عندما تنكسر القيود..في صمت الروح
محمد المحسن
أمد/ "علمني وطني أن حروف التاريخ مزورة..حين تكون بدون دماء.."( مظفر النواب)
قد لا نسمع دوي الانفجار حين تسقط جدران الخوف الحقيقية.فالتحرر الأعمق ليس ذلك الذي تهتف له الجماهير في الساحات،بل ذاك الذي يولد في غرف مغلقة،على كرسي متداع،أو في زنزانة لا يصلها ضوء الصباح.هناك،حيث لا كاميرات تراقب ولا خطب تُلقى،يحدث التحول الأكثر جرأة: قرار الإنسان ألّا يكون مجرد رقم في معادلة القهر.
نحن نُخدع بسهولة حين نعتقد أن التغيير صناعة ضجيج.صحيح أن الهتافات تزلزل عروشا،لكن الجذور الحقيقية لأي نهضة تُروى بدماء هادئة، بوعي يتراكم كالماء تحت الصخر،بصبر يقضم الحجر يوما بعد يوم.والقوة الحقيقية ليست في العضلات التي تشدق الأبواب،بل في العيون التي ترفض الرمش أمام منظار الإعدام،وفي القلوب التي تحتفظ بنبضها رغم كل محاولات التخدير.
كم من ثورات خُسرت لأنها استعارت أزياء المنتصرين،وكم من شعوب ظنت أن الحرية مسألة تقنية تحتاج فقط إلى أداة أحدث أو شعار أشد وقعا؟
و الحقيقة الأكثر إيلاما هي أن المستعمر الجديد لا يحمل بندقية دائماً،بل قد يتسرب كسم بطيء في شرايين الثقافة واللغة والرغبات.وتحرير الجسد أسهل من تطهير الروح من مخلفات التبعية.
وهنا يأتي السؤال الثقيل: ماذا لو انتصرنا رسميا لكننا هزمنا حقيقيا؟!
ماذا لو أقمنا دولة مستقلة لكننا بقينا عبيدا لعادات التفكير التي زرعها فينا الغالب؟!
أخطر أنواع السجن هو ذاك الذي لا تحس بقضبانه،لأنها صارت جزءا من قاموسك الفكري، تقرأ به الجرائد وتحكم به على جيرانك.
ربما لهذا السبب،كانت أعظم مقاومات التاريخ صامتة: جدارية ترسمها امرأة على حائط منزلها المهدم،لحن يعزفه موسيقي في قبو تحت القنابل، قصيدة تكتب بدم السجين على جدران زنزانته. هذه الأفعال لا تصنع نشرات أخبار،لكنها تحفر في صخر الزمن حضورا لا تمحوه الدبابات.
في نهاية المطاف،ليس النصر ما نبحث عنه بذلك الشغف الطفولي.فالنصر فكرة مخادعة،لأنها تحيل المعاناة إلى مجرد وسيلة،والإنسان إلى حطب يستعر ليضيء لحظة تتويج غامضة.لكن من عاش تحت الأنقاض يعرف أن السؤال الحقيقي ليس: "هل سننتصر؟"، بل "كيف نحافظ على إنسانيتنا ونحن نُسحق؟!".
قد لا نكتب الإعلان الختامي للتاريخ،وقد تلتهم النيران أجسادنا قبل أن تصل أصواتنا إلى أحد. لكن هناك ما لا يموت: تلك الومضة في العين حين ترفض السجود لمن لا يستحق،ذلك الارتجاف الأولي في اليد وهي تمد كفا بيضاء في وجه الموت.
نحن لسنا أبطال الملاحم،نحن مجرد جروح تمشي،وربما في هذا بالذات تكمُن كرامتنا : أن نستمر في الألم،لكن بأفق لا تستطيع الجدران أن تغلفه..
وهكذا نمضي،جروحا تمشي في زمن لا يريد لأجسادنا أن تلتئم،ولا لأصواتنا أن تعلو فوق صخب الانتصارات الزائفة.لكن في عمق تلك الجروح،حيث يلتقي الألم بالوعي،تنبت بذرة لا ترى بالعين المجردة: بذرة الحرية التي لا تعلن عن نفسها،بل تُعاش كتنفس،كظل،كذاكرة لا تستسلم للمحو.
لن نرفع رايات،ولن نكتب بيانا،لكننا سنظلّ نهمس في أذن الريح: "لم نُهزم". لأن الهزيمة الحقيقية ليست في السقوط،بل في نسيان أننا كنا يوما واقفين.وما دام في العين تلك الومضة،وما دامت اليد تمتدّ كفا بيضاء،وما دام القلب يحتفظ بنبضه..فإن شيئا من النور يبقى،لا تشبهه أنوار الساحات،لكنه كافٍ لنرى به وجه الآخر،ونعرف أننا لسنا وحدنا.
في تلك العزلة الجميلة،بين جدارين متداعيين، يُكتب التاريخ الحقيقي: لا بحبر القادة،ولا بدماء الشهداء فقط،بل بإصرار جروح تمشي،لا تبحث عن نصر،بل عن معنى يليق بهذا العناء.
