ودون منتصر واضح..

"الإيكونوميست": الحرب الأمريكية على إيران خلّفت شرقاً أوسطياً أكثر هشاشة

تابعنا على:   19:45 2026-04-11

أمد/ لندن: رأت مجلة الإيكونوميست البريطانية، في تقرير نشرته بتاريخ 9 أبريل/نيسان 2026 بعنوان: “America’s war on Iran has changed the Middle East—for the worse”، أن الحرب الأمريكية على إيران لم تُنتج استقرارًا جديدًا في الشرق الأوسط، بل تركت المنطقة في وضع أكثر هشاشة وخطورة مما كانت عليه قبل اندلاع المواجهة.

وبحسب التقرير، فإن وقف إطلاق النار الذي أُعلن هذا الأسبوع جاء بصورة مرتبكة، بعدما انتقل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من التهديد بتدمير “الحضارة الإيرانية بأكملها” إلى الإعلان، قبل أقل من ساعتين من بدء هجوم واسع، عن تعليق الأعمال القتالية لمدة أسبوعين بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، إلى جانب الحديث عن استئناف الملاحة التجارية عبر مضيق هرمز.

لكن The Economist تؤكد أن هذا الإعلان لم ينهِ فعليًا حالة الاشتباك، إذ تواصلت، وفق التقرير، الهجمات الإيرانية بالطائرات المسيّرة والصواريخ على عدد من دول المنطقة، بينها إسرائيل والكويت وقطر والسعودية والإمارات، في وقت اتهمت فيه إيران خصومها بمواصلة استهداف منشآت حيوية، بينما صعّدت إسرائيل عملياتها في لبنان معتبرة أن الساحة اللبنانية غير مشمولة بالهدنة.

وترى المجلة أن من المبكر الجزم بإمكانية صمود وقف إطلاق النار أو نجاح المفاوضات المقرر عقدها في باكستان في 11 أبريل/نيسان، إلا أنها تشير بوضوح إلى أن الحرب، حتى الآن، لم تُفرز منتصرًا واضحًا. فإيران تكبدت خسائر كبيرة في بناها العسكرية والمدنية والتجارية، ودول الخليج تعرضت أصولها الطاقوية وسمعتها كمنطقة آمنة ومستقرة إلى اهتزاز كبير، فيما استنزفت الولايات المتحدة جزءًا من مخزونها العسكري وأرهقت انتشارها العسكري في المنطقة.

وفي تقييمها لنتائج الحرب، تقول The Economist إن الأهداف التي أعلنها ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لم تتحقق بصورة كاملة. فالنظام الإيراني، رغم الضربات التي تلقاها ومقتل عدد من قادته وخسارته قسمًا مهمًا من قدراته، ما زال قائمًا، وما زال يحتفظ بمخزون من اليورانيوم المخصب، كما يواصل امتلاك القدرة على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة في أرجاء المنطقة.

وتعتبر المجلة أن أخطر ما أظهرته الحرب هو إثبات إيران عمليًا قدرتها على تهديد الملاحة في مضيق هرمز، وهو ما تصفه بأنه أحد أكثر التطورات الاستراتيجية خطورة، لأن العالم سيظل يدفع ثمنه لسنوات. فبحسب التقرير، لم تعد المشكلة مقتصرة على تعطل مؤقت في الشحن، بل باتت مرتبطة بإدراك إقليمي ودولي جديد لحجم النفوذ الإيراني على هذا الممر الحيوي.

وفي الشأن الإسرائيلي، تشير The Economist إلى أن إسرائيل حققت بعض المكاسب العسكرية المباشرة، من بينها إضعاف سلاح الجو الإيراني، وتدمير جزء من شبكة الدفاع الجوي الإيرانية، وإلحاق ضرر بالصناعة العسكرية الإيرانية، مع حفاظ سلاح الجو الإسرائيلي على تفوقه الكامل تقريبًا. غير أن هذه المكاسب، وفق التقرير، لم تتحول إلى حسم سياسي أو استراتيجي، لأن إيران ما زالت قادرة على ضرب إسرائيل والخليج، ولأن إسرائيل وجدت نفسها في نهاية المطاف خارج المفاوضات المباشرة بين واشنطن وطهران.

وتلفت المجلة إلى أن كيفية التوصل إلى وقف إطلاق النار كشفت أيضًا طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، إذ جرى التفاهم بوساطة باكستانية بين واشنطن وطهران، بينما بقيت إسرائيل خارج طاولة التفاوض. وتضيف أن هذا الواقع قد يضع نتنياهو لاحقًا في موقع سياسي أكثر صعوبة، خصوصًا مع وجود مؤشرات، بحسب التقرير، على أن بعض أركان الإدارة الأمريكية يحاولون النأي بأنفسهم عن الحرب وعن الحسابات الإسرائيلية التي دفعت نحوها.

وفي الداخل الإيراني، تقول The Economist إن الحرب ساهمت مؤقتًا في تقوية تماسك النظام، إذ أغلقت الفصائل صفوفها، واستمرت مؤسسات الدولة في العمل، وتراجع جزء من الغضب الشعبي الداخلي أمام مشاهد القصف الواسع. لكنها تحذر في الوقت نفسه من أن الهدنة قد تعيد إحياء الانقسامات داخل بنية السلطة، خصوصًا بين التيار المتشدد والتيار البراغماتي، إضافة إلى ما يحيط بملف خلافة المرشد الأعلى من توترات وعدم يقين.

كما يشير التقرير إلى أن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الإيرانية — من جسور وطرق وسكك حديد وشبكات اتصالات ومطارات — قد تزيد من هشاشة الدولة، وتضعف سيطرة المركز على الأطراف، بما قد يفتح المجال أمام اضطرابات إضافية في بعض المناطق والأقليات.

وفي ملف الطاقة والتجارة، تؤكد The Economist أن آثار الحرب لن تتوقف سريعًا حتى لو صمد وقف إطلاق النار. فالملاحة في مضيق هرمز، بحسب المجلة، لا تزال بعيدة عن العودة إلى مستوياتها الطبيعية، إذ إن كثيرًا من السفن التجارية ما زالت عالقة في الخليج، بينما يتردد مالكو السفن في استئناف المرور بسبب ضبابية الوضع الأمني وخشيتهم من تجدّد القتال. كما تنقل المجلة أن المرور البحري بات يخضع، في حالات كثيرة، لترتيبات منفصلة مع السلطات الإيرانية، ما يكرس واقعًا جديدًا من الابتزاز والهيمنة على الممر البحري.

وترى المجلة أن دول الخليج خرجت من الحرب بصدمة استراتيجية عميقة، لأن المواجهة أظهرت أن اعتمادها الطويل على الحماية الأمريكية لم يعد يضمن الأمن كما في السابق، بل قد يجعلها عرضة للهجمات بسبب وجود القواعد الأمريكية على أراضيها. وتوضح أن هذه الدول، رغم استمرار حاجتها إلى واشنطن، باتت أكثر وعيًا بحدود المظلة الأمريكية، وأكثر اهتمامًا بتنويع شراكاتها الدفاعية والإقليمية.

وفي خلاصة تقييمها، تؤكد The Economist أن الشرق الأوسط بعد هذه الحرب ليس كما كان قبلها، وأن التصور الذي ساد لسنوات عن إمكان احتواء الصراع الأمريكي الإيراني أو إدارته عن بعد قد انهار. وتخلص المجلة إلى أن ترامب حوّل ما كان يُعدّ في السابق سيناريو غير قابل للتخيّل — أي الحرب المباشرة بين واشنطن وطهران — إلى واقع، وأن نتائج هذه المغامرة ستظل تثقل كاهل المنطقة لسنوات، سواء نجحت مفاوضات باكستان أم فشلت.

اخر الأخبار