حديث الأربعاء: المخالفات… حين تتحول من تنظيم إلى خنق

تابعنا على:   16:23 2026-04-22

حسن النويهي

أمد/ ليس كل من يشرب قهوة في سيارته مستهترًا،

ولا كل من يدخّن يفعل ذلك من باب الترف،

بل كثيرون يركضون خلف يومهم من الفجر،

وتصبح رشفة القهوة أو سيجارة

استراحة صغيرة في يومٍ طويل ومُتعب.

لكن المشكلة لم تعد هنا،

المشكلة حين تتحول التفاصيل الصغيرة في حياة الناس

إلى مخالفات،

وتتحول أبسط العادات

إلى تهمٍ تُدفع ثمنها من لقمة العيش.

نعم… نحن مع النظام،

ومع السلامة،

ومع حماية الأرواح،

لكننا لسنا مع تحويل الطريق

إلى مساحة مراقبة دائمة،

ولا مع تحويل السائق

إلى متهمٍ حتى يثبت العكس.

خنق الحريات لا يأتي دائمًا بقرارات كبيرة،

بل يبدأ من التفاصيل:

من شعورك أنك مُراقَب في كل لحظة،

من خوفك أن تقوم بأبسط تصرف طبيعي،

من ترددك قبل أن تشرب قهوتك،

أو تتصرف بعفوية داخل سيارتك.

وحين تضيق المساحات،

يبدأ الخنق بأشكالٍ أخرى…

حين تُستخدم مفاهيم الحلال والحرام

ليس لتوجيه الناس،

بل لتقييدهم،

وحين تتحول النصوص إلى أدوات ضغط،

بدل أن تكون بوصلة رحمة وعدل.

الدين لم يُنزل ليكون عصا،

ولا ليُسخَّر لخدمة قرارات خانقة،

بل ليحفظ كرامة الإنسان،

ويُيسّر حياته،

ويُقيم العدل لا أن يُستخدم لتبرير التضييق.

وكما تُخنق السلوكيات اليومية،

تُخنق أيضًا الكلمة:

حرية التعبير لم تعد فقط ما يُقال في المنابر،

بل أصبحت حتى في أبسط شكوى،

في منشور،

في رأي،

في اعتراض على مخالفة ظالمة.

وحين يخاف الناس من الكلام،

كما يخافون من المخالفة،

نكون قد انتقلنا من تنظيم المجتمع

إلى تقييده.

بدل ملاحقة الناس بالمخالفات:

نظموا الشوارع،

أنشئوا مواقف حقيقية،

وفروا أماكن آمنة لبائعي القهوة،

عالِجوا الفوضى بدل معاقبة ضحاياها،

وثقّفوا الناس بدل تخويفهم.

وفرّقوا بين الحالات:

سائق النقل العمومي ملزم باحترام الركاب،

لا تدخين، ولا إزعاج، ولا فرض ذوقه على الآخرين.

أما السائق الخاص،

فمركبته مساحته الخاصة،

بيته الصغير،

ما دام لا يؤذي أحدًا ولا يهدد الطريق.

أما الكاميرات…

فحين تُزرع بالآلاف دون أن يشعر الناس بالأمان،

وتتضاعف المخالفات دون أن تتحسن الطرق،

فالمشكلة ليست في الناس،

بل في الفكرة نفسها.

الضغط الزائد لا يصنع نظامًا،

بل يصنع احتقانًا.

والإنسان حين يُحاصر في تفاصيل حياته،

وفي عاداته،

وفي كلامه…

لا يصبح أكثر التزامًا،

بل أكثر غضبًا.

نحن لا نطلب الفوضى،

نطلب عقلًا في التنظيم،

وعدلاً في التطبيق،

ومساحة نعيش فيها كبشر،

لا كأرقام تُلتقط بالكاميرات،

ولا كأصواتٍ يجب أن تصمت.

لأن أخطر ما في بعض المخالفات اليوم

ليس قيمتها…

بل أثرها:

أنها لا تنظّم السير فقط،

بل تضيق الحياة،

وتُسخّر المفاهيم،

وتُقيّد الكلمة،

وتخنق ما تبقى من حرية.

فإذا أصبح شرب فنجان   القهوه مخالفه بعد أن كان يطلب يد عروس من سيحمي الناس

 

اخر الأخبار