لندن: أعادت الدفعة الأخيرة من وثائق جيفري إبستين، التي نشرتها وزارة العدل الأميركية، فتح باب الأسئلة حول طبيعة علاقات الممول المُدان، وهذه المرة من زاوية مختلفة: صلاته المتكررة بروسيا، وافتتانه المعلن بالرئيس فلاديمير بوتين، وشبكة اتصالاته مع شخصيات مرتبطة بدوائر السلطة في موسكو. حسب تلغراف.
محاولات لقاء بوتين
ضمن آلاف الرسائل والمراسلات التي تضمنتها الملفات، يبرز اسم بوتين بصورة لافتة، فيما تكشف الوثائق عن رحلات متكررة لإبستين إلى روسيا خلال العقد الأول من الألفية، ومحاولات متكررة لترتيب لقاء مع الرئيس الروسي امتدت لسنوات. إحدى الرسائل، المؤرخة في سبتمبر 2011، تشير إلى “موعد مع بوتين”، من دون أن توفر دليلاً قاطعًا على حصول اللقاء. وفي مراسلات لاحقة، تحدث إبستين عن رغبته في اجتماع مطوّل “لا يقل عن ساعتين إلى ثلاث ساعات”، وهي صيغة أثارت تساؤلات حول ما إذا كانت تعكس علاقة فعلية أم مجرد تضخم في تقدير الذات.
علاقات مع مسؤولين مرتبطين بالكرملين
الملفات تُظهر كذلك أن إبستين أقام علاقات مع مسؤولين روس. من أبرز الأسماء سيرغي بيلياكوف، المسؤول السابق في وزارة التنمية الاقتصادية الروسية وخريج أكاديمية جهاز الأمن الفيدرالي الروسي (FSB). في رسائل متبادلة، وصف بيلياكوف لقاءاته مع إبستين بأنها “مهمة ومثيرة للاهتمام”، بينما أطلق إبستين عليه صفة “الصديق الجيد جدًا”. وتشير الوثائق إلى لقاءات في نيويورك، ودعوات متكررة لحضور منتدى سانت بطرسبورغ الاقتصادي.
وفي سياق آخر، تكشف المراسلات عن علاقة وثيقة جمعت إبستين بالسفير الروسي لدى الأمم المتحدة فيتالي تشوركين. الرسائل تشير إلى لقاءات منتظمة، وعرض من إبستين لتقديم مساعدة مهنية لابن السفير، مع تأكيد متكرر على ضرورة “السرية”.
كاميرات خفية وشبهات ابتزاز
غير أن العنصر الأكثر حساسية يتمثل في ما يتعلق بـ"كومبرومات" – أي المواد المُحرِجة المستخدمة في الابتزاز. بعض الضحايا أفدن باعتقادهن أن الاعتداءات التي تعرضن لها ربما جرى تصويرها. وتؤكد الرسائل أن إبستين اشترى كاميرات خفية تعمل بالحركة. إحدى الرسائل، المؤرخة في فبراير 2014، تضمنت عبارة غامضة: “الروس قد يكونون مفيدين”، في سياق الحديث عن تركيب كاميرات داخل أحد المنازل. لم توضح الوثائق المقصود بهذه الإشارة أو طبيعتها.
شبكة من النساء من روسيا وشرق أوروبا
كما تُظهر الملفات أن إبستين احتفظ بعلاقات مع عدد من النساء الروسيات والبيلاروسيات، وبعضهن وردت أسماؤهن في مراسلات تتعلق بتجنيد فتيات أخريات. ولا تقدم الوثائق دليلاً على أي ارتباط استخباري، لكن خبراء أمنيين يشيرون إلى أن العلاقات الشخصية تمثل أداة كلاسيكية في العمل الاستخباري.
آراء خبراء استخبارات
رغم كثافة الإشارات والقرائن، لا تقدم الوثائق دليلًا مباشرًا يثبت أن إبستين كان عميلًا لأي جهاز استخبارات، روسي أو غيره. وتظل القضية محاطة بمزيج من الشكوك والتكهنات. لكن ما تكشفه الملفات بوضوح هو اهتمام استثنائي بروسيا، وشبكة علاقات امتدت إلى مسؤولين ودبلوماسيين روس، وسلوكيات أثارت مخاوف تتعلق بالابتزاز وجمع المعلومات.
بالنسبة لخبراء الأمن والاستخبارات، فإن السؤال لم يعد يقتصر على ما إذا كان إبستين مرتبطًا بجهاز استخباري، بل يشمل أيضًا احتمال أن تكون أجهزة استخبارات – من دول مختلفة – قد سعت إلى استغلال شبكته ونشاطه. وفي ظل غياب الأدلة الحاسمة، يبقى ملف إبستين واحدًا من أكثر الملفات تعقيدًا وغموضًا في تقاطعات المال، والنفوذ، والأمن.
