ولا تزال «نظرية الرجل المجنون» تطارد دونالد ترامب في الإعلام الأمريكي، حيث جرى استدعاؤها مؤخراً ومعها فشل صاحبها ومبدعها الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون، للتحذير من أن تتحول إيران إلى فيتنام جديدة، تجر معها الولايات المتحدة إلى فخ تنزلق فيه ولا تستطيع الخروج منه إلا بعد سنوات طويلة من الاستنزاف.
أما إعلامنا العربي، فقد استدعى بدوره أزمة السويس الشهيرة سنة 1956، وراح يبشر بأن يحدث لأمريكا اليوم ما جرى وقتها لبريطانيا الإمبراطورية، التي لم تكن تغيب عنها الشمس، عندما قرر رئيس وزرائها أنتوني إيدن التحالف مع إسرائيل وفرنسا وشن العدوان الثلاثي الفاشل على مصر، ليخرج منه مهزوماً «مكسور الوجدان»، اقتباساً من شاعرنا العربي الكبير نزار قباني، كما قال في رائعته «قارئة الفنجان» التي غناها عبدالحليم حافظ سنة 1976.
وما بين إيدن ونيكسون، يتأرجح مصير ترامب في هذه المعركة الممتدة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي لا تزال قادرة -برغم ما تعرضت له في «حرب رمضان 2026»- على مراوغة أقوى دولة في العالم، تلك التي احتشدت بكامل عتادها العسكري في محيط الخليج العربي بقوة لم تظهر في المنطقة منذ الغزو الأمريكي للعراق سنة 2003، وفرضت طوقاً عسكرياً خانقاً حول الجغرافيا الإيرانية براً وبحراً وجواً، محاولة فرض شروطها على ما تبقى من مراكز القرار في طهران.
غير أن جوهر الأزمة لا يكمن في ميزان القوة العسكرية وحده، بل في كيفية توظيف هذه القوة سياسياً. فالحروب الحديثة لم تعد تُقاس فقط بعدد الصواريخ أو حجم الحشود العسكرية، بل بقدرة القيادة السياسية على تحويل التفوق العسكري إلى تسوية قابلة للاستمرار. وهنا تحديداً يظهر مأزق «صورة المنتصر»، التي تحولت في الحالة الأمريكية من هدف سياسي إلى عبء استراتيجي يقيّد حركة القرار ويحد من مرونته.
فمنذ اندلاع المواجهة مع إيران، سعت الإدارة الأمريكية إلى تقديم عملياتها العسكرية باعتبارها نجاحاً حاسماً يمهد الطريق لفرض شروط جديدة على طاولة التفاوض. غير أن الواقع الميداني سرعان ما كشف أن الضربة العسكرية، مهما بلغت قوتها، لم تحقق الهدف السياسي الكامل، وهو إخضاع الخصم وإجباره على القبول بشروط ما بعد الحرب. وعلى العكس، أظهرت إيران قدرة واضحة على امتصاص الصدمة الأولى، ثم الانتقال إلى مرحلة المراوغة الاستراتيجية، مستفيدة من اتساع جغرافيتها، وتشابك ساحات الاشتباك، وتعقيد البيئة الإقليمية المحيطة بها.
وفى ظل هذا التعقيد، تحولت المفاوضات من مسار موازٍ للحرب إلى ساحة صراع قائمة بذاتها. فقد شهدت الأشهر الماضية جولات تفاوضية متعددة بدأت قبل الحرب في جنيف، ثم انتقلت بعدها إلى إسلام آباد، في محاولة لإيجاد مخرج سياسي يوازن بين منطق القوة ومنطق التسوية. غير أن تعليق الجولة الثانية من مفاوضات إسلام آباد، تحت وطأة التصعيد المتبادل، كشف عن عمق الخلافات، وأظهر أن ما يُطرح على الطاولة لم يعد مجرد ترتيبات تقنية تخص الملف النووي أو القيود العسكرية، بل ترتيبات سياسية تعيد رسم شكل العلاقة بين الطرفين لسنوات طويلة مقبلة.
وفى قلب هذه المعادلة، برز الحصار البحري باعتباره الأداة الأكثر حساسية فى الاستراتيجية الأمريكية. ففرض السيطرة على الممرات البحرية الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز، لم يكن مجرد خطوة عسكرية، بل رسالة سياسية واضحة مفادها أن واشنطن قادرة على خنق الاقتصاد الإيراني متى شاءت. غير أن هذه الرسالة حملت في طياتها مخاطر مضاعفة، لأن استمرار الحصار دون أفق سياسى واضح يجعل أي هدنة مؤقتة مجرد استراحة قصيرة قبل جولة تصعيد جديدة.
ولهذا لم يكن إعلان وقف إطلاق النار الأخير بلا سقف زمنى محدد خطوة عادية، بل كان مؤشراً على حالة تردد استراتيجية داخل واشنطن. فالهدنة المفتوحة تمنح الإدارة الأمريكية فرصة لإعادة ترتيب أوراقها، وتعويض ما استُنزف من مخزونها العسكري، لكنها في الوقت نفسه تعكس إدراكاً ضمنياً بأن العودة إلى الحرب الشاملة ليست خياراً سهلاً، وأن كلفتها قد تتجاوز حدود المكاسب المتوقعة.
وتزداد هذه المعادلة تعقيداً مع دخول العامل الاقتصادي بقوة في حسابات القرار. فكل تصعيد فى محيط مضيق هرمز كان ينعكس مباشرة على أسعار النفط، وكل تهديد بإغلاق الممرات البحرية كان يثير اضطرابات فى الأسواق العالمية. ومن هنا بدا واضحاً أن تهدئة الأسواق أصبحت هدفاً لا يقل أهمية عن إدارة العمليات العسكرية، وأن الخطاب السياسى الأمريكى بات يتحرك بين حدين متناقضين: لغة تصعيد تحافظ على صورة الردع، ورسائل تهدئة تحاول احتواء مخاوف الاقتصاد.
أما إيران، فقد أظهرت -رغم الخسائر الكبيرة التى لحقت بقياداتها ومؤسساتها- قدرة لافتة على إعادة تنظيم صفوفها بسرعة، مستندة إلى بنية مؤسسية متعددة المستويات تسمح بملء الفراغ القيادى دون انهيار شامل. وهذه الحقيقة تجعل الرهان على تفكك الداخل الإيراني رهاناً محفوفاً بالمخاطر، بل وربما خطأً استراتيجياً يعيد إنتاج أخطاء تاريخية سابقة، حين ظنت قوى كبرى أن الضغط العسكرى وحده كفيل بإسقاط خصومها.
إن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق فقط بمستقبل هذه الحرب، بل بمستقبل القيادة الأمريكية نفسها في اختبار تاريخي مفتوح. فالتاريخ يعلمنا أن الانتصارات العسكرية، إذا لم تُترجم إلى تسويات سياسية واقعية، تتحول مع مرور الوقت إلى أعباء ثقيلة تستنزف القوة وتُضعف المكانة الدولية.
وبينما تتسارع الأحداث في الخليج، تبقى المفاوضات معلقة بين التهديد والوعود، ويظل السؤال مفتوحاً على احتمالات متعددة: هل يتعلم ترامب من دروس إيدن ونيكسون، أم يكرر أخطاءهما في لحظة تاريخية لم تعد تحتمل المغامرة؟
