كلما وقفتُ أمام المرآة…
لم أكن أرى وجهي وحده...
كنتُ أراكَ، يا أبي،
تنهضُ من الملامح
كما ينهض الضوءُ
من ذاكرة الصباح...
أحدّق طويلًا…
فيسألني قلبي:
أين ينتهي وجهُك،
وأين يبدأ وجهي؟
أأنا أنتَ ...
وقد امتددتَ في الزمن؟
أم أنتَ أنا
وقد عدتَ تسكنني
كي لا يغيب حضورك؟
ربما تركتَ في دمي
سرًّا صغيرًا من روحك،
كي أراك كلما نظرتُ إلى نفسي،
وكي أمضي
على الطريق الذي رسمته
بصمتك النبيل...
يا أبي…
لم أطلب من هذه الدنيا
إلا شيئًا واحدًا:
أن يرضى قلبك عني،
وأن تنام روحك
مطمئنّةً
في فسحةٍ من نور وسلام...
ما زلتُ أحفظ وصاياك
كما يحفظ المسافر نجمةَ الشمال،
أهتدي بها
كلما اشتدّ الليل...
علمتني
أن يكون الوفاء طريقًا:
للبيت…
للتراب…
للهواء…
للفضاء…
للجيران…
للناس…
وللوطن
الذي أحببتَه
حتى صار حبُّه
وصيةً تسري في دمي.
وفي كل صلاة
أرفع إلى روحك سلامًا،
وأقول في سرّي:
نم هادئًا يا أبي…
فالعهدُ ما زال قائمًا،
والوصيةُ ما زالت حيّة،
وأنا…
ما زلتُ أحاول
أن أكون
الابن الذي أردت...
وحين أنظر إلى المرآة مرةً أخرى…
أبتسم...
لأنني لا أرى وجهي فقط،
بل أرى
رجلاً علّمني
كيف يكون الإنسان
وفيًّا…
حتى الغياب...
المرآة ...
تاريخ النشر : 2026-03-15 14:10
