امرأة أمريكية، من أصل إسباني، بدأت اعتصاماً أمام البيت الأبيض في عام 1981، تنديداً بدموية الجيش الإسرائيلي ضد الفلسطينيين. نصبت خيمة بلاستيكية في حديقة «لافاييت» الواقعة على شارع «بنسلفينيا» والمطلة على البيت الأبيض، شاهدتها ذات يوم في صيف عام 1982، لم أسأل، آنذاك، عن اسمها أو هويتها، لكنها كانت تبدو في الأربعين من عمرها، والبسمة لا تفارق وجهها، وترفع يافطة تدعو فيها إلى وقف الحرب والعنف.
في نهاية الثمانينات، كنت في زيارة عمل إلى واشنطن ونيويورك، وصادف أن عبرت تلك الحديقة أمام البيت الأبيض، فوجئت بوجود نفس الخيمة البلاستيكية، والمرأة نفسها، ترفع يافطات وشعارات ضد الحرب والاحتلال، وتدعو للعدل والحرية ونزع الأسلحة النووية، سألتها عن اسمها، وعن إصرارها مواصلة الاعتصام.
نسيتها في زحمة مرور الزمن، وعلمت فيما بعد أن هذه المرأة العظيمة هي صاحبة أطول احتجاج سلمي في التاريخ الأمريكي، وقد استمر نحو 35 عاماً، وفي آخر أيامها، كانت تقيم في منشأة صحية، تؤوي «نساء مشردات» وتوفيت في يناير 2016 تاركة خلفها في المأوى صوراً لنساء وأطفال من فلسطين.
كونسيبسيون بيتشيتو تسلل الحس الإنساني إلى عقلها ووجدانها، وماتت وهي تحلم بالعدالة والسلام..
***
امرأة إيطالية، لا يتجاوز عمرها خمسين عاماً، أكاديمية ومحامية، وخبيرة في حقوق الإنسان، وزميلة وباحثة في جامعات أوروبية وجامعة جورج تاون، اُنتخبت في مايو 2022 مقررة خاصة للأمم المتحدة لشؤون الأراضي الفلسطينية المحتلة، لمدة ثلاث سنوات وجُدّدَ انتخابها حتى عام 2028، ولا تتلقى أجوراً من الأمم المتحدة، مقابل عملها كمقرر، سوى الدعم البشري واللوجستي من مكتب المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان.
دافعت بقوة عن حقوق الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال، واتهمت الحكومة الإسرائيلية بارتكاب «إبادة جماعية»، وطالبت في تقريرها الأول أعضاء الأمم المتحدة «بوضع خطة لإنهاء الاحتلال الاستيطاني» والفصل العنصري، ودعت إلى وقف فوري للحرب في غزة، وذكرت في تقرير آخر لها في 2025، أن الإبادة الجماعية مستمرة، لأنها «مربحة للعديد من الشركات التكنولوجية الكبرى». فرضت إدارة ترامب عليها عقوبات قاسية، وحظرت على الأمريكيين القيام بأي تعامل معها، ووصفت المرأة (فرانشيسكا ألبانيز) هذه العقوبات بأنها «تنزع عنها صفة الإنسان» وكأنها غير موجودة أبداً في الاقتصاد العالمي.
وقالت: «لو قامت ابنتي المواطنة الأمريكية بشراء فنجان قهوة لي، فقد يعرضها ذلك لعقوبات جنائية أو حتى سجن وغرامات مالية» أوصت في أكتوبر 2024 في تقرير لها «بإعادة النظر في عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة أو تعليقها» حتى تنهي الاحتلال.
وقالت أيضاً أمام الأمم المتحدة: «بدلاً من إيقاف إسرائيل عن مواصلة «الإبادة الجماعية» قامت دول كثيرة بتسليحها ومنحها أعذاراً ومظلة سياسية».
العقوبات على هذه السيدة الأممية تخالف اتفاقية امتيازات وحصانة الأمم المتحدة، وموظفيها لعام 1946، حيث أقرت هذه الاتفاقية حصانة الموظفين من الإجراءات القانونية أو الإدارية لضمان استقلاليتهم في أداد مهامهم، فضلاً عن حصانة وضمانات لحرية التنقل والاتصال الرسمي.
فرانشيسكا ألبانيز تواجه اليوم حملة قاسية من الاتهامات الكاذبة، وتحريف لأقوالها وتصريحاتها وتشويهها، والدعوة لإقالتها من منصبها، ومن المتوقع أن تطلب أكثر من دولة أوروبية، في اجتماع مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة المقرر عقده يوم 23 فبراير الجاري، إقالتها. فرانشيسكا.. صاحبة روح حرة طليقة، ومحاربة شجاعة مسكونة بالحس الإنساني النبيل.
***
تتداعي إلى الخاطر أسماء رجال محل احترام على مستوى العالم، بسبب تكريسهم الجهد لقضايا السلام العالمي، ونفاذ القانون الإنساني الدولي، من بينهم الكونت برنادوت ابن أخ ملك السويد (جوستاف الخامس) والذي كان وسيط الأمم المتحدة في فلسطين عام 1948، وأشرف على الهدنة الأولى التي احترمها عرب القدس، وكان وقتها رئيساً لجمعية الصليب الأحمر في السويد، ووضع البذور الأولى لقرار الأمم المتحدة رقم 194، وفكرة إنشاء «الأونروا».
لكن دعاة العنف اغتالوه وسط مدينة القدس، من خلال عصابة «شتيرن» الإرهابية التي كان يقودها إسحق شامير.
جاء بعده، رجال سلام عظام من السويد، على رأسهم داغ همرشولد وقد تولى أمانة الأمم المتحدة التي كانت لا تزال صبية، بدءاً من عام 1953 وحتى عام 1961. تمكن من قيادة الأمم المتحدة في فترة تحول جذري في سياسات القوى العظمى، وأجواء حربية متوترة، ثورات وحروب، ومكتب التحقيقات الفيدرالية الأمريكية يقتحم مقر الأمم المتحدة في نيويورك، ليحقق مع موظفيها.
وضع همرشولد أول أُسسٍ شرعية لقوات الأمم المتحدة لحفظ السلام (قوات الطوارئ الدولية) وكلفه مجلس الأمن تنظيم مساعدة عسكرية لمنع انهيار الكونغو في عام 1960، وكان حيادياً وشجاعاً، ورفض الاستقالة حينما طالبه السوفييت بأن يستقيل. وأثناء محاولته الشخصية التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في الكونغو ليلة 18 سبتمبر 1961، فُجّرَت طائرته وهي في الجو، ولم يتم العثور على جثته إلا بعد يومين.
كان هذا الرجل السويدي، المسكون بالإنسانية، متفانياً في خدمة السلام في العالم، وأراد من الأمم المتحدة أن تجسد الحيادية والمسؤولية الأممية، وأن تطبق القرارات الدولية.
وحينما منح همرشولد جائزة نوبل بعد وفاته، كانت الجائزة فخورة بهذا الرجل، رجل السلام الحقيقي.
....
نساء ورجال من أصحاب الروح الحرة، والضمير الإنساني الحي، طوبى لهم ولأمثالهم.
عن الخليج الإماراتية
