لا يحتاج المرء إلى كثير من العناء ليدرك اختفاء مصطلح «العالم العربي» أو «الأمة العربية» أو «الوطن العربي» من البيانات والوثائق والمقالات السياسية، في دول العالم، وإلى حد ما في الجغرافيا السياسية العربية، لمصلحة مصطلح «الشرق الأوسط» الفضفاض، بل والمطاطي الذي يتسع ويضيق، تبعاً للنوايا والأهداف الملتبسة.
وفي الوقت نفسه، وعلى نفس الدرب، الذي شاع وساد فيه مصطلح «الشرق الأوسط»، تم تجنب تسمية «المغرب العربي» وصار يشار إليه باسم «شمال إفريقيا» وبشكل يفصله عن «الشرق الأوسط» نفسه، وهكذا تم اختزال الوطن العربي، والهُوية العربية الحضارية المشتركة، واللسان العربي، بل والمصير العربي، ووضعه تحت مظلة ومطرقة مصطلح «الشرق الأوسط»، وفصل المغرب العربي عن محطيه وفضائه وانتمائه العربي، والمقياس هنا سياسي بامتياز، يتجاوز الجغرافيا والثقافة والتاريخ المشترك.
ويوماً بعد يوم، تتجذر هذه الهيمنة التي فرضها أصحاب المصطلح المطاطي، لتختزل «الأمة العربية» بتنوعها الثقافي والديني الثري، ضمن بعد جغرافي هلامي كبير، مملوء بالقوميات والأعراق والهويات المتصارعة والموروثات المتعددة، ويتجاوز الأمر، ببعده السياسي، إلى معاني الاستخفاف والإقصاء والنفي في المستقبل، وستعاني أجيال عربية قادمة مديونيات كبيرة على مختلف الصعد، ما يحمّلنا الآن، ساسة وإعلاميين ومفكرين ومؤسسات، ضرورة توفير أمصال واقية وكافية للمعالجة.
نستحق، كعرب ومؤسسات رسمية ومجتمعات مدنية، وإعلام تقليدي وحديث، أن نتمرد على هذه الهيمنة الناعمة والاختزال البائس، والطمس الخبيث لاسم العالم العربي، وترميم الهُوية الجغرافية والسياسية المقضومة، خاصة أن مصطلحات «الشرق الأوسط»، و«الشرق الأقصى»، و«الشرق الأدنى»، و«شمال إفريقيا» هي مصطلحات أفرزتها عقلية إمبريالية غربية في مطلع القرن العشرين، تتسم «بمركزية أوروبية» صارخة، وبناء على تصورات بريطانية في مكتب «الهند البريطانية» آنذاك.
يشير مصلح «الشرق الأوسط» وشمال إفريقيا MENA إلى بلدان عربية وإيران وتركيا والقوقاز، وأحياناً يضاف إليه أفغانستان وباكستان والحبشة، وفي الأربعينيات من القرن الماضي، ضم أيضاً الهند وسيلان (سريلانكا) ومناطق استراتيجية شكلت تنافساً بين المتنافسين الدوليين.
تحضرني الذاكرة عن زمن كان جيلي يرفض فيه مصطلح «العالم العربي»، ويُصرّ على مصطلح «الوطن العربي»، وها هو زمن قد جاء نتحسر فيه على تغييب المصطلحين معاً، لمصلحة مصطلح هجين اسمه «الشرق الأوسط»، هلامي في جغرافيته وهوياته وموروثاته ولغاته ومصالحه.
لا نبرئ الذات العربية، ومؤسسات النظام العربي الرسمية، وقادة الإعلام و«صنّاع المحتوى» النجوم الجدد، من أسباب الإقصاء والتهميش وانحسار الدور العربي المشرك.
كما تحضرني الذاكرة عن اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، ومراكز الحوار «الأمني» الدولية، في مدن عربية وأوروبية، وفي العديد من المنظمات الأممية المتخصصة، حيث لمست توجهاً دؤوباً لتحاشي ذكر مصطلح العالم العربي، حتى حينما يكون محور النقاش والحوار، يدور حول أزمات عربية، وما أكثرها.
هل أمسى العرب خارج الجغرافيا والتاريخ واللغة؟
.....
مات نزار وهو يتساءل:
أنا يا صديقي مُتعبٌ بعروبتي.. فهل العروبة لعنة وعقاب؟
عن الخليج الإماراتية
بلاد "الشرق" أوطاني
تاريخ النشر : 2026-03-02 12:20
