كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

74 عاماً وما زالت "إسرائيل" تبحث عن الأمن المفقود

74 عاماً وما زالت "إسرائيل" تبحث عن الأمن المفقود

تاريخ النشر: 2022-05-09 | 12:06

تمر "إسرائيل" منذ الـ 22 من شهر آذار/ مارس الماضي بحالة من فقدان الشعور بالأمن لدى مستوطنيها، على وقع العمليات الفدائية الفلسطينية المتتالية التي بدأت من بئر السبع، والتي على إثرها شرعت "إسرائيل" في تعزيز إجراءاتها الأمنية لحماية "العمق الإسرائيلي" والوجود العسكري لها في الداخل المحتل وفي الضفة الغربية، إلى درجة بات من المألوف رؤية جنود "الجيش" الإسرائيلي ببزّاتهم العسكرية داخل المدن الإسرائيلية، وكل ذلك من أجل إعادة الثقة لدى الجمهور الإسرائيلي بقدرة المؤسسة الأمنية والعسكرية على توفير الأمن، الركيزة الأساسية للمشروع الصهيوني. 
في ظل أجواء فقدان الشعور بالأمن لدى الإسرائيلي، أتت ذكرى تأسيس "إسرائيل" الـ74، المناسبة الأهم في الأجندة الإسرائيلية القومية، التي حشدت فيها "إسرائيل" كل الأدوات والوسائل في هذا العام، بدءاً من العروض العسكرية، مروراً بالاحتفالات التكريمية لجنود "الجيش" الإسرائيلي، إضافة إلى إبراز قوتها على المستوى الدبلوماسي من خلال العديد من التهنئات المصوّرة من قادة دول العالم الكبرى، فضلاً عن إبراز برقيات التهنئة من دول التطبيع العربي، ولم يغب المستوى الاجتماعي عن ذلك التحشيد، حيث امتلأت المتنزهات والحدائق بحفلات الشواء، وكل ذلك جرت مواكبته بتغطية إعلامية مباشرة، لنقل صورة القوة والسيطرة والأمن لكل مستوطن إسرائيلي، من أجل إثبات أن "إسرائيل" (دولة اليهود) طبيعية في المنطقة، آمنة وقوية، تحتفل بذكرى استقلالها المزعوم كأي دولة أخرى في العالم.
أثناء هذه الكرنفالية الإسرائيلية المليئة بالرسائل التطمينية للمستوطنين، يأتي فلسطينيان من دون سابق إنذار أمني، يهدمان بفأسهما معبد أكاذيب الأمن الإسرائيلية على هذه الأرض.
لذلك كان من الطبيعي أن تسعى "إسرائيل"، في ظل ما يمكن تسميته (متلازمة العمليات الفدائية الفلسطينية) في الفترة الأخيرة، إلى التنفيس عن أزمة فقدان الشعور بالأمن، من خلال وضع شاخص وعنوان لإفراغ حقدها وأزماتها البنيوية تجاهه، من أجل إعادة ثقة المستوطنين بالدولة وبقدرة أجهزتها الأمنية والعسكرية على توفير الأمن، لكن تبقى الخيارات محدودة لتحقيق هذا الهدف:

الخيار الأول: الضفة الغربية

 لا يوجد عنوان فلسطيني كبير ومميّز في الضفة حتى الآن، في حال اغتياله أو اعتقاله، يمكن ترويجه في "الشارع الإسرائيلي" على أنه فعل أمني خارق، ويرمّم شتات هيبة الأمن الإسرائيلي في أعين مستوطنيه. حتى في حال الذهاب إلى خيار اجتياح مخيم جنين، كعملية عسكرية كبيرة، واضح أن ذلك بكل ما يحمله من تبعات سياسية وخسائر بشرية إسرائيلية، لن يفيد في منع العمليات الفدائية الفلسطينية، لكون أغلبيّتها عمليات فردية تستفيد من البيئة المقاومة، ولكن من دون ارتباطات تنظيمية. ورغم أن منفّذَي عملية إلعاد الفدائية من منطقة جنين، كما أعلنت أجهزة الأمن الإسرائيلية، لن تبتعد المخططات الإسرائيلية تجاه جنين عن عملية "كاسر الأمواج"، التي ينفّذها "الجيش" الإسرائيلي بعد عمليتي ضياء حمارشة ورعد خازم الفدائيّتين.

الخيار الثاني: أراضي عام 48

نعتقد أن التعقيدات في الداخل المحتل عام 48 أكبر وأكبر؛ فمن جهة، القيام بهجمة أمنية كبيرة هناك، معناه إسقاط الحكومة الإسرائيلية بقيادة نفتالي بينيت، لكون القائمة العربية الموحدة لن تستطيع الصمود أمام غضب الشارع الفلسطيني هناك، وبالتالي ستُجبَر على الانسحاب من الائتلاف الحكومي، ومن جهة أخرى، وهي الأهم، أن تلك الحملة الأمنية ستصبُّ زيتاً على نار الحراك المشتعل في الداخل المحتل منذ معركة سيف القدس، من خلال توسيع دائرة المشاركة في الفعل الوطني الفلسطيني ضد دولة الاحتلال العنصرية، وإدخال فئات شعبية وقطاعات جماهيرية جديدة من فلسطينيي الـ48 إلى ساحة المواجهة، وهي ما زالت حتى الآن تراقب حالة الغليان في الداخل المحتل من دون الانخراط فيها.

الخيار الثالث: العودة إلى سياسة الاغتيالات في غزة

رغم أن تنفيذ عملية اغتيال ليحيى السنوار، قائد حماس في غزة، سيسجّل إنجازاً مهماً لرئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت عجز عن تنفيذه بنيامين نتنياهو نفسه، ما زالت غزة تمثّل بالنسبة إلى الاستراتيجية الإسرائيلية أم المشاكل وعقدة من دون حلّ حتى الآن. فرغم اقتناع المؤسّستين العسكرية والسياسية بأنهما قادرتان على تحقيق اختراق كبير على مستوى إعادة الثقة الأمنية لدى المستوطنين، في حال استطاع "الجيش" الإسرائيلي تنفيذ عملية اغتيال صامتة أو حتى علنية لإحدى شخصيات المقاومة الفلسطينية، وخاصة يحيى السنوار ومحمد الضيف، اللذين حاول الاحتلال في الأيام الثلاثة الأخيرة من معركة سيف القدس في أيار/ مايو الماضي الوصول إليهما لتحقيق صورة نصر تنهي بها "إسرائيل" المعركة، الأمر الذي لم يتحقق.
لكنّ التقديرات الإسرائيلية تدرك من دون أدنى شك أن ثمن أي اغتيال لأي قائد من قادة المقاومة هو الحرب المفتوحة فوراً، وهنا تُطرح جملة من الأسئلة أثناء النقاش الأمني والسياسي الإسرائيلي: هل الحرب في مثل هذه الظروف الأمنية التي تواجهها "إسرائيل" ستعزّز الحالة الأمنية الإسرائيلية أم ستزيدها صعوبة؟ وهل "إسرائيل" والجبهةالداخلية الإسرائيلية قادرتان على دفع فاتورة هذه الحرب في هذا التوقيت وراغبتان في ذلك؟ 
الإجابة عن هذه الأسئلة لم تُحسم بعد من قبل صُنّاع القرار الأمني والسياسي في "إسرائيل" من وجهة نظرنا، فهناك حالة شعبية وإعلامية إسرائيلية متصاعدة تدفع بالمستويين السياسي والأمني إلى الذهاب إلى خيار العودة إلى سياسة الاغتيالات في قطاع غزة، حتى ولو بثمن الحرب، ودافعهما إلى ذلك أن سياسة عزل غزة عن الكل الفلسطيني في الضفة والقدس والداخل المحتل عام 48، من خلال استراتيجية الاحتواء الاقتصادي والمعيشي لغزة، قد فشلت، والدليل الأكبر على ذلك معركة سيف القدس التي دخلتها غزة من دون أي مطلب خاص بها، فضلاً عن أن مواقف فصائل المقاومة أكدت في أكثر من محطة، خلال العام الأخير، تمسّكها بربط غزة بكل الجبهات الفلسطينية الأخرى من خلال وحدة مواجهة ومصير مشترك، لذلك لا فائدة إسرائيلية تُرجى من الاستمرار في سياسة الاحتواء، بل إن البعض الإسرائيلي اعتبر أن المقاومة في غزة استغلّت سياسة الاحتواء الإسرائيلية وما نتج عنها من معادلات اشتباك بين غزة و"إسرائيل"، بأن تتحول غزة إلى منطقة محصّنة ضدّ الاستهداف الإسرائيلي، في الوقت الذي نجحت فيه غزة في أن تتحول إلى رافعة مقاومة مهمة وشريك حارس لجميع الجبهات المقاومة الفلسطينية المشتعلة في الضفة والقدس وأراضي الـ48، ولذلك أصحاب هذا التوجه في "إسرائيل" يرفعون شعار (لن تنعم غزة بالسلام، ما لم تنعم تل أبيب بالأمن)، وفي هذا السياق لا يمكن إغفال نزعة الانتقام والثأر المتأصّلة في العقلية الإسرائيلية التلمودية، فأحد أهم أسباب الاغتيال لدى أجهزة الأمن الإسرائيلية هو الانتقام بحدّ ذاته، حيث العقيدة الأمنية والدينية الإسرائيلية مبنيّة على أنه لن يتم إغلاق ملف أيّ عملية فلسطينية إلا بقتل كل من شارك فيها، لما يحمله ذلك من تأثير قوي على زيادة الشعور بالقوة والقدرة لدى المستوطن الإسرائيلي الذي يعاني من عقدة الأمن طوال الوقت.
في المقابل، هناك توجّه أكثر واقعية داخل "إسرائيل"، مصدره الأساسي من داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية، يدرك، لما لديه من معلومات وتقديرات، أن أيّ مواجهة مع غزة في هذه الفترة، ستمنح الكل الفلسطيني فرصة أخرى لتكريس وحدة الجبهات الفلسطينية، وخاصة مع زيادة التوتر في المسجد الأقصى المبارك، إضافة إلى أن ذلك يضع "إسرائيل" في موقف الحرب على الجبهات كافة في آن واحد، بما فيها الجبهة الإقليمية، الأمر الذي تتحاشاه دوماً المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، فضلاً عن اقتناع "الجيش" الإسرائيلي بأن الحسابات السياسية الحزبية الضيّقة تلعب دوراً مهماً في تنامي الحالة الشعبية والإعلامية الضاغطة للذهاب نحو عملية اغتيال في غزة، رغم أن وجهة نظر العديد من المسؤولين الأمنيين في "إسرائيل" هي أن تنفيذ عملية اغتيال لأحد قادة المقاومة في غزة لن يوقف العمليات الفدائية، بل سيزيد من تصاعدها على المدى القصير، ولن يمنعها على المدى البعيد. 
الموضوعية تؤكد أن "إسرائيل" ومنظومتها الأمنية والعسكرية في ورطة حقيقية، وأن عملية إلعاد وجّهت لها ضربة في توقيت حسّاس وظروف أمنية أكثر حساسية، وذات تأثيرات استراتيجية، ليس على الحكومة والمؤسّسة العسكرية الإسرائيلية فحسب، بل تخطّى ذلك إلى التأثير على جوهر المشروع الصهيوني، فما زالت "إسرائيل" حتى بعد 74 عاماً من احتلالها للأرض الفلسطينية، تبحث عن خيارات وسبل لتوفير الأمن لها ولمستوطنيها، ولم تنجح بعد.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط