رام الله - تقرير مركزي مينا حريف: ليس قرار المجلس الثوري لحركة فتح بعقد المؤتمر العام الثامن في 14 مايو 2026 مجرّد استحقاق تنظيمي مؤجل أو محطة داخلية لتدوير المواقع. من الخطأ قراءة المؤتمر بصفته "انتخابات داخل الحركة".
في لحظة التأسيس كانت فتح أكثر من تنظيم؛ كانت “المعنى” السياسي الفلسطيني: حركة تحرّر وطني تُوحّد الهوية بعد الشتات وتؤسس إطارًا جامعًا بعد النكسة، ومن خلالها تمّ بناء رواية التمثيل السياسي الفلسطيني وإعادة تشكيل مفهوم الشرعية.
لكن المسار الذي تكرّس خصوصًا بعد قيام السلطة الفلسطينية دفع فتح تدريجيًا للتحول من قاطرة مشروع إلى إدارة واقع: من التعبئة إلى الضبط، ومن التحرير إلى تنظيم الحياة تحت الاحتلال، ومن مشروع تاريخي إلى إدارة خسائر.
هذا التحوّل لم يأتِ دفعة واحدة، بل “قطعةً قطعة”، حتى بدت فتح أشبه بما يُعرف بمفارقة سفينة ثيسيوس: تُستبدل ألواحها خشبة وراء خشبة، فتستمر السفينة بالاسم، بينما تتغير ماهيتها بالكامل. وهنا يصبح السؤال: هل ما تزال فتح هي فتح؟
2- لماذا الآن؟ لأن الشرعية لم تعد تعمل
القراءة الأكثر صراحة للمؤتمر الثامن أنه محاولة صيانة كبرى لسفينة تتآكل شرعيتها. لم تحدد فتح موعد المؤتمر فقط، بل ربطته صراحةً بمرحلة سياسية شديدة الحساسية. وهذا يعني أن فتح لا تذهب للمؤتمر بحثًا عن “ترتيب داخلي”، بل لأنها تشعر أن الشرعية القديمة لم تعد كافية لضمان الدور.
تاريخيًا قامت شرعية فتح على ثلاث ركائز:-
1. شرعية الثورة والرمزية.
2. شرعية التمثيل وصناعة القرار الفلسطيني.
3. شرعية الوعد: أفق الدولة والمشروع الوطني.
اليوم تتفكك هذه الثلاثية: الثورة تتحول إلى ذاكرة لا تعبئة، والتمثيل موضع نزاع أو فراغ، والوعد صار تأجيلًا بلا مصداقية. وبالتالي يصبح المؤتمر ليس إعادة “برنامج”، بل إعادة تأسيس حق الاستمرار في الحكم السياسي الفلسطيني.
3- الأزمة ليست ضعف تنظيم: إنها أزمة تعريف ووظيفة
واحدة من أخطر الأوهام هي اعتبار المشكلة مجرد ترهل تنظيمي يمكن علاجه بتبديل قيادات أو “تجديد شباب” الحركة. الواقع أعمق: فتح تعيش أزمة وظيفة.
هي لم تعد حركة تحرر بمعناها العملي (الأدوات ليست بيدها ولا تملك استراتيجية تقلب ميزان القوى)، وفي الوقت نفسه ليست حزب سلطة طبيعي (لا سيادة لدولة ولا تفويض انتخابي دوري).
هكذا علقت فتح في منطقة وسيطة بين نموذجين ناقصين:-
• خطاب تحرر بلا أدوات.
• وإدارة سلطة بلا سيادة.
ومع الوقت تتسع فجوة الشرعية بين “التاريخ” و”الواقع”.
4- أوسلو لم يفشل فقط… بل أعاد تشكيل فتح من الداخل
التشخيص التقليدي أن أوسلو فشل في إنتاج الدولة صحيح لكنه غير كافٍ. الأهم أن تصميم أوسلو دفع فتح نحو إعادة تشكيل وظائفها الداخلية عبر ثلاث آليات:
1. تحويل القيادة إلى إدارة: بدل التعبئة والضغط، صار مركز الثقل في تقديم الخدمات وضبط المجال.
2. إنتاج بنية مصالح: رواتب، أجهزة، وظائف، مناقصات… شبكة مصالح تعيد إنتاج نفسها.
3. إعادة تعريف العقل السياسي: صارت الأولوية منع الفوضى وإدارة المخاطر وضبط الداخل وإرضاء التوازنات الخارجية.
وهكذا انتقلت فتح من حركة تسعى لتغيير الواقع إلى إطار يسعى لمنع انهيار ما تبقى من النظام. لكن منع الانهيار ليس مشروعًا؛ هو وظيفة طارئة لا تنتج شرعية طويلة الأمد.
5- لا يمكن العودة إلى “فتح القديمة”… ولا يمكن استكمال التحول إلى حزب سلطة
هنا تتضح حدود الخيارات:-
•العودة لفتح القديمة (ثورية/تحريرية بالشكل القديم) لم تعد ممكنة لأن شروط الشرعية تغيّرت: الشرعية اليوم تُبنى عبر آليات تمثيل وتداول ومحاسبة، وبأدوات قانون دولي ورواية وإعلام وشبكات ضغط ومقاومة شعبية منظمة طويلة النفس. شرعية “الثورة كهوية” وحدها لا تكفي عندما تتحول إلى غطاء لإدامة وضع عقيم.
• أما التحول إلى حزب سلطة مكتمل فهو أيضًا غير ممكن لأن لا سيادة ولا دولة مكتملة ولا تفويض انتخابي دوري. وهكذا تُحاسب فتح على إخفاقات يومية بينما تبقى عاجزة عن تغيير أسبابها البنيوية، لتصبح السلطة عبئًا سياسيًا عليها بدل أن تكون مصدر قوة.
إذن فتح محاصرة بين خيارين مستحيلين. ولذلك يصبح المؤتمر الثامن ليس مناسبة لإعلان “إصلاح”، بل مناسبة لحسم: ما هي فتح؟ وما الذي جاءت لتفعله أصلًا؟
6- المؤتمر الثامن: تجديد شرعية أم ختم رسمي للتحوّل؟
هنا يبرز مفترق طرق جوهري:-
المسار الأول: استعادة الجوهر دون استنساخ الماضي
ليس العودة للستينات، بل العودة إلى الوظيفة: فتح كرافعة مشروع وطني وتمثيل حقيقي. وهذا يتطلب:-
• تجديد داخلي فعلي لا شكلي.
• إعادة الاعتبار للقاعدة لا للأجهزة.
• نقل مركز القرار من الأمني إلى السياسي.
• صياغة مشروع يقنع الجمهور أن فتح ليست مجرد إدارة حياة تحت الاحتلال.
المسار الثاني: تثبيت فتح الجديدة كحزب سلطة بلا مراجعة.
أي أن يصبح المؤتمر مجرد منصة لإعادة توزيع النفوذ داخل المنظومة دون مراجعة وظيفية. هنا لن يكون مؤتمر “حركة” بل مؤتمر “نظام”، ينتهي بتكريس فتح بصفتها مظلة لإدامة السلطة تحت العنوان القديم.
إذا وقع هذا الخيار، فالمؤتمر سيكون أقرب إلى “شهادة ميلاد قانونية” لفتح كمنظومة حكم، لا كحركة تحرر.
7- ما الذي يفترض أن يفعله المؤتمر فعليًا؟ القرارات لا الشعارات
الأسئلة التي يجب أن تكتب فوق منصة المؤتمر ليست من ينتخب من؟ بل كيف تُنتج فتح شرعية فلسطينية جديدة؟
وأي مسار جدي سيظهر في قرارات ملموسة مثل:-
1.إصلاح نظام التمثيل الداخلي: مدد، تداول، منافسة، رقابة.
2.برنامج واضح للصراع السياسي للسنوات القادمة (خارطة معارك وأدوات).
3.دمج الشباب في مواقع قرار لا في مشاهد دعائية.
4.إعادة بناء فتح كرافعة تمثيل لا كأداة ضبط داخلي .
8- فتح ليست وحدها في الأزمة… بل الشرعية الفلسطينية نفسها
الأخطر أن مأزق فتح ليس شأنًا فصائليًا. فتح تمسك مفاصل تمنع انهيار النظام الفلسطيني، لكنها في الوقت نفسه تمسك مفاصل تمنع تجدده.
وهذا يجعل “شرعية فتح” أشبه بشرعية العادة: تستمر لأنها موجودة، لا لأنها مقنعة.
وهنا تتضح المسألة الكبرى: حتى لو تآكلت فتح، فإن البديل ليس جاهزًا تلقائيًا، لأن النظام السياسي محكوم بقيود ثلاث:
• الاحتلال ووظيفة السلطة وحدودها.
• التمويل وبنية الاعتماد.
• الانقسام واستحالة التمثيل الجامع.
لذلك فإن انهيار شرعية فتح أو فشلها في التجدد لا يعني فقط تراجع حزب؛ بل يعني تهديد قدرة الفلسطينيين على إنتاج شرعية سياسية جامعة داخل غرفة شبه مغلقة.
أما إذا خرج بفتح مُعاد تدويرها داخل هندسة السلطة نفسها، فسيكون ذلك إعلانًا هادئًا بأن فتح لم تعد حركة بل منظومة حكم، وعندها يصبح السؤال الصحيح:
ليس: متى تنتهي فتح؟ بل: متى ينتهي شكل الشرعية الفلسطينية الذي يبدأ بها وينتهي عندها؟
