منذ ان بدأت هدنة الأسبوعين بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، بدأت تظهر الامور على حقيقتها، الإسرائيلي أولا وبموافقة حكومة ورئيس لبنان رفضوا مفهوم التلازم بين لبنان وإيران، ونتيجته كانت رفض إسرائيلي الإلتزام الفوري بالهدنة حتى ظهور محاولة كيفية تخريج الهدنة تحت مسمى المفاوضات المباشرة بين إسرائيل وحكومة لبنان، ومع ذلك تبين ان من فرض على إسرائيل الهدنة هو إيران عبر فرض الرئيس ترامب على حليفه نتنياهو الإلتزام ببيان الوسيط الباكستاني.*
*الثاني كان جولة المفاوضات الاولى في إسلام اباد بين إيران والولايات المتحدة حيث تبين أن لدى الأمريكي ورقة إستسلام يريد من الإيراني التوقيع عليها، وأن النقاط العشرة التي طرحتها إيران ووافقت عليها إدارة البيت الأبيض كأساس للمفاوضات لم تكن سوى سِلّم لنزول ترامب عن تنفيذ تهديداته ولمنع تفاقم الاوضاع الإقتصادية العالمية أكثر مما هي عليه ولاخذ مهلة من الزمن لإعادة التجهيز العسكري إن كان من حيث إعادة التموضع الدفاعي او لهدف تجهيز خُطط الهجوم لوجستيا وتدريبا ومنها الهجوم البري على بعض الجزر الإيرانية ومن ضمنها جزيرة خارك النفطية، او التجهيز للسيطرة على مضيق هرمز لمنع إستخدامه كوسيلة ضغط تمنع الأمريكي من تحقيق اهدافه*
*ثالثا استخدام الهدن لتثبيت واقع جغرافي سياسي وامني، كما تفعل إسرائيل على أرض الواقع*
*وفي محاولة لقراءة ماذا حدث نتيجة التهدئة القائمة والهدن المتفق عليها، نجد التالي:*
*اولا ـ امريكا تعمل على فرض واقع جديد في منطقة الخليج عبر الحصار البحري على الموانيء الإيرانية وعبر الحشد العسكري غير المسبوق منذ العدوان الأمريكي على العراق عام 2003 (ثلاث حاملات طائرات، 500 طائرة حربية بكل أنواعها، عشرات السفن من مدمرات الى غيرها، خمسين الف جندي غالبيتهم من النخبة والقوات الخاصة في المارينز، إعادة تموضع للدفاعات الجوية من باتريوت إلى ثاد لتفعيلها بشكل جيد وإعتماداً على تحربة الميدان السابقة وبهدف زيادة الحماية لإسرائيل)، وهي بذلك تعمل ايضا للضغط لأجل فرض اتفاق على إيران بالحدود الدنيا التي تقبلها الولايات المتحدة الأمريكية يستطيع الرئيس ترامب من خلاله إعلان "النصر" الساحق وفرض معادلة جيوسياسية جديدة في المنطقة، وإذا فشل في تحقيق ذلك، فكل شيء يكون جاهزاً للذهاب للحرب والتي ستكون أقصى مما كانت عليه قبل الهدنة الهشة، في محاولة لكسر الصمود الإيراني في مواجهة اعتى قوة في العالم.*
*ثانياـ إسرائيل تعمل بكل طاقتها على فرض جغرافيا امنية وسياسية، وبما يشمل الجبهات القريبة واللصيقة، وتجهز نفسها جيدا لساعة الصفر والبدء في الهجوم على إيران، لأنها مقتنعة بأن المفاوضات التي يُجريها الرئيس ترامب وطبقة "إبستاين" التي تتحكم في مفاصل الدولة الأمريكية من خارجية وبنتاغون وكونغرس ومجلس شيوخ ورئيس وبيت ابيض، ليست سوى مناورات لأهداف عسكرية اكثر من كونها دبلوماسية، حيث تقوم إسرائيل بما يلي:*
*▪️في لبنان ـ تعمل إسرائيل على خلق واقع جغرافي امني جديد يسمى خط الدفاع عن المستوطنات الشمالية في البر والبحر ويشمل 55 قرية لبنانية يجري هدمها بإستدعاء المقاولين الذين هدموا غزة، هذا الخط المسمى "الخط الاصفر" كما غزة، هو لمنع الصواريخ المضادة للدروع من الوصول للمستوطنات الشمالية ومنع تمركز اي قوة لحزب الله قريبة من الحدود، هم لم يطلقوا عليها حتى الآن لا منطقة عازلة ولا شريط حدودي أمني لإعتبارات تفاوضية ولكنها في الواقع هي قَطعْ جزء من جغرافيا لبنان لصالح المخططات الاسرائيلية المسماه مناطق عازلة في الجبهات القريبة، لإستخدامها في اي عملية تفاوضية قادمة، أي سيصبح شرط الإنسحاب منها يقابله نزع سلاح حزب الله إضافة الى منطقة أمنية إقتصادية على الحدود بلا سكان، اي تعديل الجغرافيا والديمغرافيا اللبنانية وفق متطلبات امنية إسرائيلية*
*▪️في غزة الضغوطات على حركة حماس من قبل المندوب السامي ملايندوف والوسطاء لاجل تسليم سلاحها وتحت عنوان تطبيق شامل لخطة ترامب وأن الامريكي لن يقبل بأقل من ذلك، ولا تزال المساومات مستمرة والحلول المطروحه حتى بمفهوم التوازي بين المرحلة الاولى والثانية وتطبيق مفهوم التدرج يؤدي الى نزع السلاح في النهاية ودون معرفة موقف الإسرائيلي مما يطرحه الوسطاء حتى الآن، في حين اسرائيل التي تحتل اكثر من نصف القطاع لم تقل كلمتها بعد والوزير سموتريتش يدعوا لاحتلال القطاع لتحويل الجغرافيا الامنية الى جغرافيا سياسية "عودة للإستيطان في غزة"، اي ان جبهة غزة على موعد جديد من التصعيد القادم لا محالة إذا لم توافق حماس على نزع سلاحها وفق الرؤيا الأمريكية - الإسرائيلية، اي تُعلن رسميا الإستسلام، لأنه بعد نزع السلاح سنرى شروط جديدة اهمها المطالبة بإعتقال كل من كان له ضلع في السابع من تشرين اول/اكتوبر، خاصة أن الضامن الأمريكي لا فرق بينه وبين الإسرائيلي، ومن يحاول التفريق هم الذين إستسلموا واصبحوا في حلف التابعين*
*▪️في الضفة حيث هناك المعركة المصيرية التي يحدث فيها التغيير الذي لا يمكن إعادته إلى ما كان عليه سابقا، وتحت يافطة فرض الأمر الواقع، وفيها يتم العمل بمفهوم الجغرافيا السياسية من حيث الإستيطان بكل اشكاله وانواعه ومشاربه السكنية والزراعية والصناعية والرعوية وما يسمى المناطق الخضراء والامنية والعسكرية وما يرافقها من بنية تحتية كبيرة من شوارع وأنفاق وتمديدات للماء والكهرباء والإنترنت وغيرها، جغرافيا سياسية تبتلعها إلى غير رجعة وبدعم رسمي حكومي إسرائيلي وتعاطي أمريكي رغم بعضاً من الغضب ونفاق اوروبي لا مثيل له وسيتحمل مسؤولية كبرى عما يحدث من سيطرة وضم وتطهير عرقي في الضفة، إن ما يحدث في الضفة يؤكد أن مشروع الضم بدأ يصل إلى نهايته وبتواطؤ من المجتمع الدولي وقصور وعجز إقليمي وفلسطيني غير مسبوق، اما القدس الشرقية فكما يبدو تم حسم امرها وأخرجت عن طاولة المفاوضات، وما حدث للاماكن المقدسة خلال الأربعين يوما من العدوان على إيران مثال ساطع*
*▪️اما في سوريا، فالإسرائيلي فرض ما يريد كأمر واقع ودون اي إزعاج، وسنة كاملة من المفاوضات بين النظام القائم في سوريا وبين إسرائيل لم ينتج عنها شيئا، ولم يستطيع نظام الرئيس المؤقت أحمد الشرع إقناع الإسرائيلي بحسن نواياه وما يقوم فيه من منع تهريب السلاح الى لبنان عبر سوريا، بل إعلانه بأنه جزء من معادلة مواجهة إيران وحلفاءها، لم يستطع أن يقنع الإسرائيلي بالعودة فقط لمعاهدة فض الإشتباك عام 1974، وهذا يؤكد المؤكد بأن ما يريده الإسرائيلي السيطرة على الأرض العربية وعلى مقدراتها وفرض الوصاية عليها، وهو ما يسميه نتنياهو بِ "التغيير الجيوسياسي"*
*إذا وبقراءة للواقع الميداني تستطيع القول ان الهدن جائت لاهداف عسكرية وامنية بحته، وبحيث يتم:*
*اولا ـ فرض امر واقع كما في سوريا ولبنان وغزة.*
*ثانيا ـ استراحة تقييمية وضغط على إيران لتحقيق الأهداف تحت التهديد العسكري*
*ثالثا ـ حشد وتجهيز عسكري تحضيرا لبدء معركة فاصلة تستطيع من خلالها الولايات المتحدة وإسرائيل فرض إملاءاتهم على إيران*
*رابعا ـ إلتقاط الانفاس لأسباب داخلية أمريكية ونتيجة للضغط الإقليمي والدولي بسبب انهيار الإقتصاد، وبذلك يحاول ترامب وإدارته القول بأنهم ذهبوا لما يريده العالم ولكن إيران رفضت تلبية الشروط*
*على كل، وحيث ان المنطق لا يحكم اي شيء منذ إنطلاق السابع من تشرين/أكتوبر، والتحول إلى قانون القوة المتوحشة بدل القانون الدولي والانساني، حيث كل شيء أصبح مرتبطا بأخلاق جماعة "إبستاين" وجماعة الصهيونية الدموية المتعطشة للدماء بإسم الرب "يهوة"، لذلك فإن القادم سيكون أسوأ بكثير مما مضى، ومن إعتقد أن الخيار العسكري قد تم إستبعاده فهو مخطيء كون انه يفكر بشكل منطقي، فاذا كان كل ما فعلته الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل لم يُحقق الأهداف، فماذا بقي لكي يفعلوه؟!!*
*طبعا اصحاب المنطق في تقدير الموقف لا يأخذون بعين الإعتبار بان لا مَنطق اصلا لدى الامريكي والاسرائيلي، وان المنطق السائد في عقولهم منطق القوة ومزيد من القوة، منطق الإخضاع والسلام بالقوة، منطق إذلال الدول وإذلال القادة والأفراد، هم هكذا يفكرون، وهم هكذا هم، مجرمين حتى النخاع، وساديين وعنصريين، وفوق ذلك كله وضعوا انفسهم مبعوثيين من الإله*
*ترامب يهدد ويعطي إنذار أخير ويقول الهدنة تنتهي فجر يوم الخميس بتوقيت واشنطن، وهو بذلك يرسل رسالة واضحة، إما الحرب وإما الخضوع*
*محور المقاومة وعلى رأسه إيران وافق على الهدن المطروحه، ولكنه يعلم ان كل ذلك ليس سوى فترة للتجهيز للمواجهة القادمة، لأنه يعلم بأن هزيمة أمريكا أمامها إستحقاقات كبيرة، وأن هزيمة إسرائيل تعني نهايتها، لذلك لا يمكن أن تفوت إسرائيل طبيعة الواقع الأمريكي الذي يعمل في خدمتها وسوف تستغله لأبعد حد، وهذا يعني بوضوح ان المنطقة ستنفجرُ حرباً، وأننا امام معالم جغرافية سياسية لن يرسمها سوى الميدان*
