في المحافل الدولية ومنصات الإعلام الغربي، تبرز صورة "المستوطن" كمدني يعيش حياته اليومية، مزارعاً أو رب أسرة، يواجه مخاطر أمنية ويحتاج للحماية. لكن على أرض الواقع في قرى وتلال الضفة الغربية، تتبدد هذه الصورة لتكشف عن حقيقة مغايرة تماماً؛ فنحن أمام "فاعل عسكري" متكامل الأركان، يرتدي زي المدنيين لينفذ أجندة الحرب، مستفيداً من حصانة "الضحية" وسلطة "الجندي".
تعتمد الماكنة الإعلامية للاحتلال على تسويق مصطلح "المدنيين" لوصف المستوطنين، وذلك لانتزاع تعاطف دولي وتحييد أي انتقادات حقوقية. هذا الخطاب يهدف إلى تصوير أي مواجهة مع المستوطنين كـ "اعتداء على مدنيين عزّل"، متجاهلاً حقيقة أن هؤلاء هم رأس الحربة في مشروع استيطاني إحلالي، وأن سلاحهم ليس مجرد أداة للدفاع، بل هو وسيلة للتوسع وقمع أصحاب الأرض.
بعيداً عن عدسات الكاميرات، تلاشت الحدود بين المستوطن والجندي. فمنذ أكتوبر الماضي، تحولت المستوطنات إلى ثكنات عسكرية حقيقية بعد توزيع آلاف القطع من الأسلحة الهجومية على ما يسمى "فرق الحماية".
في الميدان، يتحرك هؤلاء المستوطنون ككتائب منظمة:
تكتيكات عسكرية: ينفذون هجمات منسقة على القرى الفلسطينية بأسلوب "الكمائن" والالتفاف.
تكامل الأدوار: يقوم المستوطنون بالاعتداء والترهيب، بينما يوفر جيش الاحتلال الغطاء الأمني واللوجستي، وأحياناً التدخل المباشر لإنقاذ المعتدين إذا ما واجهوا مقاومة.
تجاوز القوانين: بزيّهم المدني، يمارس هؤلاء عنفاً "غير رسمي" تترفع الدولة عن تبنيه علناً، لكنها تحصده كإنجاز سياسي وميداني.
إن خطورة طمس الخط الفاصل بين "المستوطن" و"الجندي" تكمن في خلق منطقة رمادية قانونية.
فالمستوطن حين يقتل فلسطينياً، يُعامل في المنظومة القضائية كـ "مدني في حالة دفاع عن النفس"، بينما يُعامل الفلسطيني الذي يدافع عن أرضه كـ "إرهابي" في المحاكم العسكرية.
هذا "التمويه" في الهوية هو أداة لشرعنة القتل؛ حيث يتم إعفاء المستوطن من الانضباط العسكري وقواعد الاشتباك، وفي الوقت ذاته يُمنح كل صلاحيات الجندي في استخدام القوة المميتة.
إن تقديم مستوطني الضفة الغربية كـ "مدنيين" في الخطاب الإعلامي ليس مجرد خطأ في التوصيف، بل هو غطاء وظيفي مُمنهج لتمرير مشروع تهجير قسري بزيّ مدني.
إنهم في الحقيقة "جنود بلا بدلات عسكرية"، يمثلون ذراعاً ضاربة لا تتقيد بقوانين الحرب ولا تخضع للمساءلة القانونية، مما يمنح الاحتلال فرصة التنصل من مسؤولياته الدولية مع استمراره في فرض الوقائع على الأرض.
إن الحقيقة التي يدركها الفلسطينيون جيداً هي أن الرصاصة التي تقتلهم قد تخرج من بندقية مستوطن، لكنها تعمل بآلية وقرار وحماية دولة كاملة، مما يجعل من هؤلاء "المدنيين" في الإعلام، جنوداً كاملين في معركة الميدان.
