تاريخ النشر: 2026-11-05 | 15:37
تاريخ النشر: 2026-11-05 | 15:37
ليست الكتابة عن الشهداء مجرد استعادة لأسمائهم وتواريخ رحيلهم، بل هي مسؤولية توثيقية وأمانة تاريخية تقتضي حفظ تفاصيل حياتهم ومحطات مسيرتهم، وما قدموه من تضحيات في سبيل وطنهم. وحين نكتب عن الشهيد القائد جمال سليم محمد عبد النبي، المعروف بـ«أبو رمزي»، فإننا نتناول سيرة رجل ارتبط اسمه بحركة فتح والعمل الوطني والاعتقال والمواجهة، وترك بصمات في محيطه التنظيمي والاجتماعي.
وتكتسب هذه السيرة بعداً شخصياً بالنسبة لي، فقد جمعتني بالشهيد علاقة أخوة وصداقة ورفقة اعتقال، وعشت معه بعض المحطات التي بقيت حاضرة في ذاكرتي، منذ تحياته التي كانت تصلني عبر البوسطة بين السجون، وصولاً إلى لقائنا الأخير قبل ساعات من استشهاده.
النشأة والجذور والأسرة
وُلد جمال عبد النبي عام 1957 في مخيم جباليا، وتعود جذور عائلته إلى قرية سمسم الفلسطينية التي هُجّرت منها عام 1948، قبل أن تستقر الأسرة في مخيم جباليا، ثم تنتقل لاحقاً إلى منطقة بئر النعجة.
كان جمال ثالث إخوته، ونشأ في أسرة تحمل ذاكرة اللجوء والانتماء إلى الأرض. وقد أسهمت الحكايات التي كانت ترويها والدته عن قرية سمسم وشهداء العائلة في تشكيل وعيه الوطني، ومن بينهم عمه حسين محمد أحمد عبد النبي، وابن عمه فتحي سالم محمد عبد النبي.
تلقى تعليمه في مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» حتى الصف الثالث الإعدادي، لكنه اضطر إلى ترك الدراسة بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة، واتجه إلى العمل مبكراً، حيث عمل حارساً في مصنع أبو الخير لتغليف الحمضيات، لمساعدة أسرته وتحمل مسؤوليات الحياة.
تزوج جمال في سن السادسة عشرة، وأنجب ستة أبناء وابنة هم: رمزي، ورامز، ونبيل، ونضال، وسمير، وسليم، وحنين. وقد تزامنت مسؤولياته الأسرية مع انخراطه في العمل الوطني والتنظيمي، الأمر الذي جعل أسرته تعيش ظروفاً صعبة بفعل الملاحقة والاعتقال وما رافقهما من ضغوط.
في صفوف حركة فتح وبدايات العمل التنظيمي
ارتبط جمال عبد النبي منذ سنوات مبكرة بحركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح»، وانخرط في العمل التنظيمي، وتلقى توجيهه على يد القائد فهد، وشارك في عدد من المهام التنظيمية، من بينها إيصال السلاح، وفق الروايات التي نقلتها أسرته عن تلك المرحلة.
وتشير هذه الروايات إلى أن زوجته شاركته بعض ظروف تحركاته، ففي إحدى المرات اصطحبت طفلهما الرضيع سمير، وكانت تخفي السلاح تحت ملابسها، في ظل الظروف الأمنية الصعبة التي كانت تحيط بتحركاته.
وامتدت ملاحقة الاحتلال إلى أفراد أسرته، حيث داهمت قوات الاحتلال المنزل واعتقلت عدداً من أشقائه، وأخضعتهم للتعذيب والضغط في محاولة لإجباره على تسليم نفسه، لكنه واصل طريقه حتى اعتقاله.
الاعتقال الأول ورحلة السجون
في الحادي عشر من نوفمبر/تشرين الثاني عام 1984، اعتقلت قوات الاحتلال جمال عبد النبي، وأخضعته لتحقيق قاسٍ في سجن غزة المركزي استمر أكثر من شهرين، قبل أن يصدر بحقه حكم بالسجن لمدة سبع سنوات.
وخلال سنوات الأسر، تنقل بين سجون غزة المركزي وعسقلان وشطة ونفحة، وشارك في الحياة التنظيمية داخل المعتقلات، وأصبح من الوجوه القيادية المعروفة بين الأسرى. كما عانى ظروفاً صحية صعبة، من بينها إصابته بمرض القرحة.
وفي الحادي عشر من نوفمبر/تشرين الثاني عام 1991، أُفرج عنه بعد إتمام مدة الحكم الصادرة بحقه، ليعود إلى أسرته ويستأنف نشاطه الوطني والتنظيمي.
تحيات عبر البوسطة.. علاقة أخوة لم تقطعها السجون
من المحطات التي أعتز بها في علاقتي بالشهيد جمال أنني كنت معتقلاً في سجن غزة المركزي، بينما كان هو في سجن عسقلان. ورغم اختلاف أماكن الاعتقال، ظل يبعث إليّ السلام والتحية عبر الأسرى الذين يجري نقلهم بين السجون بواسطة حافلات المعتقلين المعروفة باسم «البوسطة».
كانت تلك التحيات تصلني وتحمل معها معاني الأخوة والوفاء، وتؤكد أن المسافات والأسوار لم تكن قادرة على قطع التواصل بين الرفاق.
وبعد الإفراج عنه، استمر التواصل بيننا، والتقيت به في مناسبات ومحطات مختلفة، وظل كما عرفته: صاحب مروءة وخلق، قريباً من رفاقه ومعارفه، حريصاً على علاقاته الإنسانية والاجتماعية.
مرحلة ما بعد الإفراج والمسؤوليات التنظيمية
لم يتوقف نشاط جمال عبد النبي بعد خروجه من الأسر، بل عاد إلى صفوف حركة فتح، وتولى مسؤوليات تنظيمية في مناطق شرق وغرب مدينة غزة، وأسهم في إعادة ترتيب الأطر التنظيمية وترميم المجموعات التي أصابها الضعف والتراجع.
وكان له دور في تشكيل لجان المقاومة الشعبية، كما تشير الروايات التي نقلتها أسرته إلى تأسيسه مجموعة عُرفت باسم «الرد المباشر»، بهدف مساندة المطاردين والوقوف إلى جانبهم في ظروف الملاحقة الصعبة.
وعلى الصعيد المهني، عمل في جامعة الأزهر بغزة في المجال الإداري، جامعاً بين عمله ومسؤولياته التنظيمية والوطنية.
دوره الاجتماعي ومواقفه الوطنية
لم يقتصر حضور جمال على الجانب التنظيمي، فقد عُرف بدوره الإصلاحي والاجتماعي، وكان يسعى إلى معالجة الخلافات وتقريب وجهات النظر، ومن ذلك تدخله في بعض الخلافات العائلية داخل عائلة عبد النبي، حرصاً على صلة الرحم ووحدة العائلة.
كما اتسم موقفه الوطني بالحرص على وحدة الصف الفلسطيني، ولا سيما خلال التوترات والخلافات التي شهدتها الساحة بين حركتي فتح وحماس في مرحلة الانتفاضة الأولى.
وتشير الروايات المرتبطة بتلك المرحلة إلى أنه عبّر عن رفضه لاستمرار الخلافات خلال عزاء الشهيد فضل ريحان، مؤكداً ضرورة عدم الانجرار إلى الصراعات الداخلية، وأن يبقى الاحتلال هو التناقض الرئيسي الذي ينبغي أن تتجه إليه الجهود الوطنية.
وكانت هذه المواقف تعكس حرصه على وحدة الحركة الوطنية، وإيمانه بأن الخلافات الداخلية لا ينبغي أن تطغى على القضية الفلسطينية وأولوياتها.
إصابته واعتقاله الثاني عام 1993
في التاسع من ديسمبر/كانون الأول عام 1993، حاصرت قوات الاحتلال منزلاً كان جمال موجوداً فيه برفقة مجموعته، واندلع اشتباك مع القوات المقتحمة، أُصيب خلاله برصاصة في منطقة الرقبة.
وعقب المواجهة اعتقلته قوات الاحتلال، وأخضعته للتحقيق والتعذيب مدة خمسة وأربعين يوماً، قبل الإفراج عنه.
وتروي أسرته أنه، خلال تلك المرحلة، طلب من زوجته مصاغها الذهبي ليبيعه ويوفر ما يحتاج إليه لمواصلة نشاطه التنظيمي، وهي واقعة تكشف جانباً من الظروف والتضحيات التي أحاطت بحياته.
كما عمل إلى جانب الشهيد القائد أحمد أبو إبطيحان «الشايب» على ترميم مجموعات حركة فتح وإعادة بناء حضورها التنظيمي، في مرحلة شهدت تحديات كبيرة على المستوى الوطني والتنظيمي.
اللقاء الأخير.. سلام لم يكن عابراً
ومن أكثر المحطات حضوراً في ذاكرتي لقائي الأخير بالشهيد جمال في يوم استشهاده.
ففي فترة العصر، مرّ جمال في الشارع العام مقابل محل أبو العبد صافي لبيع الحديد والإسمنت، وكان يستقل سيارة واحدة برفقة ابن عمتي الشهيد ناهض غودة، وأنور المقوسي، وآخرين لم أتمكن من التأكد من هوياتهم.
مرّت السيارة أمامي مصادفة، وتبادلنا السلام والتحية، دون أن أعلم أن تلك اللحظات ستكون آخر لقاء يجمعني به.
وفي ساعات المساء، وقعت عملية اغتيالهم في منطقة القطاطوة بمخيم جباليا، وكان المشاركون في الواقعة يستقلون أكثر من سيارة. وهكذا بقي ذلك اللقاء محفوراً في ذاكرتي، باعتباره السلام الأخير الذي جمعني بجمال ورفاقه قبل استشهادهم.
الاستشهاد.. 28 مارس 1994
في يوم الاثنين، الثامن والعشرين من مارس/آذار عام 1994، استشهد القائد جمال عبد النبي «أبو رمزي» في منطقة القطاطوة بمخيم جباليا، مع خمسة من رفاقه، إثر عملية نفذتها القوات الخاصة الإسرائيلية والمستعربون.
وبرحيله، فقدت أسرته ورفاقه وأبناء مخيمه واحداً من رجال الحركة الوطنية الذين ارتبطت حياتهم بمحطات متعددة من العمل التنظيمي والاعتقال والمواجهة.
لم تكن مسيرة جمال مجرد سنوات من النشاط أو مرحلة من مراحل النضال الفلسطيني، بل امتدت عبر محطات متعاقبة، بدأت من مخيم جباليا وجذور عائلته في قرية سمسم، مروراً بالعمل المبكر والانخراط في صفوف فتح، ثم الاعتقال والسجون والإفراج، وصولاً إلى المسؤوليات التنظيمية والإصابة والاعتقال الثاني، وانتهاءً باستشهاده في القطاطوة.
سيرة تستحق أن تبقى
إن توثيق سيرة الشهيد القائد جمال عبد النبي «أبو رمزي» هو حفظ لمرحلة من تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية في قطاع غزة، وتسجيل لمحطات رجل عاش تفاصيلها بين أسرته ورفاقه ومؤسساته التنظيمية، وترك أثراً في حياة من عرفوه.
وأنا، إذ أكتب هذه السيرة، أستعيد رفيقاً جمعني به الأسر والوفاء، وأتذكر تحياته التي كانت تصلني عبر البوسطة، ولقاءنا الأخير في شوارع مخيم جباليا قبل ساعات من استشهاده.
رحم الله الشهيد القائد جمال عبد النبي «أبو رمزي»، ورحم رفاقه الشهداء، وحفظ تاريخهم وتضحياتهم في ذاكرة شعبنا.