قدرٌ لا يُؤجَّل...
د. عبد الرحيم جاموس
أمد/ أحيانًا أفكّر …
وأحيانًا أكون كما أنا،
رجلًا تُثقله الأسئلة
وتُضيئه الذكرى ...
أحاول أن أختلي بنفسي،
أن أرتّب فوضى الروح،
وأغلق أبواب الليل،
لكنها تقطع عليَّ خلوتي؛
تدخلني كما يدخل الضوء
شقوق الجدار،
وكأنها قدري الذي لا يُؤجَّل ...
فأنا لستُ وحدي أبدًا …
لأنها تسكن قلبي وعقلي،
تقيم في نبضي صلاةً،
وفي فكري أرضًا
لا تعصف بها الريح ...
أرفض أن تغادرني،
وهي تأبى أن تفارقني؛
بيننا عهدُ ترابٍ ودم،
وميثاقُ روحٍ لا ينكسر ...
سخّرتُ لها شعري ونثري،
وحين أنطق:
يتشكّل اسمُها على شفتي
كما يتشكّل الفجر
من خاصرة العتمة ...
صوتي لا يعرف غيرها،
ولا ينادي سواها،
كأن الحروف خُلقت
لتكون مرايا لوجهها ...
هي التي تبعث بي فكرًا ونورًا،
وتوقِد في صدري
قناديل المعنى ...
فإذا ضاق العالم،
اتّسعت هي في داخلي،
وصارت جهتي
وبوصلتي
ونجاتي ...
وأنا المتيم بذرات ترابها،
العاشق حتى الذوبان،
حتى صرتُ ظلًّا لزيتونها،
ووترًا في نشيد بحرها،
ونبضًا في قلب مدينةٍ
تقوم من تحت الركام
وتقول للحياة:
إنني هنا ...
تسرّبت في دمي،
فلم أعد أفرّق
بين اسمي واسمها،
ولا بين جرحي وجرحها ...
صارت وشمي …
وصرتُ اسمها ...
إن سألتني:
من هي؟
قلت:
هي الأرض إذا اغتُصبت فقاومت،
وهي الطفل ..
إذا حاصرته النار فابتسم،
وهي الأمّ إذا ودّعت شهيدًا
وزفّته إلى السماء
كما يُزفّ العريس ...
هي الحقيقة:
حين يُراد لها أن تُطمس،
وهي الضوء
حين تتكاثر العتمات ...
إن غابت عن عيني لحظة،
حضرت في قلبي عمرًا،
وإن حاولتُ نسيانها،
ذكّرتني بها
كلُّ الأشياء:
سماءٌ تُصلّي،
أرضٌ تُنبت،
حجرٌ يصبر،
وصوتٌ يعلو
فوق الحصار ...
هي أنا …
في أنقى انتمائي،
وأصدق عهدي،
وأبقى وعدي ...
لهذا …
أحيانًا أفكّر،
وأحيانًا أكون كما أنا،
لكنني في كلِّ حال
أكون بها …
ولها …
ومن أجلها ...
هيَّ قدرٌ لا يُؤَجّـل...!
