في الشرق الأوسط، قد تبدأ الحروب باغتيال مرشد، لكنها لا تُحسم بقرار فتح «مضيق» أو إغلاقه. لم يعد الإقليم، بعد الثامن والعشرين من فبراير الماضي، مجرد ساحة نزاع تقليدية تُقرأ عبر خرائط الاشتباك أو بيانات الجيوش، بل تحوّل إلى مسرح تُدار فيه الحروب بالتصريحات المتناقضة وبالممرات البحرية، ومناورات التفاوض. فمنذ اللحظة التي أصبح فيها مضيق هرمز ورقة ضغط، لم يعد الأمر متعلقاً بقرار عسكري، بل باستقرار نظام اقتصادي عالمي بأكمله.
إغلاق المضيق، ثم فتحه، ثم غلقه مجدداً خلال ساعات، لم يكن مناورة إيرانية، بل سلسلة رسائل سياسية واقتصادية مركّبة، تؤكد أن طهران لا تملك فقط أدوات الردع، بل هي قادرة على إرباك العالم. وفي المقابل، جاء الحصار البحري الأمريكي المفروض على الموانئ الإيرانية، مصحوباً بتصريحات وتهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ليعكس مزيجاً محسوباً من التهديد والتلميح في آن واحد؛ حديث متكرر عن «ابتزاز» إيراني، يقابله تأكيد مستمر على أن اتفاقاً «وشيكاً» لا يزال ممكناً. هذه اللغة المزدوجة لا تعكس ارتباكاً، بقدر ما تعكس إدارة دقيقة لسقف التصعيد، بحيث يبقى الصراع تحت السيطرة دون أن يفقد قدرته على الضغط.
وقد تجسدت هذه المعادلة بوضوح في الأيام الأخيرة، حين أعلنت إيران إعادة فتح المضيق مؤقتاً، في خطوة بدت كأنها إشارة حسن نية، قبل أن تعود بعد ساعات قليلة لإغلاقه مجدداً نتيجة استمرار الحصار البحري الأمريكي وتصاعد التوتر في الممر الملاحي. هذا التذبذب بين الفتح والغلق لم يكن مجرد إجراء تكتيكي، بل تعبير عملي عن طبيعة المرحلة الراهنة: لا حرب شاملة تُحسم سريعاً، ولا سلام كامل يمكن الوثوق به، بل منطقة رمادية تُدار فيها الأزمة بنظام «النبض المتقطع»، حيث تُفتح نافذة التهدئة قليلاً، ثم تُغلق قبل أن تتحول إلى استقرار دائم.
لفهم جاذبية الشرق الأوسط لأي رئيس أمريكي، يكفي النظر إلى تاريخ هذا الإقليم الذي استعصت أزماته على الحل النهائي. فمنذ أكثر من ثمانية عقود يتواصل الصراع العربي الإسرائيلي دون نهاية حاسمة، بينما يقترب العداء الإيراني الأمريكي من إكمال نصف قرن، منذ قيام ثورة الخميني سنة 1979. وبين هذين المسارين، ظل الشرق الأوسط دائماً المسرح الأكثر قابلية لإنتاج لحظات تاريخية يبحث عنها صانع القرار في واشنطن.
وفي لحظة ترامب، تحوّل «هرمز» إلى ما يشبه «نووي إيراني جديد». فالممر الذي يمر عبره جزء معتبر من تجارة النفط الدولية، لم يعد مجرد طريق ملاحي، بل أداة تفاوض استراتيجية، تُستخدم بقدر ما تُستخدم القوة العسكرية نفسها. ومن هنا يمكن فهم لماذا تتزامن التحركات الميدانية مع تسريبات متزايدة عن اقتراب الولايات المتحدة وإيران من صياغة إطار تفاهم جديد، يمنح الطرفين مهلة زمنية لاستكمال التفاوض، دون إعلان انتصار صريح لأي طرف، في وقت يواصل فيه الرئيس الأمريكي إطلاق تصريحات متفائلة عن قرب التوصل إلى اتفاق، رغم استمرار أدوات الضغط العسكري والاقتصادي على الأرض.
هنا تحديداً تبرز استعارة «الموناليزا». فاللوحة التي رسمها ليوناردو دافنشي، واشتهرت بابتسامتها الغامضة، اكتسبت قيمتها من قدرتها على منح كل من ينظر إليها تفسيراً مختلفاً، دون أن تقدّم إجابة قاطعة. تلك الابتسامة، التي تبدو كأنها تُرضي كل مشاهد بطريقته، تمثل الصورة الأقرب لنمط الاتفاق الجاري البحث عنه اليوم: اتفاق يمنح كل طرف ما يكفي ليعلن أنه لم يخسر.
إيران تحتاج إلى رواية تُظهر صمودها في مواجهة الضغوط، والولايات المتحدة تحتاج إلى تقديم صورة رئيس قادر على فرض شروط دون الانجرار إلى حرب مكلفة، بينما تسعى إسرائيل إلى ضمان أمنها الاستراتيجي عبر ترتيبات قد لا تُعلن تفاصيلها كاملة. هكذا يصبح الاتفاق المنتظر أقرب إلى تسوية بصرية، تُعرض لكل جمهور بطريقة مختلفة، دون أن تكشف كامل مضمونها.
ما يجري حالياً يعكس نمطاً واضحاً في إدارة الصراع، يقوم على التصعيد المدروس يتبعه تراجع تكتيكي، ثم عودة إلى طاولة التفاوض. رفع سقف التهديد إلى أقصى حد، ثم استخدامه كورقة ضغط لانتزاع اتفاق يبدو في النهاية إنجازاً سياسياً. وفي هذا السياق، لم يعد فتح المضيق بعد إغلاقه إشارة إلى نهاية المواجهة، بل جزء من «هدنة اختبارية» يُقاس خلالها توازن الردع، ويُختبر استعداد الأطراف لتحمُّل الضغوط دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
في الوقت نفسه، تكشف هذه الأزمة عن بُعد دولي يتجاوز أطرافها المباشرين. فحين تتحول حركة ناقلات النفط إلى قضية تتداخل فيها مصالح قوى كبرى، يصبح أي اضطراب في هذا الممر الحيوي اختباراً لمرونة الاقتصاد العالمي، وليس فقط لميزان القوة العسكري. فالمعركة هنا لا تدور حول الجغرافيا وحدها، بل حول القدرة على التحكم في إيقاع الأسواق والموارد.
ومع تصاعد الحديث عن اتفاق وشيك، يظل السؤال الأهم مطروحاً: هل يمكن لاتفاق بملامح «الموناليزا» أن يُنهي حرباً طويلة، أم أنه سيؤجلها فقط؟
ما يتشكل الآن لا يبدو نهاية للصراع، بل انتقال إلى مرحلة أكثر تعقيداً في إدارته؛ مرحلة تُستبدل فيها المواجهات المباشرة بمناورات سياسية واقتصادية، تُدار عبر المضائق البحرية وسلاسل الإمداد وأسواق الطاقة، بقدر ما تُدار عبر الجبهات العسكرية.
ولهذا، فإن الاتفاق الذي يُطبخ اليوم، إذا خرج إلى النور، لن يكون خاتمة المشهد، بل بداية فصل جديد منه. فصل تُرسم ملامحه بابتسامة غامضة، تشبه «نظرة الموناليزا» نفسها: تمنح الطمأنينة ظاهرياً، لكنها تُخفي خلفها أسئلة لم تُحسم بعد.
