المؤتمر الثامن لحركة فتح: التحديات والفرص!!!
تاريخ النشر : 2026-04-21 15:48

تواجه الحالة الفلسطينية في الوقت الراهن لحظة تاريخية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها التحولات الداخلية مع تصعيد خارجي غير مسبوق، تمثّل في العدوان الإسرائيلي المتواصل، الذي تجاوز في أبعاده منطق الحرب التقليدية إلى منطق الإبادة الممنهجة ذات النمط التدميري الواسع النطاق الذي طال البشر والحجر والشجر، خاصة في قطاع غزة. هذه الكوارث التي أحدثتها آلة الحرب الإسرائيلية، تحتم علينا كأصحاب قضية عادلة وتاريخ نضالي مشرف أن نعيد النظر في مجمل الأطر الوطنية والتظيمية والفصائلية، وعلى رأسها حركة فتح بوصفها الفاعل التاريخي المركزي في المشروع الوطني.
إن المؤتمر الثامن لحركة فتح المزمع عقده في الرابع عشر من أيار/مايو 2026م لا يمكن فهمه باعتباره محطة تنظيمية داخلية فحسب، بل باعتباره لحظة اختبار لموقع الحركة ودورها الريادي في واقع وطني يتعرض لتآكل متسارع، سواء بفعل الاحتلال وهمجيته، أو الانقسام وتداعياته، أو ضعف العمل الفصائلي وسوء آداؤه.
استنادًا إلى ما تقدم، نسعى في هذا المقال لتسليط الضوء على أربعة عوامل من المفترض أن تشكل حافزًا للانطلاق نحو رؤية فتحاوية جامعة، ودافعة في مواجهة التحديات، وخلق الفرص لتجاوز الواقع المعقد بتجلياته المختلفة والمتناقضة على حدٍ سواء.
أولًا: الإبادة الإسرائيلية كعامل حيوي في إعادة تشكيل واقع فلسطيني أكثر مسؤوليةً وانتماءً ووحدةً:
يمثل التصعيد الإسرائيلي المستمر - منذ نكبة فلسطين عام 1948م عمومًا، والسابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023م، على وجه الخصوص - حالة متقدمة من الإبادة الممنهجة التي لا تستهدف فقط حركة حماس كتنظيم مسؤول عن مقامرة غير محسبوبة العواقب، بل تطال الفلسطيني بصفته صاحب والتاريخ والجغرافيا والتراث على هذه الأرض، وتطال كل مفردات الحياة. فالتدمير الواسع للمنازل، والمستشفيات، والمدارس، وشبكات الكهرباء والمياه، يعكس نمطًا مقصودًا من السلوك الهمجي الإسرائيلي الممنهج الهادف إلى تفكيك القدرة على الاستمرار في الحياة، وليس مجرد استهداف عسكري بحت كما يزعم قادة الإبادة الإسرائيليون.
لقد دمرت آلة العدوان الإسرائيلية كل شيء، وما زالت تعيث فسادًا وخرابًا في غزة التي دُمرت أجزاء واسعة من بنيتها التحتية بمختلف مكوناتها وقطاعاتها، لا سيما الصحية، التي باتت عاجزةً عن استقبال أعداد الجرحى، في وقت انهارت فيه منظومة الإمداد الدوائي بشكل شبه كامل، ناهيك عن التعليم والخدمات الأساسية وقطاع الكهرباء والاتصالات، وكل شيء يمكن أن يخفف من وطأة الحياة. هذا الواقع المؤلم لم ينعكس فقط على الواقع الانساني، بل انعكس على الواقع السياسي أيضًا، حيث تراجعت قدرة المؤسسات الفلسطينية على العمل، ووجدت الفصائل نفسها أمام بيئة تشغيل شبه معدومة، بفعل الحرب، وبفعل ارتهانها لجهات إقليمية خُلقت لزرع بذور الفتنة، ومنع الوحدة كهدف استراتيجي لها.
وفي الضفة الفلسطينية ومخيماتها، الأمر ليس بأفضل من غزة، فالوضع فيها يزداد تدهوراً، ويترافق مع تصاعد الاستيطان والاقتحامات العسكرية اليومية، ما أدى إلى حالة استنزاف سياسي وأمني مستمر، تقلص معها هامش الفعل الوطني المنظم، وأضعفت إمكانية إنتاج استراتيجية سياسية موحدة.
ثانيًا: الحالة الفتحاوية بين الإرث النضالي وضغوط الواقع الخيارات المحدودة:
تمثل حركة فتح حالة خاصة وفريدة من نوعها داخل النظام السياسي الفلسطيني، فهي من جهة الحركة التي أطلقت المشروع الوطني المعاصر، والفاعل الأساسي في إدارة السلطة من جهة أخرى. هذه الازدواجية خلقت مع مرور الوقت حالة من التوتر بين الدور التحرري والدور الإداري.
فعلى المستوى التنظيمي، يمكن ملاحظة تراجع واضح في حيوية الأطر الداخلية، حيث أصبحت بعض الهياكل التنظيمية أقرب إلى الطابع الإداري منها إلى الطابع الحركي التعبوي. كما أن ضعف تجديد النخب القيادية، لا سيما الشابة والطموحة، أدى إلى حالة من الجمود المتراكم في إنتاج الأفكار والبرامج، وثبط روح الابتكار والإبداع. وهذا ما نلاحظه في معظم المناطق التنظيمية، حيث يظهر بوضوح ضعف المشاركة الشبابية في صنع القرار، واقتصار النشاط على مناسبات محددة لا يمتلك فيها أصحاب الهمم الحالمة إلا أن تصبح الأمنيات واقعًا يستنهض الحركة، ولا يجد من يحقق أمنياته، مع غياب الفعل التنظيمي اليومي المتواصل. هذا الضعف انعكس على قدرة الحركة في تجديد خطابها السياسي، وجعلها أقل تفاعلًا مع التحولات الاجتماعية المتسارعة داخل المجتمع الفلسطيني.، ناهيك عن التفاعلات السياسية التي تتطلب تنسيقاً كاملاً بين مختلف أطر الحركة.
ثالثًا: الإعياء الفصائلي وتراجع المشروع الوطني الجامع:
لا يمكن فصل أزمة حركة فتح عن السياق العام للأزمة العامة في النظام الفصائلي الفلسطيني الذي يعاني من حالة إعياء تتطور لتصبح مزمنة. فالانقسام بين الضفة وغزة منذ عام تموز/يوليو 2007م خلق هياكل سياسية مزدوجة وضعيفة، أدت إلى تآكل مركزية القرار الوطني، وتحول الفصائل إلى كيانات متوازية بدل أن تكون جزءًا من منظومة وطنية موحدة.
فالعشرات من جولات الحوار لتجاوز الانقسام قد فشلت وأُفشلت، رغم توقيع اتفاقات متعددة، مثل اتفاقات القاهرة والدوحة، بسبب غياب الإرادة السياسية الموحدة وآليات التنفيذ الفعالة. هذا التعثر المستمر عمّق فقدان الثقة بين الفصائل، وأضعف القدرة على بلورة استراتيجية مقاومة أو سياسية مشتركة. كما أدى إلى تراجع دور المؤسسات الجامعة مثل المجلس الوطني الفلسطيني، الذي لم يعد قادرًا على أداء دوره كإطار تمثيلي شامل، ما أضعف الجذور التمثيلية للمشروع الوطني برمته.
رابعًا: المؤتمر الثامن كفرصة لإعادة التأسيس:
في ظل هذا الواقع المعقد، يبرز المؤتمر الثامن لحركة فتح كفرصة يتمناها كل فتحاوي وفلسطيني مخلص وحريص لإعادة التفكير في الدور والموقع والوظيفة. فالمطلوب من المؤتمر ليس معالجة قضايا تنظيمية داخلية، بل إعادة تعريف العلاقة بين الحركة والمشروع الوطني، وبينها وبين المجتمع الفلسطيني الذي ما زال يعشق الحركة ويؤمن بقدرتها على التعافي والانطلاق نحو هدف الدولة. ومن الفرص التي يجب أن تُستثمر بقتدار على عدة مستويات:
1. على المستوى التنظيمي: تبرز الحاجة إلى إعادة إحياء الأطر القاعدية، بحيث تعود الحركة إلى نموذج المشاركة الفعلية، وليس فقط التمثيل الشكلي. فغياب الفعل القاعدي جعل الحركة أقل قدرة على التفاعل مع ميول الشارع الفلسطيني، خاصة في ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية العميقة.
2. على المستوى السياسي: تحتاج الحركة إلى صياغة خطاب أكثر اتساقًا مع الواقع الجديد، يأخذ بعين الاعتبار أن المجتمع الفلسطيني يعيش حالة ضغط وفناء وجودي نتيجة الإبادة التي عاشتها وتعيشها غزة، والضغط القوي الشديد الذي تعيشه مدن وقرى الضفة الفلسطينية، ما يتطلب خطابًا يجمع بين الصمود السياسي والرؤية الاستراتيجية المستقبلية.
3. على مستوى العلاقة الوطنية: فإن استنهاض فتح يعني بالضرورة الدفع نحو إعادة بناء وحدة النظام السياسي الفلسطيني، ليس فقط من خلال شعارات المصالحة، بل عبر آليات عملية تضمن إعادة تفعيل المؤسسات الجامعة.
باعتقادي، إن الحالة الفتحاوية اليوم تقف أمام اختبار تاريخي حقيقي. فالإبادة الإسرائيلية المستمرة، والانقسام الداخلي، والاعياء الفصائلي، جميعها عوامل أسهمت في إضعاف الهياكل الوطنية الفلسطينية بشكل عام. في المقابل، فإن موقع حركة فتح التاريخي يمنحها مسؤولية مضاعفة في إعادة بناء الفعل الوطني المتمسك بالحق التاريخي والوجودي للشعب الفلسطيني على ترابه الوطني.
إن تطلعنا لنجاح المؤتمر في تحويل التحديات إلى فرص لإعادة الاستنهاض، سواء على المستوى التنظيمي أو السياسي أو الوطني، يمكن أن يشكل نقطة تحول في مسار الحالة الفلسطينية. أما استمرار حالة الجمود - لا سمح الله - فسيعني تعميق الأزمة وتآكل القدرة الفلسطينية على الفعل الجماعي في مواجهة واحدة من أخطر المراحل في تاريخ الصراع.