الارتهان للخارج على حساب الصمود الوطني

تابعنا على:   22:52 2026-04-20

جمال زقوت

أمد/ في لحظات الكوارث الكبرى، لا تتعرض الجبهات العسكرية وحدها للاهتزاز، بل تتعرض أيضًا البُنى العميقة التي تُنتج المضمون السياسي والاجتماعي، كالثقة، والتضامن، والشعور الجمعي بالقدرة على الصمود، لهزّات عميقة. وعند هذه النقطة تحديدًا، يتجاوز السؤال الفلسطيني حدود الحرب والمقاومة، ليصبح سؤالًا عن واقع المجتمع نفسه: هل يبقى فاعلًا تاريخيًا، أم يتفكك إلى مجرد أفراد يبحث كلٌ منهم عن خلاصه؟

خطاب تحميل الضحية مسؤولية الكارثة

برز خلال حرب الإبادة على قطاع غزة خطابٌ يُحمِّل المقاومة وحدها مسؤولية الكارثة، بل وصل البعض إلى حد مطالبتها بالاستسلام باعتباره طريقًا “لإنقاذ ما يمكن إنقاذه”. غير أن هذا الخطاب لم يكن مجرد اختلاف سياسي، بل انطوى،بقصد أو بدونه،على إعادة توزيع غير معلنة للمسؤوليات، تُحمِّل الضحايا عبء الإبادة، وتخفف الضغط الأخلاقي والسياسي عن منظومة الاحتلال والإبادة الجماعية بوصفها المسؤول الأول عن إنتاج هذه الكارثة واستمرارها.

سؤال الاستسلام: فرضية تتهاوى أمام الواقع

دون إعفاء قوى المقاومة من مسؤولية غياب أو عدم جدية مقاربتها الملموسة حول التوافق كخيار اجباري للإنقاذ، وفي كيفية انتشال أهل غزة من الكارثة، فإن السؤال الذي يتجاوز الجدل النظري اليوم هو: ماذا بقي من فرضية أن الانحناء قد يشكّل مدخلًا للإنقاذ، أمام كل ما يجري على الأرض؟

فرغم ما أُعلن من تفاهمات أو مراحل تهدئة، والتزام الطرف الفلسطيني بما عليه، فإن آلة القتل والحصار لم تتوقف، ولا تزال غزة عالقة بين خيام ممزقة، فيما يُخضع أهلها لمنظومة تجويع وضغط يومي بلا أفق واضح، سوى استمرار محاولات دفعهم نحو الهجرة. وفي نفس الوقت، تتسع في الضفة الغربية صورة موازية من التآكل البطيء لشروط الحياة من قتل وإرهاب، وحواجز وإغلاقات، وتضييق اقتصادي، وتفكيك تدريجي لمجالات الحركة والعمل.

بنية الصراع: ما وراء ثنائية الحرب أو الاستسلام

تفرض هذه الوقائع سؤالًا مباشرًا على خطاب “الاستسلام كخيار عقلاني”: ماذا كان يمكن أن يغيّر هذا الخيار فعليًا في بنية صراعٍ لم يتوقف عن التوسع عبر القوة الغاشمة؟

الأمر يتجاوز غزة والضفة معًا. فالمشكلة الجوهرية تكمن في بنية احتلال عنصري يستهدف التصفية. إنها بنية تعيد إنتاج نفسها عبر السيطرة الميدانية والاقتصادية والجغرافية، وإنكار وجود الشعب الفلسطيني ذاته، لا مجرد التنكر لحقوقه. كما أن اختزال المسؤولية في طرف فلسطيني يتجاهل حقيقة مركزية وهي أن الاحتلال ليس حدثًا طارئًا أو ردّ فعل، بل منظومة متكاملة من السيطرة والتحكم وإعادة إنتاج القوة، لا تتغير جوهريًا بتبدّل مواقف الأطراف الخاضعة له.

تفكك النسيج الاجتماعي: الخطر غير المرئي

في هذا السياق، وتحت وقع الاستقطاب الثنائي، وتجاهل ما يلحق بالمجتمع، يتسع نطاق تفكك النسيج الاجتماعي الفلسطيني بوصفه أحد أخطر التحولات غير المرئية. فحين يُستبدل التضامن بالاتهام، وتُختزل المعاناة في سجالات سياسية، تتآكل الشبكات الاجتماعية التي شكّلت تاريخيًا أساس الصمود الفلسطيني، ورافعة المقاومة الشعبية في الانتفاضة الكبرى.

بين تطوير الموقف الدولي والارتهان للخارج

هنا، لا بد من التمييز بين ضرورة تطوير الموقف الدولي، بما يستدعيه من خطاب واقعي واستراتيجية عمل موحّدة، وبين الارتهان للخارج على حساب الداخل. فعندها يتحول الرهان على الخارج إلى سراب، فيما يستنزف الداخل ويتآكل بصمت.

وهم النجاة الفردية وثنائية الخنوع والعنترية

لا يمكن فهم التحولات الراهنة بمعزل عن تآكل فكرة “النجاة الفردية”. فالتصور القائم على أن التكيّف مع القوة يضمن الأمان، يصطدم بتجربة تاريخية تؤكد أن أنظمة الهيمنة لا تمنح استقرارًا، بل تعيد إنتاج السيطرة بأشكال متجددة.

في العمق، يقوم هذا التصور على وهم الفصل بين الفرد والجماعة؛ بين من يسعى للنجاة ومن يُترك لمصيره. غير أن المجتمعات الواقعة تحت الاستعمار أو الاحتلال تُظهر أن تفكك البنية الجمعية لا يقود إلى النجاة، بل إلى إضعاف الجميع.

وفي المقابل، فإن "العنترية" ليست سوى الوجه الآخر للخنوع. فرغم ما يبدو من تناقض بينهما، إلا أنهما تنبعان غالبًا من الجذر الفكري والنفسي ذاته؛ العجز أو الخوف من مواجهة الواقع كما هو.
في الانهزامية، يخفف العقل عبء المسؤولية بالاستسلام لفكرة العجز. وفي المبالغة بالانتصارات، يهرب من الاعتراف بالخسارة عبر ادعاء نقيضها. وفي الحالتين، يجري الهروب من الحقيقة، ومن متطلبات مراجعة جدية وأدوات جديدة للتعامل مع واقع مؤلم دون الاستسلام له كقدر دائم.

حدود التسوية الدولية وإعادة هندسة الصراع

على مستوى أوسع، لم تعد رهانات التسوية الدولية، خاصة المشاريع الأميركية لإدارة الصراع أو إعادة هندسة الإقليم، تقدم أفقًا واقعيًا. فقد قامت هذه المقاربات على إدارة الصراع بدل حله، وعلى افتراض أن إعادة ترتيب الاقتصاد والأمن يمكن أن تتجاوز جوهر القضية السياسية.

لكن التجربة أثبتت أن ما قُدم بوصفه “استقرارًا” لم يكن سوى إعادة توزيع للقوة، ولم يُنتج إلا مزيدًا من الانفجار المؤجل، لأن جوهر الصراع ظل قائمًا حول الأرض والسيادة والحقوق الوطنية.

في المقابل، تتجه إسرائيل تدريجيًا من منطق “إدارة الصراع” إلى منطق أكثر اتساعًا: إعادة تشكيل المجال الفلسطيني والإقليمي وفق ميزان قوة يصعب إعادة توازنه سياسيًا. فالجغرافيا والاقتصاد والحركة لم تعد مجرد أدوات أمنية، بل أصبحت عناصر في مشروع طويل لإعادة هندسة الواقع نفسه.

الداخل كشرط للصمود لا كخلفية للصراع

في ظل هذا المشهد، يصبح الرهان على الخارج نوعًا من الهروب من حقيقة أساسية، وهي أن أي مشروع تحرري لا يمكن أن يصمد إذا جرى تفكيك قاعدته الاجتماعية في الداخل. فالداخل ليس مجرد خلفية للصراع، بل شرط لوجوده واستمراره. وحين يُستبدل التضامن بثقافة الاتهام، ويُختزل المجتمع إلى أفراد متنافرين، يفقد القدرة على إنتاج فعل سياسي مستدام، مهما بلغت قوة الشعارات أو حجم الدعم الخارجي.

السؤال المفتوح: هل كان الاستسلام سينقذ؟

اليوم، ومع اتساع الألم من غزة إلى الضفة، ومع مشاهد الإذلال اليومي على الحواجز ومسارات العمل القسري، يعود السؤال إلى جوهره: هل كان خيار “الاستسلام العقلاني” قادرًا على وقف هذا المسار؟ أم أنه كان سيُنتج شكلًا آخر، وربما أشد، من الإخضاع، مع فقدان ما تبقى من عناصر القوة الداخلية؟

أزمة رؤية أم أزمة قدرة؟

أخيرًا، الأزمة الفلسطينية الراهنة ليست مجرد أزمة احتلال فقط، بل أيضًا أزمة رؤية؛ رؤية راهنت على الخارج أكثر مما استنهضت مجتمعها وعززت تماسكه وقدرته الوطنية، وعلى حلول مؤجلة بدل ترسيخ شروط الصمود الفعلي.

ويبقى السؤال الجوهري مفتوحًا، وربما أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى: هل يمكن لأي مشروع سياسي، بأي صيغة كانت، أن ينجو، إذا كان الداخل لا يُستنزف فحسب، بل، وتتنصل قيادته من واجباتها ومسؤولياتها، وتبقى أسيرة ثنائية الاستقطاب بين الخنوع والعنترية؟

اخر الأخبار