نيويورك: خلصت لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة إلى ارتكاب إسرائيل إبادة جماعية بحق الفلسطينيين خلال حربها المتواصلة على قطاع غزة منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
ونقلت وكالة "رويترز" عن لجنة التحقيق الأممية يوم الثلاثاء، قولها إن تصريحات السلطات الإسرائيلية دليل مباشر على نية الإبادة الجماعية.
وقالت اللجنة، إن "الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ ورئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ووزير الجيش السابق يوآف غالانت، حرضوا على ارتكاب إبادة جماعية، وإن السلطات الإسرائيلية لم تتخذ أي إجراء ضدهم لمعاقبتهم على هذا التحريض".
وأشارت إلى أن المسؤولية عن الجرائم المروّعة في غزة تقع على عاتق السلطات الإسرائيلية على أعلى المستويات، مضيفة أن "السلطات الإسرائيلية قادت حملة إبادة جماعية في غزة منذ ما يقرب من عامين بهدف محدد هو القضاء على الفلسطينيين".
واستشهدت لجنة التحقيق الأممية بأمثلة منها حجم عمليات القتل، وعرقلة المساعدات، والنزوح القسري، وتدمير مركز للخصوبة لدعم النتائج التي خلصت إليها بشأن الإبادة الجماعية، لتضيف صورتها إلى منظمات حقوق الإنسان وغيرها من المنظمات التي توصلت إلى نفس النتيجة.
وقالت رئيسة لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة والقاضية السابقة في المحكمة الجنائية الدولية، نافي بيلاي، إن "إبادة جماعية تحدث في غزة".
وقالت وزارة الخارجية الإسرائيلية، إنها "ترفض بشكل قاطع" تقرير لجنة التحقيق الأممية، وادعت أنه "خاطئ ومبني على أكاذيب حماس"، فيما دعت إلى "حل لجنة التحقيق على الفور".
نص البيان:
صرحت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة المعنية في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وفي إسرائيل، في تقرير جديد صدر اليوم، إن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في قطاع غزة. وتحث اللجنة إسرائيل وجميع الدول على الوفاء بالالتزامات القانونية بموجب القانون الدولي لإنهاء هذه الإبادة الجماعية ومعاقبة المسؤولين عنها.
وقد قامت اللجنة بالتحقيق في الأحداث التي وقعت في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 ومنذ ذلك التاريخ على مدى العامين الماضيين، وخلصت إلى أن السلطات الإسرائيلية وقوات الأمن الإسرائيلية ارتكبت أربعة من أفعال الإبادة الجماعية الخمسة التي حددتها اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهي القتل، والحاق أذى جسدي أو عقلي خطير، وفرض ظروف معيشية متعمدة يراد بها تدمير الفلسطينيين كليًا أو جزئيًا، وفرض تدابير تستهدف الحؤول دون الإنجاب.
كما تشير التصريحات الصريحة الصادرة عن السلطات المدنية والعسكرية الإسرائيلية ونمط سلوك قوات الأمن الإسرائيلية إلى أن أعمال الإبادة الجماعية ارتكبت بنية التدمير الكلي أو الجزئي للفلسطينيين كجماعة في قطاع غزة.
وصرّحت نافي بيلاي، رئيسة اللجنة: "تجد اللجنة أن إسرائيل مسؤولة عن ارتكاب إبادة جماعية في غزة". وأضافت: "من الواضح أن هناك نية لتدمير الفلسطينيين في غزة من خلال أفعال تفي بالمعايير المنصوص عليها في اتفاقية الإبادة الجماعية".
كما قالت بيلاي: "تقع مسؤولية هذه الجرائم الفظيعة على عاتق السلطات الإسرائيلية على أعلى المستويات، التي دبرت حملة إبادة جماعية لما يقرب من عامين الان بقصد محدد وهو تدمير الفلسطينيين كجماعة في غزة". وأضافت: "كذلك خلصت اللجنة إلى أن إسرائيل فشلت في منع ارتكاب الإبادة الجماعية وفي معاقبة مرتكبيها، وذلك من خلال تقاعسها عن التحقيق في أعمال الإبادة الجماعية ومقاضاة الجناة المزعومين".
يستند التقرير إلى جميع التحقيقات السابقة التي أجرتها اللجنة، بالإضافة إلى النتائج الواقعية والقانونية المتعلقة بالهجمات التي شنتها القوات الإسرائيلية في غزة، وسلوك السلطات الإسرائيلية وتصريحاتها في الفترة ما بين 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 و31 يوليو/تموز 2025. وتستند نتائج اللجنة إلى فحص شامل لأفعال الإبادة الجماعية الأساسية (الفعل الإجرامي) ونية الإبادة الجماعية (القصد الجنائي الخاص).
لتحديد أفعال الإبادة الجماعية، قامت اللجنة بالنظر للعمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، بما في ذلك قتل وإلحاق أضرار جسيمة بأعداد غير مسبوقة من الفلسطينيين؛ وفرض حصار شامل، بما في ذلك منع وصول المساعدات الإنسانية مما أدى إلى مجاعة؛ والتدمير المنهجي لنظامي الرعاية الصحية والتعليمية في غزة؛ وارتكاب أعمال عنف جنسي وعنف قائم على النوع الاجتماعي بشكل منهجي؛ واستهداف الأطفال بشكل مباشر؛ وتنفيذ هجمات منهجية وواسعة النطاق على المواقع الدينية والثقافية؛ وتجاهل أوامر محكمة العدل الدولية.
لإثبات نية الإبادة الجماعية، طبّقت اللجنة معيار "الاستنتاج المعقول الوحيد" الذي وضعته محكمة العدل الدولية في قضية البوسنة ضد صربيا. وحللّت اللجنة تصريحات من قبل السلطات الإسرائيلية، وخلصت إلى أنها دليل مباشر على نية الإبادة الجماعية كما حللت اللجنة نمط سلوك السلطات الإسرائيلية وقوات الأمن الإسرائيلية في غزة، بما في ذلك تجويع الفلسطينيين وفرض ظروف معيشية غير إنسانية عليهم في غزة، ووجدت أن نية الإبادة الجماعية هي الاستنتاج المعقول الوحيد الذي يمكن استنتاجه من طبيعة عملياتهم.
وقالت بيلاي: "لقد تجاهلت إسرائيل بشكل صارخ أوامر التدابير المؤقتة الصادرة عن محكمة العدل الدولية والتحذيرات الصادرة عن الدول الأعضاء، مكاتب الأمم المتحدة، منظمات حقوق الإنسان وهيئات المجتمع المدني، وواصلت استراتيجية تدمير الفلسطينيين في غزة." وأضافت: "كما تجد اللجنة أن السلطات الإسرائيلية لم يكن لديها أي نية لتغيير مسار أفعالها. بل على العكس، واصلت السلطات الإسرائيلية حملتها للإبادة الجماعية في غزة لما يقرب من عامين الآن. يجب على إسرائيل أن تُنهي فورًا الإبادة الجماعية في غزة وأن تمتثل بالكامل لأوامر التدابير المؤقتة الصادرة عن محكمة العدل الدولية".
تُنسب أفعال القادة السياسيين والعسكريين الإسرائيليين إلى دولة إسرائيل. ولذلك، خلصت اللجنة إلى أن دولة إسرائيل تتحمل مسؤولية الفشل في منع الإبادة الجماعية، وارتكابها، وعدم معاقبة مرتكبيها ضد الفلسطينيين في قطاع غزة.
وخلصت اللجنة أيضًا إلى أن الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع آنذاك يوآف غالانت، قد حرّضوا على ارتكاب إبادة جماعية، وأن السلطات الإسرائيلية لم تتخذ إجراءات ضدهم لمعاقبة هذا التحريض. ولم تُقيّم اللجنة تصريحات قادة سياسيين وعسكريين إسرائيليين آخرين بشكل كامل، وترى أنه ينبغي أيضًا تقييمها لتحديد ما إذا كانت تُشكّل تحريضًا على الإبادة الجماعية.
تحثّ اللجنة حكومة إسرائيل على الامتثال الفوري لالتزاماتها القانونية الدولية، بما في ذلك إنهاء الإبادة الجماعية في قطاع غزة والتنفيذ الكامل لأوامر التدابير المؤقتة الصادرة عن محكمة العدل الدولية.
على إسرائيل أن تنهي سياسة التجويع، وأن ترفع الحصار، وأن تسهّل وتضمن وصول المساعدات الإنسانية على نطاق واسع وبلا عراقيل، وبالإضافة الى وصول جميع موظفي الأمم المتحدة بدون عقبات، بمن فيهم موظفو الأونروا ومفوضية الأمم المتحدة الدولية السامية لحقوق الإنسان، وجميع الوكالات الإنسانية الدولية المعترف بها التي تقدم وتنسق المساعدات. وتدعو اللجنة إسرائيل إلى الوقف الفوري لأنشطة مؤسسة غزة الإنسانية.
كما أوصت اللجنة الدول الأعضاء بوقف نقل الأسلحة والمعدات الأخرى التي قد تستخدم في ارتكاب أعمال الإبادة الجماعية إلى إسرائيل؛ وضمان عدم تورط الأفراد والشركات في أراضيهم وضمن ولاياتهم القضائية في المساعدة على ارتكاب الإبادة الجماعية أو التحريض على ارتكابها؛ واتخاذ إجراءات المساءلة من خلال التحقيقات والإجراءات القانونية ضد الأفراد أو الشركات المتورطة في الإبادة الجماعية بشكل مباشر أو غير مباشر.
وقالت بيلاي: "لا يمكن للمجتمع الدولي أن يبقى صامتاً حول حملة الإبادة الجماعية التي تشنها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني في غزة. فعندما تظهر علامات وأدلة واضحة على الإبادة الجماعية، فإن عدم اتخاذ أي إجراء لوقفها يُعد تواطؤًا". وأضافت: "كل يوم من التقاعس يُزهق أرواحًا ويُقوّض مصداقية المجتمع الدولي. جميع الدول مُلزمة قانونًا باستخدام جميع الوسائل المتاحة لها لوقف الإبادة الجماعية في غزة".
بعد تحليل استغرق شهورًا وامتد إلى 72 صفحة، كشف تقرير أممي جديد عن أخطر اتهام موجه لإسرائيل منذ اندلاع حرب غزة، أكتوبر 2023، أصدرته لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة في الأراضي الفلسطينية المحتلة وإسرائيل، إذ أعلنت أن الأدلة المتوافرة تُشكل "دليلًا مباشرًا على نية الإبادة الجماعية"، وهو توصيف يضع إسرائيل أمام محاكمة التاريخ والعدالة الدولية على حد سواء.
تقرير غير مسبوق
ونقلت صحيفة "الجارديان" البريطانية أن لجنة التحقيق، التي أنشأها مجلس حقوق الإنسان قبل أربع سنوات وتضم ثلاثة خبراء مستقلين، خلصت إلى أن العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة استهدفت "تدمير جماعة وطنية أو عرقية أو دينية كليًا أو جزئيًا".
ورغم أن اللجنة لا تتحدث رسميًا باسم الأمم المتحدة، إلا أن ضغوطًا متزايدة تُمارس على المنظمة الدولية لاعتماد مصطلح "الإبادة الجماعية".
وتشير تقارير حقوقية إلى أن "أكثر من 64 ألف فلسطيني، معظمهم مدنيون، قُتلوا وأُصيب أكثر من 160 ألفًا منذ بدء الهجوم".
الرد الإسرائيلي
وجاءت ردود الفعل الإسرائيلية حادة، إذ وصف سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة في جنيف، دانييل ميرون، التقرير بأنه "مُشين" و"مُزيّف"، معتبرًا إياه من إعداد "وكلاء حماس"، وقال للصحفيين: "ترفض إسرائيل رفضًا قاطعًا هذا التشهير الذي نشرته لجنة التحقيق اليوم".
واستندت اللجنة الأممية إلى اتفاقية 1948 لمنع الإبادة الجماعية، التي وُضعت بعد المحرقة النازية، وحددت أن إسرائيل ارتكبت أربعة من أصل خمسة أفعال تُصنّف كإبادة جماعية، استنادًا إلى مقابلات مع ضحايا وشهود وأطباء، وتحليل صور أقمار صناعية، وتقارير إعلامية ووثائق من منظمات غير حكومية.
أولًا: القتل الجماعي
بحسب التقرير، حتى منتصف يوليو 2025، شكّلت النساء والأطفال 46% من إجمالي الضحايا بغزة، كما استشهد التقرير بمعلومة نشرتها الجارديان بالاستناد إلى استخبارات إسرائيلية تفيد بأن 83% من القتلى مدنيون.
وأشارت اللجنة إلى استخدام إسرائيل ذخائر ثقيلة غير موجهة في مناطق مكتظة، معتبرة أن "عدد القنابل غير مسبوق حتى بالمقارنة مع صراعات عالمية أخرى".
ثانيًا: أضرار جسدية وعقلية
سلط التقرير الضوء على سوء معاملة المعتقلين الفلسطينيين، والنزوح الجماعي الذي أجبر مئات الآلاف على العيش في ظروف غير إنسانية، وأشار إلى شهادات أطباء حول وفاة نساء حوامل، بسبب نقص الأدوية والمعدات الطبية.
ثالثًا: تدمير الحياة
وصف التقرير غزة بأنها أصبحت "شبه غير صالحة للسكن"، مع تدمير المخابز والمدارس والمستشفيات والمواقع الدينية والثقافية، كما أشار إلى إعلان أممي حديث حول المجاعة في بعض مناطق القطاع.
رابعًا: استهداف قدرة الإنجاب
في ديسمبر 2023، استُهدفت عيادة البسمة لأطفال الأنابيب -الأكبر في غزة- ودمّر الهجوم نحو 4000 جنين و1000 عينة من الحيوانات المنوية والبويضات، ما اعتبرته اللجنة دليلًا على محاولة "تدمير الاستمرارية البيولوجية للمجموعة الفلسطينية".
حوادث موثقة
قدّم التقرير تفاصيل عن هجمات بعينها، بينها استهداف سيارة عائلية قرب محطة وقود في تل الهوى بمدينة غزة، يناير 2024، ما أدى إلى مقتل خمسة أطفال، كما أشار إلى منع وصول سيارات الإسعاف إلى الضحايا بعد تعرض إحداها لإطلاق نار مباشر.
ووثقت اللجنة أيضًا مقتل 15 مسعفًا في جنوب غزة، خلال مارس، واعتبرت ذلك "نمطًا ثابتًا من إنكار المسؤولية والتملص منها".
وأبرز التقرير صورًا للنزوح الجماعي، إذ أقام الفلسطينيون خيامًا مؤقتة فوق أنقاض المباني، فيما تحولت شوارع غزة إلى ملاجئ عشوائية، فيما أظهرت صور رويترز ووكالة أسوشيتد برس عائلات تحمل ممتلكاتها على عربات وشاحنات، في مشاهد تعكس حجم الكارثة الإنسانية.
كلمة السر في الجريمة
أحد أصعب جوانب إثبات جريمة الإبادة الجماعية هو إثبات "القصد"، غير أن اللجنة أشارت إلى تصريحات مباشرة صدرت عن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ومسؤولين آخرين، واعتبرتها "دليلًا مباشرًا" على النية.
وفي نوفمبر 2023، قارن نتنياهو عمليات غزة بـ"حرب مقدسة للإبادة الكاملة" في النصوص الدينية، وأشار التقرير أيضًا إلى تصريحات الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، ووزير الدفاع السابق يوآف جالانت، واعتبرها ضمن خطاب التحريض.
خبرة قضائية سابقة
ترأست القاضية الجنوب إفريقية نافي بيلاي، وهي من بين مؤلفي التقرير الثلاثة، محكمة الأمم المتحدة الخاصة برواندا، التي نظرت في إبادة جماعية راح ضحيتها أكثر من مليون شخص عام 1994. وقالت بيلاي للصحفيين: "خلصت اللجنة إلى أن نية الإبادة الجماعية هي الاستنتاج المعقول الوحيد الذي يمكن استخلاصه من مجمل الأدلة".
وأكدت "الغارديان" أن التقرير لا يعني بالضرورة أن الأمم المتحدة ستتبنى فورًا توصيف "الإبادة الجماعية"، لكنه يفتح الباب أمام ضغوط قانونية وسياسية على إسرائيل، ويضع المجتمع الدولي أمام اختبار صعب بين حماية المدنيين في غزة وبين حسابات التحالفات الإقليمية.
