يوميات نازحة
تاريخ النشر : 2025-04-01 22:25

حين حُملت على كتفي لقب "نازحة"، شعرت كأن وجهي يعكس صداه على الفور.
ملامحي شحبَت، نظرتي أثقلها الإرهاق، خطاي تباطأت وكأن الأرض تحت قدمي فقدت تماسكها.
البؤس أحاط بي بلا استئذان، تسلل إلى داخلي كما يتسلل البرد في ليالي الشتاء القاسية.
استيقظت اليوم باكرًا رغم أن النوم هجر عيني طوال الليل.
المكان غريب عني، كل حركة خافتة كانت تهزني، كل صوت مجهول يدق قلبي بعنف. لم أكن أبالغ حين قلت إن روحي هشة، هشّة إلى حد أنني ارتجفت عند صوت قطة تمر بعيدًا. لكن هناك أصوات أخرى لم تفارق السماء، صوت الطائرات المسيرة، صوت القصف المتقطع، أصوات الحرب التي باتت مألوفة أكثر من أصوات البشر.
في دير البلح، حيث حملني النزوح، وجدت هدوءًا لا يشبهني، هدوءًا يتسلل إلى أعمق نقطة في روحي فيرهقها. لطالما كنت مفعمة بالحركة، صاخبة كطفل يركض بلا وجهة، لكن هنا، لا ضجيج العائلة، لا جلبة الأصدقاء، فقط سكون يخترقه أزيز الطائرات وضجيج الحرب.
ورغم هذا كله، قررت اليوم أن أتمرد على الحزن، أن أسرق لحظة صغيرة من الحياة وسط كل هذا التيه.
 مثل عجوز تجد السعادة في أبسط الأشياء، وجدت أوراق الخبيزة تنبت في أرض فارغة، قطفتها بحب، أعددت طبقًا منها، وجلست مع زوجي نضحك على هذه البساطة.
 حتى الخبز صنعته بيدي، دون فرن، على نار بدائية، وفي النهاية، لم يسلم وجهي من السواد، وكأن أثر المعاناة لابد أن يترك بصمته حتى في أبسط لحظات الفرح.
كان يوم نزوح آخر، ثقيل كالأيام التي سبقته، ولا أعرف متى تعود لحياتنا ملامحها الآدمية، متى تعود العيديات والزيارات، متى تصبح العودة خيارًا لا حلما بعيدًا.
هنا، في غزة، حيث العيد ليس كما كان، وحيث النزوح بات طقسًا موسميًا في حياتنا.