الهوية الوطنية والتحولات

تابعنا على:   08:53 2026-02-27

د. يوسف الحسن

أمد/ سؤال الهُوية الثقافية سؤال يواجه البشرية منذ نشأة الخليقة، ومحوره معرفة الذات: من أنا؟ ومن نحن؟ بأبعاده الثقافية والمعرفية والاجتماعية والسياسية.
مجتمعات متقدمة ومعاصرة، تنشغل بهذا السؤال، خاصة حينما تخشى من تعرض هويتها الوطنية للتهميش أو الانكسار أو الغيبوبة، فتهبّ لبلورة مدركات أفرادها عن الذات والموروث والذاكرة المشتركة والآخر المغاير، تتمسك بتجربتها ولغتها وتقاليدها وإرثها الإنساني، الذي تتوارثه جيلاً بعد جيل، وتتفاعل مع ثقافات ومتغيرات على أرضية الثقة بالنفس، وكلما اكتسبت الهُوية الوطنية الثقة بالنفس، كلما كانت أكثر تماسكاً وفاعلية، وأكثر استعداداً للانفتاح على هويات أخرى والتفاعل معها.
الهُوية الوطنية ليست شعاراً لمرحلة، أو في إطار زمني محدد، إنما هي مسألة أساسية للمشروع الحضاري المستقبلي للوطن، ومن دونها يفقد الوطن جوهره.
وهي، الهُوية الوطنية، أيضاً حالة وعي عقلي بالذات، والإدراك التاريخي لها، بأبعادها المعرفية ومضامينها الفكرية والثقافية والسلوكية، وليست مجرد حالة وجدانية.
كيف تفهم الأجيال الشابة مسألة الهُوية الوطنية، وتدرك عن وعي عميق عناصرها الأساسية، المعبرة عن وجود شعب الإمارات وقيمه وعاداته وتقاليده ولغته وموروثه التاريخي والاجتماعي وعقيدته، وأبعاده الحضارية العربية والإسلامية؟
كيف نعزز الشعور بالانتماء وبوشائج الارتباط بكيان وأرض وتاريخ وثقافة مشتركة، وبمرجعيات موروثة تحمل ذاكرتها وتجربتها ونتاجها وطرز حياتها وأنماط سلوكها الاجتماعي الإنساني؟
كيف نعزز ثقافة هذه الهُوية، بما يعاند أسباب الذوبان أو «الرخاوة» في عالم التحولات الجارفة والمتسارعة؟
ونُذكّر دعاة «الهُوية المعولمة» بأن الهُوية الوطنية للشخصية الفرنسية، وعناصرها الثقافية واللغوية وأنماط معيشتها وذاكرتها التاريخية، ما زالت حاضرة بقوة، حتى في الفضاء الأوروبي الاتحادي، وكذلك الأمر مع الهُوية الوطنية الألمانية، والهُوية الوطنية الإيطالية، والإسبانية.. إلخ.
نخاف على الهُوية الثقافية للأجيال الشابة، ليس لأن الخوف مشروع، بل لأن هاجس الهُوية يشغل حتى الأمم المستقرة والمتقدمة في العالم.
إن تعزيز أو تهميش الهُويات الثقافية لا يتم بين عشية وضحاها، بل يأخذ مساراً طويلاً ومعقداً، ويخضع لتجارب ومتغيرات اجتماعية، وتحديات واستجابات، واختبارات عسيرة.
اكتسبت الهُوية الوطنية، من خلال تجربة الإمارات الحديثة، في جوانبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، قيماً إنسانية مهمة، كقيم العطاء واحترام الاختلاف والتسامح وإدارة الشأن العام، وحمل المسؤولية وتمكين المرأة، وبناء دولة الرفاه والرعاية، والنهوض المجتمعي السريع والثقة بالنفس... إلخ.
وواجهت الهُوية الوطنية الكثير من التحديات والاختبارات ذات الصلة بالتحولات التي جرت في الداخل، تعليماً وتربية وإنماء وقيماً ولغة وموروثات وديمغرافيا وتفاعلات ومتغيرات اجتماعية واقتصادية.
هنا نشير إلى متغير هام له صلة بعنصر التربية والتعليم في عصر «الشاشات» وضغوطها المفرطة على هوية الأجيال الصاعدة في الحضانة والمدرسة والمجتمع.
والسؤال هو: كيف يمكن بناء هُوية متماسكة لهذا الجيل وهو يعيش يومه في بيئة «افتراضية» دائمة التوالد، مركزها «الشاشات»، وحالة العقل في وضعية استنفار دائم، ومشتت بين الصور والمعلومات والإثارة، وأقل حضوراً في الواقع الذي يتراجع فيه «البعد الإنساني» والمهارات الاجتماعية والعاطفية، والتأمل والتفكير النقدي، والذاكرة السردية المتماسكة، والشعور بالزمن والثقة بالنفس؟
نحتاج إلى إبداع توازن إنساني، في تعليمنا وتربيتنا يدمج «التقانة» دون أن نفقد عناصر التفاعل الواقعي والنضج والتعاطف والصبر والحوار، وبما يعزز مفهوم الهُوية الثقافية الوطنية.
نحتاج إلى تربية «تؤنسن» التلميذ، حتى لا تختل في عقله ووجدانه هُويته الوطنية، تربية قادرة على صنع الحضور المتسق مع روح العصر، دون أن تكون منقطعة الصلة عن هُويتها وإرثها التاريخي. نعم، نحن نقلق وقلقنا مشروع وضروري بعد أن فقد أبناؤنا وأحفادنا الحي والشارع والذاكرة والموروث واللغة، وأمسوا يقطنون «أوطاناً رقمية» معولمة، ويحسبون أنهم يكتبون «تاريخهم الخاص»، كما قال الكاتب والناشر جمال الشحي قبل أيام في مقاله «الهوية في زمن القبائل الرقمية».

عن الخليج الإماراتية

اخر الأخبار