ما زال "الفيل في الغرفة"

تابعنا على:   11:35 2026-02-21

د. يوسف الحسن

أمد/ تخيَّل أن فيلاً يقيم في «مجلس» يعيش فيه بضعة أفراد، ويتصرفون وكأن الفيل غير موجود، ويتجاهلون ماهيته، ولا يتحاورون في شأنه، ومخاطر هيجانه، ولا يبحثون في حلول ناجعة لإخلائه من «المجلس».
سألت صديقاً عُرف بالحكمة والظرف وحُسن العبارة، عن أسباب تجاهل أصحاب «المجلس» لوجود الفيل بينهم، خاصة أنهم لا يتمتعون بشيء من ثقافة أصدقائنا الهنود، والتي تتوافق مع وجود الفِيَلة في ديرتهم ومجالسهم، وكفأل حَسَن، يجلب الطاقة الإيجابية، وكرمز للقوة والحماية الذاتية.
قال صديقي: إن من أوقع الأمور في حياتنا العربية، وأضرها بمستقبل الأمة وإقليم الخليج والجزيرة العربية، وأسرعها في ذهاب وقارها وتعاضدها، وانكفاء تعاونها، هو تجاهلها لوجود «أفيال» في فضاءاتها، وتعذر فهمها ما وراء «أكمة» الأحداث والتحولات، فضلاً عن تصديقها ل«سوالف» الكبار من أباطرة و«عيَّارين»، فضلاً عن «شخير» المثقفين والمحللين الاستراتيجيين على قنوات التلفزة العربية.
يكبر فيل «المجلس»، يوماً بعد يوم، في زمن الفوضى الإقليمية والدولية، وغثاء المغرّدين في وسائل التواصل الاجتماعي، وقد ضاقت حيلة «سكان» المجلس، وعموم «ربعهم» بمسألة الفيل، وقيل إن صدورهم قد ضاقت أيضاً، ووقف أعرابي مهموم، يسأل على باب المجلس، فقالوا له «يفتح الله لك»، فردّ قائلاً: «ما جئت أسأل كسرة خبز، ولا شربة ماء، بل لأسألكم أن تُخرجوا الفيل من مجلسكم بسلام».
فقالوا: «لا نقدر عليه»، قال: «فما جلوسكم هنا؟» قالوا: نبحث عن وثيقة صدرت قبل 44 عاماً، تحمل عنوان «هيئة تسوية النزاعات»، ولم نجدها حتى الآن، وأن أغلب الظن، أنها في بطن الفيل، أو أنها «طارت» منذ ولادتها، في الفضاء وسقطت في البحر وابتلعها «حوت يونس».
قال صديقي الظريف: «ماذا لو حَضَرتْ حكمة أهل المجلس، وتم الاعتراف بوجود فيل في الغرفة، وجرى الحوار بعقلانية ومن غير إنكار ومكابرة، في كيفية إخراج الفيل من المجلس، دون إضرار لأحد، أو لجدران الغرفة وجيرانها؟» وأضاف صديقي الظريف قائلاً:
لو كان الفيل «قعوداً» لصبرنا عليه، وسيكون لصبرنا منفعة وقبول، ومفارقة الصبر يا صاحبي تفسد الأمور.
لا أحد عاقلاً إلّا ويرحب بالحوار بين المتخاصمين، ولا أحد مهموماً ومعنياً بالازدهار والاستقرار والتكامل في الإقليم، إلّا ينتابه الفرح والغبطة بالتوصل إلى حلول نافعة ومستدامة ومشتركة، للخلافات والهواجس ولإنهاء النزاعات، من خلال الحوار وبناء الجسور والأمن الجمعي، وترسيخ الثقة المتبادلة والتنسيق المشترك، واعتبار أن تباين الآراء بين الدول أمر طبيعي وصحي، إلّا أن الخطر هو تحويل الخلافات إلى خصومة.
إن استمرار تجاهل وجود فيل في «المجلس» لن يساعد على تعزيز التفكير الاستراتيجي الجمعي تجاه مستقبل المنطقة، وعلاقاتها مع الدول الإقليمية الكبرى، وهي دول تتمتع بمرونة تكتيكية هائلة، وأحلام إمبراطورية، وقدرات لا يستهان بها على ضبط النفس والمناورة.
لا أحد يكسب على المدى الطويل، طالما ظل «الفيل في الغرفة»، ولا أحد قادر وحده لو عَبَرَ النهر منفرداً، إن النهر يحتاج إلى عمل جماعي يساعد على تلمس كافة صخور النهر، أثناء العبور.
قلة من عرب اليوم تستخدم ما لديها من احتياطي الحكمة، وما أكثر النخب التي تضيء الطريق أمام الشيطان، وتتصرف بأقبح من «حتَّى في مواضِعَ شتىَّ» كما قال ذات يوم بديع الزمان الهمذاني.
نحتاج في تعاملنا مع إشكالياتنا التي يجسدها الفيل في المجلس، إلى الحكمة في تناولها، وإلى ميزان أخلاقي يعيد توجيه المصالح، واستعادة روح المجلس ونظامه، وأخذ العبرة من دروس الماضي، والحيلولة دون انفراط المسار الجماعي.

عن الخليج الإماراتية

اخر الأخبار