يا... شامُ
تاريخ النشر : 2026-02-23 09:13

حدث ذات يوم ليس ببعيد، أن نزلت دمشق. ما أغنى المشاعر والأحاسيس التي غمرتني وأنا أقترب من بوابات الشام، أتأمل أحزانها وقلقها وتاريخها، مشاعر مختلطة، أفتش فيها عن كلمات ضائعة، وعن رموز للنُبل والتسامح، وقوة «الروح»، وأخرى عن قوة «العقل» وقوة الكلمة الحرة والصادقة. تذكرت ثقافة التنوع والتعدد، ونموذجها فارس الخوري الزعيم المسيحي وأحد الآباء المؤسسين للدولة السورية الحديثة، كما ورد على الخاطر نزار قباني والماغوط وبركات وصباح فخري. بحثت عن مذاق دمشق الذي عرفته قبل عقود، عن جمالها واعتدالها الديني والمجتمعي.
اتجهت إلى ضريح محيي الدين بن عربي، للسلام عليه، وخُيِّل لي أن الضريح قد تحول إلى «مجلس للحوار» وقفت ببابه مستغرباً خلوه من المريدين والمنشدين، حسبت أن الشيخ على سفر إلى إشبيلية التي يعشقها، وما إن هممت بالمغادرة حتى سمعت صوتاً في الفضاء وهو يُسبّح الله تعالى ويستغفره.
ورأيت، كما يرى النائم، أن الشيخ ابن عربي يومئ إليّ بتحية ويدعوني للجلوس، وسمعته يقول: «يا بني.. اعلم أن المسلمين تطاردهم هموم الدنيا، ونسأل الله أن يُفرّج همومهم، ويرفع البلاء عنهم، ويا مالك يوم الدين، ليِّن وسخّر للعرب والمسلمين قلوب الأوروبيين والأمريكيين».
وقفت حائراً ومتوجساً وأنظر حولي، محاولاً تفكيك هذه الإشارات والرموز والأصوات، وفجأة اقتحم المكان رجل طويل القامة ذو مهابة وملامح غامضة، وخُيِّل لي أن سمعت حركة قدمي الشيخ ابن عربي، وهو يغادر الضريح منكّس الرأس، ومضى مع الرجل الغريب، بعد أن أغلق باب المجلس الذي تجلَّى لي قبل لحظات.
غادرت المكان مسرعاً باتجاه بوابات دمشق، متأملاً أسرارها وحكايات الجمال والحشمة والرزانة وعبق التاريخ، تمنيت لو صلّيت ركعتين في الجامع الأموي، وأن أقرأ «الفاتحة» أمام ضريح صلاح الدين الأيوبي، وما يُجسِّده من رمزية للفارس النبيل الذي وحَّد مصر والشام والحجاز، وحرر القدس.
تذكرت ما قاله الجنرال الفرنسي هنري غورو، حينما احتل دمشق في عام 1920، ليصبح أول مندوب سامٍ لفرنسا على سوريا ولبنان، واشتهر بفرض الانتداب وتقسيم الشام إلى دويلات طائفية، ومقولته الشهيرة: «ها نحن قد عدنا، فانهض يا صلاح الدين لترانا في سوريا».
لم أنسَ المرور بمرقد عالم جسَّد «قوة العقل» وعرف بأنه المعلم الثاني بعد أرسطو، وكان طبيباً وفيلسوفاً وموسيقياً، هو أبو نصر الفارابي الذي صمم الآلة الموسيقية (الربابة) وكذلك «القانون» الذي هو أصل «البيانو» فيما بعد.
تركت بوابات دمشق وعدت أدراجي إلى فندقي، مروراً بباب «توما» وسور الكنيسة «المريمية».
في فندق قصر الشام، رحت أفتش في الذاكرة عن زيارة لهذا النُزل، قبل عقود، وحضرت إلى الذاكرة زيارة رسمية للمغفور له القائد المؤسس الشيخ زايد إلى دمشق إثر حرب أكتوبر 1973، وقد التحقت وصديق العمر المرحوم تريم عمران تريم بالوفد الرسمي قادمين من القاهرة. وقد حرص الشيخ زايد طيب الله ثراه، على زيارة القنيطرة التي عانت كثيراً أثناء الحرب.
يختلط الخيال بالواقع، وتعود صور رموز «قوة الروح» و«قوة العقل» و«الفارس النبيل» تطارد صاحبنا، لربما يحضر «ابن عربي» يوماً بعد شهر أو سنة، لكنه لم يعد، ومنذ القرن الثاني عشر ومجلسه مغلق.
.....
يحضر فجأة صوت الشاعر وهو يقول: «يا شام إن جراحي لا ضفاف لها، فامسحي عن جبيني الحزن والتعب».

عن الخليج الإماراتية