) Masochism التي تعني: اتّحاد غريزة الهدم مع غريزة الجنس موجهة نحو الذات، حتى وإنْ كان الأمر بحجة «التطهّر» والتخلّص من أدران الذّنوب والآثام، وذلك من خلال البكاء والنواح واللّطم والتمثيل واستعادة الواقعة الكربلائية ومعركة الطف في العام 61 هجرية التي استشهد فيها الإمام الحسين، وتستوجب حسب الحسني البغدادي (الحفيد) استثارة القلوب وتحفيز العقول على استيعاب المأساة التي ظلّت استعادتها رمزياً مستمرّة ومتصاعدة طيلة القرون الماضية، خصوصاً بربطها بقيم الشّجاعة ومقاومة الظّلم والانتصار للحقّ والعدل. والمازوخية هي بالضدّ من السادية Sadism التي تعني استخدام العنف الذي تتّحد فيه غريزة الجنس مع غريزة الهدم موجهاً ضدّ الآخر للحصول على المزيد من التلذّذ باستخدام العنف.
ويقارن الحسني البغدادي (الحفيد) بين نوعين من الاحتفاء بذكرى عاشوراء الأول: عاشوراء الثورة التي هدفها تحرير الإنسان وذلك هو الجوهر. أما الثاني فهو عاشوراء البكاء والانشغال بالإطعام لدرجة الإسراف والتبذير، خصوصاً بإيذاء النفس وضرب الرؤوس والظهور بالآلات الحادّة والجارحة، وزادت المسألة تشويهاً بالقيمة الحقيقية من الاحتفال بعاشوراء الثورة والشهادة لدرجة أخذ البعض يمشي على النيران، بل ويزحف فوقها وغير ذلك.
ويرى الحسني البغدادي (الحفيد) أن بعض هذه الطقوس «متحجّرٌ» وبلا جدوى و«راكدٌ» لدرجة الجمود، بحيث لا روح فيه ولا حركة نابضة، وهو ما يعتبر تلك الممارسات «مخالفة شرعية لا تغتفر».
ولم يكتفِ بذلك، بل يوجّه نقده إلى الوعّاظ والخطباء ويعتبر بعض كلامهم تخديرياً وخرافياً، لاسيّما بعض السيناريوهات والمبالغات التي يقدمونها، وعملهم هذا هو أقرب إلى «عمل لا إسلامي».
وأكثر من ذلك فإنه يعتبر تلك الممارسات من نتاج الدولة الصفوية في إيران، حيث أن الطقوس الخاصة بمراسم الشبيه والتمثيل وضرب الرؤوس والأجساد بالسيوف والآلات الجارحة باسم إحياء الشعائر الحسينية لم تكن موجودة في الإسلام. ويجادل بكونها ليست مستحبة (مرغوبة) دينياً أو تكليفاً شرعياً. وهي لا تعني سوى التمسّك بالقشور وترك الأصول، والمقصود بذلك مضمون وهدف ومعنى الرسالة الحسينية الثورية الجهادية الاستشهادية.
ويعتبر الحسني البغدادي (الحفيد) ذلك تشويهاً لصورة «التشيّع العلوي الأحمر» والتعتيم على «مشروع الحسين وثورته واستشهاده» ويطرح أهمية وضرورة التصدّي لها بالنقد والتحليل، وإثبات بطلانها، بل خرافتها وبُعدها عن الإسلام، لأنها «بدع مستحدثة وابتكارات ضالة مضلّلة، حتى إن بعض أصولها يعود إلى المسيحية القديمة» . وقد أعجبني ما ذهب إليه من أن «التشيّع العلوي لا ينفصل عن التسنّن العمري» وهو تواصل في إطار اجتهادات وتطبيقات إسلامية تعود إلى العهد الراشدي وامتداداته الفكرية.
ويعيد الحسني البغدادي (الحفيد) جذر المسألة إلى الخلاف الفارسي (الصفوي) مع الدولة العثمانية، حيث استخدمت المذهبية مبرّراً للصراع ولإدامته. وقد كان المفكّر الإسلامي علي شريعتي من أول من تحدّث عن «التشيّع العلوي والتشيّع الصفوي» في كتابه الشهير، الذي كان يُفترض أن يصدر بعنوان «التشيّع الأحمر والتشيّع الأسود»، والأصل فيه مجموعة محاضرات كان يلقيها في تجمّعات شبابية ضخمة، وقد تم جمعها وطبعها بالعنوان المعروف المشار إليه في أعلاه والذي صدرت فيه، في حين أن عنوانها الأصلي أصبح مجهولاً.
وبقدر ما كانت آراء شريعتي تحظى بإعجاب وتأييد من جانب أوساط واسعة، فقد لقيت رفضاً وتحفظاً من ثلّة من العلماء بينهم مرتضى مطهّري في إطار خلاف بينه وبين شريعتي، لا يخلو من منافسة وحسد، كما جرت محاولات لإيغار صدر الإمام الخميني عليه، لكن الأخير لم يعلّق على ذلك حيث كان لا يزال يعيش في النجف.
وحين دقّقتُ فيما طرحه (الحفيد) من آراء راديكالية وأفكار ثورية ونزعات تمرّدية، زال الالتباس لديّ، بل إن حيرتي تبدّدت وزادت قناعتي رسوخاً، فموقف (الحفيد) من القضايا السياسية لا يقلّ جذرية من موقف الحسني البغدادي الأكبر، حيث وجدته يعتبر نفسه «يسارياً إسلامياً تقدّمياً» وحتى بطريقة اعتذاره من الرموز الدينية القابعة في النّجف حسبما يقول، فإن هدفه هو التطلّع إلى إسلام حقيقي طبقاً لرسالة الرسول محمّد والخلفاء الراشدين، وهو اعتذار مرفق بطلب أقرب إلى احتجاج لأنه يعتبر نفسه مدافعاً عن الحق، وكل دفاع عن الحق إنما هو انحياز للعقل، بل إن كل شيء خاضع له(1). للبحث صلة.


الهوامش
    (1) انظر: هكذا تكلّم أحمد الحسني البغدادي - تأصيل معرفي بين الثورية واللاثورية، ص: 42 وما بعدها، ج: 6، ق: 1، طبعة 2012، والأصل في ذلك محاضرة ألقاها على نخبة بمناسبة عاشوراء يوم 26 تشرين الثاني (نوفمبر ) 2011 في دمشق.

اخر الأخبار